بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
كنت في الرياض وأجهل كيف هي الرياض، تأملوا!!
  15/08/2010


كنت في الرياض وأجهل كيف هي الرياض، تأملوا!!
 حنا مينة
المناسبة مهرجان الجنادرية وفي الفندق الذي نزلت فيه، تبارى الشعر مع المرض، وانتصر، لسوء الحظ، المرض، فعدت إلى دمشق سريعاً لأدخل المستشفى الفرنسي، وكل زادي ما تبقى من شعر الصديقين العزيزين: عبد الرحمن الأبنودي، وحسين حمزي، موشاة بزهر سريرتي، لا في ذاكرتي التي هي غربال! ‏
الأسف لا يصنع إبداعاً، ولا يطعم خبزاً، لذلك أجافيه، لا أتعامل معه، غير أنني، في زيارتي القصيرة للرياض، أسفت لأن الحظ لم يسعف في التعرف على بعض من أرغب: دار اليمامة ورؤية أستاذي وصديقي الكاتب الكبير الأستاذ تركي السديري، رئيس تحرير جريدة (الرياض) الغراء. ‏
لقد قلت، سابقاً، أنا لا أملك يداً سحرية تقطف النجوم، وأصابعي التي هي أغصان شجرة مرجانية، منسية في قاع البحر الأحمر، لا تورق كزهور الثلج، وأضيف اليوم: أن حروفي منذورة لدمي الذي نزف في مواقع خطواتي على درب الشقاء الطويل! نعم! درب الشقاء الطويل، الذي أباركه لأنه صاغني، من حبة رمل على شاطئ مهجور، إلى حجر منمنم، أو إلى حصاة مدورة، لكثرة ما تأنق الموج في تقبيلها، ليجعل منها حصاة متشكلة بريشة فنان، أو مستنيرة بمفردة شاعر، أو، ربما، مصوغة، بإزميل نحات ماهر. ‏
هكذا كتب علي أن أشقى، وماهم ، الشقاء هو الذي صقل يراعتي، وماكنت، في أيما يوم من يفاعتي، أحلم بأن تكون لي يراعة، وتالياً كلمة مكتوبة، لأنني بالخطأ ولدت، وبالخطأ نشأت وبالخطأ كتبت أيضاً، ومن يدري، فقد أموت بالخطأ أيضاً، وعندئذ تنغلق الدائرة السعيدة، شرط ألا يتأخر انغلاقها، فأمسي في التعساء، سأماً من حياة عشقتها ولما أزل. ‏
لقد باركت، عمري كله، أصابع اليد، فهي الإبداع في كل ألوانه، ولئن عجزت أصابعي أن تقطف النجوم، فإنها خطت الحروف، والحرف، في دلالته البهية، هو الذي أعطى النجمة بهاءها إذاً غصن المرجان أورق وأثمر، ولما لم تكن لي حبيبة أهديها نجماً، أو أقدم لها غصن مرجان عند مي الثمر، فقد أضعت عمري، واختل توازني النفسي، ولم أجد سبيلاً إلى خلاص روحي المجرحة بالألم، إلا بخربشة الحكايات على الورق، ولعلكم، أو بعضكم على الأقل، قرأ، مشكوراً، بعض حكاياتي، أو بعض قصصي، وهذا حسبي، فأنا قاص، وروائي، إذا ماكان زعمي، وزعمكم أيضاً، صحيحاً في هذه التسمية، أما التنظير للقصة أو الرواية، فليس لي فيه شبر أو فتر، وإنما رأي يرى وإلا لماذا أكتب؟ ولماذا أتكلم وقد كنت أرغب في الصمت!؟ ولماذا أقتنص حق غيري في الحديث على الرواية العربية وفن القص بين التراث والحداثة؟ ‏

رأيي، في هذا المجال، بسيط جداً، مختصر جداً، ففن القص هو ابن زمانه، أو ابن تاريخه الاجتماعي، والتاريخ عصور، ولكل عصر فنه في هذا المجال، وهذا هو التحديث، المستند إلى التراث، أو إلى الموروث الشعبي. لقد أخذنا الكثير من هذا التراث، وهذا الموروث، وأعطينا ما أخذنا بشكل آخر، في الرواية والقصة والمسرح والسينما والتلفزة. أخذناه خامة، أو نطفة، أو ملاحظة، أو حكاية، وسبكنا، كل ذلك، سبكاً جديداً، حديثاً، له من مرحلته التاريخية طابع الحداثة، وحسناً فعلنا، لأن غيرنا، في العالم، صنع نفس صنيعنا، فكانت حداثته غير منبتة الجذور عن تراثه، موروثه، بيئته، تاريخه، لذلك أسمح لنفسي بالقول: إننا في الموقع الصح. ‏

إن كليلة ودمنة، وألف ليلة وليلة، وبخلاء الجاحظ، وغيرها وغيرها، قد أثرت إبداعنا، بما تناولناه منها، وأخرجناه مخرجاً فنياً، يلائم زمننا، وهذا، في المآل، هو التحديث والحداثة. والشأن ذاته مع الموروث الشعبي، فقد أفدت أنا نفسي، الكثير من هذا الموروث، واتكأت عليه، سواء في قصص والدي، الذي منه تعلمت القص، أو من حكايات عمال المرفأ، حين كنت حمالاً في المرفأ، أو حكايات البحارة حين كنت، في يفاعتي، بحاراً على المراكب الشراعية، أو من السجناء، حين كنت، زمن الانتداب الفرنسي، وبعده أيضاً، أدخل السجن لأخرج منه، ثم أعود إليه، مكافحاً في سبيل التحرر والحرية والعدالة الاجتماعية، وهذا واضح في أعمالي الأدبية كلها، أو أكثرها على الأقل. ‏
سؤال أخير: هل قلت جديداً؟ لا! وعن قناعة تامة، فأنا لا أحب التواضع والغرور كليهما وقد فكرت ملياً في عنوان هذه المقالة، ورأيت فيه، بعد شيء من التكفير، هذا الذي قرأتموه ولا زيادة لدي، فاعذروني، والعذر من بعض الشيم. ‏
الرياض خضراء يقال؟ أعترف. الرياض خضراء بكل معاني الخضرة، وبعض هذا الاخضرار في قلوبكم الكريمة، فيئاً كان، وفيئاً يبقى، ويداً للثقافة والحضارة، تبسط ولا تقبض، فالشكر وللرياض على هذا الفيء الثقافي الذي به نستظل، مادامت الثقافة، في هذا الزمن، هي المعول عليها، بعد أن فقد الخطاب السياسي صدقيته، وتقدمت الثقافة إلى مركز الصدارة، وصارت الجنادرية ومهرجانها على هذا القدر من العطاء والبهاء. ‏
حنا مينه


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات