بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
سوريا: متى سنجني الثمار المرّة لـ باب الحارة؟
  20/08/2010

سوريا: متى سنجني الثمار المرّة لـ باب الحارة؟
أُبيّ حسن- كلنا شركاء


ليس من قبيل المبالغة القول إن مسلسلات من قبيل "باب الحارة" بأجزائه العدة, و"أهل الراية" بشقيه, وما شابهها من أعمال درامية, هي مسلسلات تحاكي بيئات اجتماعية من قبيل مدينة قم في إيران ومكة المكرمة والمدينة المنورة وسواها من مدن سعودية تحديداً, أضف إلى ذلك الضاحية الجنوبية في بيروت وغزة من بعد أن صارت غزستان بمعونة الأخوة الأفاضل في حماس. إذ هي مسلسلات أبعد ما تكون عن دمشق وبيئتها, فإذا ما استثنينا اللهجة الدمشقية التي عرف كيف يستغلها بعض المخرجين والكتّاب الدماشقة, سنظن إن ما نشاهده على الشاشة الصغيرة يحدث في "جمهورية" الأخوة الملالي راهناً, وليس في بلد التعددية الإثنية والدينية والمذهبية, في البلد الذي رفعت كتلته الوطنية, مبكراً جداً, شعار "الدين لله والوطن للجميع", ذلك البلد الذي انتسبت فيه السيدة الدمشقية فلك طرزة إلى الحزب الشيوعي السوري مطلع عام 1937(لا نجزم إن كان شخص من قبيل مخرج باب الحارة, والذي نخشى صادقين ألاّ تتجاوز ثقافته بابها, يسمع أو يعرف من تكون فلك طرزة أم لا).
نعم, هي مسلسلات أبعد ما تكون عن روح الشام عامة ودمشق خاصةً, فدمشق التي أنجبت يوحنا وغيلان الدمشقيين.. دمشق المصلح والتنويري الكبير الشيخ طاهر الجزائري, والرائد أبو خليل القباني, ومحمد كرد علي وشفيق جبري والمربي الفاضل إبراهيم كيلاني.. دمشق العالم قسطنطين زريق وخالد بكداش وميشيل عفلق وصلاح البيطار, وأساتذة أجلاء من قبيل بديع الكسم وعادل العوا.. دمشق عبد الفتاح سكر وعبد اللطيف فتحي ونهاد قلعي ونجاح حفيظ(فطوم حيص بيص) ودريد لحام.. دمشق نزار قباني الذي صنعت أشعاره لسوريا والسوريين, مجداً هيهات أن يقف دونه باب حارة مغلق ومُظلم أو أهل راية أعاذنا الله من مفردات حيواتهم اليومية ومن انغلاقهم الذي نخاف أن يفرّخ لنا أمثال ابن لادن والظواهري.. دمشق هذه ومما لا يتسع المجال لذكره, هيهات أن يختزلها باب حارة مهما بلغت "شهامة" رجالها و"كرمهم"!

بتاريخ 17/8/2010, ظُهر يوم الثلاثاء, شاهدتُ بالمصادفة قناة دنيا, وكانت تعرض المسلسل, والأصح القول: الكارثة "أهل الراية", وقد سمعتُ لفظة "العيبة" تتكرر فيه أكثر من مرة, مع التشديد على الخوف من الوقوع فيها والخشية منها على لسان السيد الورع التقي النقي "أيمن رضا" رزقنا الله رضاه وصالح دعاه.. آمين. طبعاً, لا ندري إن كان القائمون على أمر ذلك المسلسل وشبيهه, هم في حياتهم وممارساتهم الشخصية ضد "العيبة" بالمعنى الذي يريدون تسويقه! (وبسذاجة نتساءل عن السبب في تفاقم وازدياد ما يُعرف بجرائم الشرف في بلادنا؟). عطفاً على ذلك, تحدثُ –في الحلقة ذاتها- مشاجرة بين بعض شخصيات الحارة(يحلّها لاحقاً ما يُسمى بـ"العضوات" والوجهاء أطال الله بأعمارهم) سببها إن الممثل الذي تلقى بصقة من زميله نظر إلى بعض الحريم السافرات الوجه بالمصادفة(أستغفر الله)! فوفقاً لما رأيناه أن كل نساء "أهل الراية" وهن يمشين في الساحة كنّ مسربلات باللون الأسود, إلى درجة تعتقد معها أنك تعيش في مدينة أين منها قُم وحارة حريك وغزستان وبعض مدن شبه جزيرة العرب؟! وليس في سوريا القرن الحادي والعشرين!
طبعاً, لا ترمي هذه المقالة لكيل الإعجاب بأي من العملين المذكورين –معاذ الله- وما يشبهها, أو الإشارة إلى بعض فضائلها, إن كان لها فضائل سوى أن نبهتنا إلى أهمية عصر النهضة, وضرورة إحيائه, برغم عثراته وخطاياه.. وإن كنّا نظن(وبعض الظن إثم) أن كتّاب مثل تلك الأعمال, هم على ضحالة ثقافتهم لا يرمون فقط من خلال هذي الأعمال إلى الإثراء السريع والفاحش كما يقول البعض(باعتبار أن سوقهم الرئيس وموجههم هو دول النفط الخليجي, وما تفرضه من نمط ثقافي تتطلبه ذائقتها, وأولئك الكتبة رهن هاتيك الذائقة, وبالآتي رهن شره نفوسهم التي نربأ بها أن تكون ضعيفة), بل صار لكثرة تكرارها –تكرار نمط المسلسلات التي نعني- ينمّ عن حالة مرضية عُصابية من قبل أولئك الكتّاب والمخرجين, ويُخشى أن تكون تلك الحالة غريزة لديهم, تهدف إلى القول ضمناً من دون إفصاح وتصريح علني, إن سوريا بشكل عام ودمشق بشكل خاص هكذا كانت وهكذا يجب أن تكون عليه صورتها في المستقبل. وبكلمة أخرى: هي أعمال رافضة في جوهرها للآخر والمختلف, ويمكن أن يقال هنا الكثير, بيد أني أفضّل ألاّ أزيد, تجنباً للقال والقيل, أو لنقل: إنني أفضّل التريّث في ما يمكن أن يُقال.
من الوارد جداً, أن صنّاع هذا النوع من الدراما المفصلة على مقاس وذائقة أبناء الخليج العربي(أو معظمهم), يتجاهلون أنهم يسيئون إلى دمشق تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً من خلال تقديمهم المكثّف لتلك الأعمال بمثل تلك الطريقة!.. ويسيئون إلى المرأة الدمشقية جرّاء تصويرهم المستمر لها وتقديمها في هذي الصور النمطية, التي يعتقد الكثيرون أن المرأة الدمشقية بشكل عام تجاوزتها منذ زمن طويل, وإن بقيت موجودة فعند القلّة, وصارت الاستثناء ولم تعد القاعدة, ولن تعد كما يرغب بشغف منقطع النظير –على ما يبدو- آل الملا الذين يريدوننا أن نعود إلى عصر(الحرملك والسرملك).
من البدهي أننا نقصد ونتقصّد –من خلال مقالتنا- مخاطبة المعنيين بالأمر من عقلاء البلاد: مثقفيها قبل سياسييها, وقادة الرأي والمجتمعات فيها قبل صنّاع القرار, أولئك الذين هالهم المد الديني في البلاد! هل نسيتم تصريح السيدة بثينة شعبان منذ بضعة أشهر خلت, بخصوص ذلك المد, وردود فعل بعض المثقفين عليه؟ وهل هي مصادفة ألاّ نقرأ أي رد فعل على المدّ الديني وبعض مظاهر التطرف التي نشهدها في حياتنا لأي ممن يشاركون في صنع تلك الآفات تحت مُسمى دراما؟! يا عقلاء بلادي: إلى أين تريدون أخذ المجتمع السوري؟ وأية رسالة تريدون إيصالها للسوريين من خلال عرضكم وترويجكم لمثل كل ذلك التخلّف تحت مُسمى الدراما ودعم صناعتها؟ وهل يمكن لعاقل أن يقتنع أن مسودات قانون الأحوال الشخصية سيئة الذكر(والسيئة هي المسودات, طبعاً) قد تم طبخها ومعالجتها بمنأى عن التأثير والتأثر بمثل تلك الأعمال المُسماة درامية؟ هل هي مصادفة ألاّ يعترض, "أبطال" الحارة وحملة الراية على تلك المسودة سيئة الذكر, على الأقل تضامناً مع عشرات وربما مئات المثقفين السوريين الذين اعترضوا عليها؟!
منذ فترة ليست بعيدة, أقدم السيد وزير التربية, مشكوراً, على خطوة نحسبها مهمة جداً, كائنة بإبعاد المنقبات عن سلك التعليم[1](منقبة وستمارس التعليم! كيف؟ لا ندري! من الممكن أن نستعين بخبرة بسام الملا الدراميّة في هذا المجال). ولم يلبث الأمر طويلاً حتى قرأنا عن قرارات شفهية اتخذتها القيادة السياسية في البلاد, تقضي بمنع دخول المنقبات إلى حرم الجامعات الرسمية والخاصة على حد سواء, وذلك في ما يبدو خطوات استباقية لمنع نشر التزمت في البلاد ومن ثمّ التطرف وما قد يجلبه معه من مخاطر, وهي خطوات تستحق الشكر والثناء من قبلنا. لكن ما يخطر في البال: كيف لمن يصدرون هكذا قرارات حكيمة درءاً لما هو أسوأ أن يسمحوا باستباحة شاشاتنا الصغيرة –وهي المكوّن الأهم والأبرز لوعي وذائقة صغارنا وشريحة عظمى من نسائنا- من قبل فئة من الكتاب والمخرجين المصابين بحمى عُصابية ترمي إلى وهبنة سوريا, ورفض مطلق لكل مغاير ومختلف(اللهم هذا ما يخلص إليه المتابع لتلك الأعمال)؟
هل ما نسوقه عبارة عن تطرف قُبالة تطرف كما قد يفهم البعض؟ لا, ليس الأمر كذلك. ولو أن الأمر اقتصر على جزء أو اثنين من تلك الأعمال, لكُنّا صفقنا لها باعتبارها لفتة درامية جديدة, لكن الإصرار والإدمان عليها بذريعة "الجمهور عايز كده" في ظل تجاهل وجود مئات المشاكل المجتمعية التي تستحق المعالجة درامياً من قبل الكتّاب والمخرجين ذاتهم, هو ما بتنا نخشى منه, لاسيّما أن مخرجاً بعينه, ونعني السيد بسام الملا(إضافة إلى بضعة كتّاب معروفين بهذا الصنف من الأعمال), يكاد يتخصص بهذا النوع الذي يكرّس ثقافتي "الحرملك والسرملك" في مجتمعنا, وبهذا هو ينسف عن سابق إصرار وتصميم كل الإنجازات التي حققتها المرأة السورية طوال قرن ونصف بدءاً بماريا مراش مروراً بفلك طرزة وليس انتهاء بنجاح العطار وبثينة شعبان وأسماء الأسد مع حفظ الألقاب للجميع.
الحديث يطول, وقد يكون له تتمات, والى أن نعود إليه مجدداً, اسمحوا لنا أن نسأل عقلاء سوريا ممن لم يرفعوا صوتاً حتى الآن: ترى متى سنجني الثمار المرة لباب الحارة وأهل الراية؟
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

عربي

 

بتاريخ :

29/10/2010 11:10:26

 

النص :

شكر للكاتب على هذا المقال الذي يدل على سعة افق وروح تقدمية مع غيرة وطنية لاشك ان كل ما يقدم اليوم على الشاشات العربية ليس من جل التثقيف والمعالجة للقضايا التي نعيشهابل الهدف الرئيس هو الكسب المادي لكل العاملين في هذا المجال مرورا بالكاتب انتهاءا بمدير القناة لان الاعلانات التجارية تفرض خلفية تسويقية وتروجية تشد المشاهد للمتابعة ولكن الاخطر بالامر ان المراقبة لهذه النصوص تعمل بتناغم مع الاجهزة الامنية والقمعية للانظمة فل تصرح بنص ما لم يكن فيه تبجيل ولو بالتلميح لرأس النظام اذا اراد كاتب ومخرج باب الحارة وغيره ان يقولوا ان سورية هي قلعة الصمود من خلال اسم دمشق للاسف بهذه الطريقة كأنهم يقولون لايمكن ان تكون كذلك ما لم تحمل عقلية مشابهة لتلك التي سادت ايا السفر برلك وان الانفتاح هو خطر يهدد ذلك الصمود .من المعرف ان العقليات الحامدة هي الاسهل للسيطرة عليها وجرها الى حيث نريد؟؟؟