بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
يموتون ويتركون لنا ثيابهم
  07/08/2010

يموتون ويتركون لنا ثيابهم

أزهار أحمد
مات خالي منذ أسبوعين.. مات فجأة، تاركاً دهشةً وألماً وخوفاً وغضباً وحزناً.. مات تاركاً ثيابه وفرشاة أسنانه وأحذيته وحقائبه وهاتفه ومنشفته وعطره ومشطه الصغير.. مات تاركاً كل شيء لا يتحرك إلا إن كان هو مَنْ يحركه، لأنها أشياء له وحده فقط.
سيتحرك أولاده وزوجته وأمه وأخواته وأخوته وأصحابه وجميع مَنْ يعرف ويحب، سيمضون خطوةً، خطوة، ويحلِّقون فوق الأيام القاسية الفارغة، وتمتلئ الحياة من جديد، ما عدا تجويفاً صغيراً كان له في القلب. سيمضون وتمضي الحياة، ما عدا ثيابه التي اعتادت حركة يديه كل يوم، لتُدخل جسده في الثياب، حيث يبقى فيها ساعات طويلة، يتحرك بها ويسير ويعمل ويأكل ويقوم وهي عليه ومعه.. وهاهي ثيابه تفقده فجأة، وتفقد عينيه التي يقف بهما حائراً وهو يختار أيَ الثياب سيلبس اليوم للعمل، وماذا سيلبس حين يذهب لزيارة أمه أو لسهرة مع رفاقه.
حين دخلت غرفته يوم وفاته، رأيت ثيابه معلقةً وحيدة ورائحته ملتصقة بها، فأصابتني رعشة أمل من أنه مازال حياً، وأنه سيدخل الآن، كي يلتقطها ويلبسها، هذا ما تفعله بنا ثياب الموتى المعلقة، تعطينا دائماً أملاً بالخروج إلى الحياة. ثم تجرأت وفتحت خزانة ملابسه ورأيت دشاديشه وقمصانه البيضاء مرتبة، تفوح منها رائحة البخور الذي يحب، ثياباً وحيدة معلقة ومبعثرة ومرتبة، ثياباً تنتظر صاحباً لن يعود.
ثم بعد وفاته بيوم، اختفت ثيابه المعلقة، لأنَّ ابنته وضعتها بالخزانة، فربما لم تحتمل رؤية أشياء حية حولها تذكرها بحركة أبيها، أو ربما أخفتها عن أمها كي لا تنهار كلما لمحت ثيابه تنتظره، فتتصور لحظة دخوله مع كل ثانية. لكننا كالعادة نُبعد كل ما يذكرنا بموتانا، لخشيتنا من انبعاث الحزن والانغماس في أشياء الموتى، وربما يكون الانغماس في الحزن وسيلة لتجاوزه.
كم من الملابس أهديناها لهم، وكم من الملابس لبسوها في مناسبات لا تُنسى، وكم من الملابس التي خبأوها لمناسبة قادمة، وكم مرة أعجبنا وأحببنا ثياباً لهم عن ثيابٍ أخرى، فماذا نفعل بثياب مَنْ يتركوننا؟ ماذا ستفعل زوجته الآن بهذه الثياب التي غسلتها وكوتها عشرات المرات؟ ماذا ستفعل بهذا الكم الهائل من القماش الذي رافقها كل يوم وهو معها؟ ثم ماذا ستضع مكان خزانته الفارغ؟ إن وضعتها مكانها سيتكرر عذاب الفقد كل لحظة، وإن تبرعت بها ستضيع ذكرياتها. فماذا ستفعل بها؟ ماذا يفعل الناس بثياب موتاهم؟ حكايات كثيرة ترافق ثياب الموتى، فكم من حكاية لم نسمعها، وكم من حكاية متشابهة، وكم من ألم تزرعه الثياب الوحيدة، ونبقى نحن الَّذين نتحمل مسئولية هذه الثياب، كيتامى لا يجدوا مَن يرعاهم.
مات أبي منذ خمسة عشر عاماً، وأول ما خطر في بالي لحظة موته هو أن آخذ قطعة من ثيابه، وبالفعل اختطفت غطاء رأسه وهو على سرير المستشفى، وظلوا يبحثون عنه وأمي تتساءل، ولم أعترف بسرقتي لعصاه وغطاء رأسه أبداً. بعد ذلك بأشهر خطر في بالي أن أسرق بعضاً من ثيابه وأضعها بين ثيابي كي لا يغيب عني مهما حاول الوقت خداعي، فتسللت لغرفته بعيداً عن أمي ولم أكن أنوي استئذانها، لكنني وللأسف وجدت خزانته فارغة، فأصابتني ضربة في بطني لا أدري من أين جاءت وكيف، إلا أن ألماً شديداً لازم بطني واستمر طوال ذلك اليوم. بحثت في جميع أرجاء البيت ولم أجد قطعة واحدة. عرفت أن أمي خبأتها في مكان ما، وأنها مهما يحدث فلن تتمكن من رمي أو توزيع ثياب أبي، لم أجد ذلك المكان ولم أجد الثياب ولم أسأل أمي يوماً عنها، إنها لها وتخصها، لكنني أتمنى لو أجدها صدفة حتى قبل موتي بلحظة.
مات أخي منذ ثلاثة عشر عاماً، وتكررت مأساة أمي، ثياب أخي كثيرة، ومنها منذ أن كان صغيراً. شعرت بوجع أمي أكثر وأكثر من تراكم هذه الثياب، خاصةً وأن معظم ثياب أخي اختارتها بنفسها، بل وخاطت بعضاً منها. فكم من الثياب خبأتِ يا أمي؟ وكم من الألم تجرع قلبك وأنت تفتحين خزائن ثيابهم؟ وكم من دمع جرح عينيك وأنتِ تحاولين بائسة التقاط روائحهم؟ وها أنتِ الآن مرة أخرى تفقدين أخاكِ تاركاً ملابسه وحيدة، لقد تركك هذه المرة من دون أن يكون لك نصيب من ثيابه. لكنني أعلم حجمَ الألم الذي تعلمين أنتِ أيضاً أنه يرافق ملابس الموتى، وسأعرف بالتأكيد أنك ستفتحين خزانته كلما مررتِ ببيته وستأخذين ثيابه بين يديك وتهدينها دمعتين حزينتين جداً. وأعرف أنكِ ربما تسمعين حديثاً أو ربما يدور نقاشاً حول ثياب خالي وماذا سيفعلون بها، وأعرف أن قلبك لحظتها لن يتسع له تجويفك الصدري وستصمتين خائفة، تاركة القرار لزوجته التي ستفعل بالتأكيد ما فعلتِ أنتِ قبلها.
مات أبي ومات أخي ومات خالي، ومات قبلهم وبينهم وبعدهم كثيرون، فأين ذهبت ثيابهم، وماذا حلّ بخزائنهم الفارغة؟ وإلى متى نحتمل وجود أغراضهم بيننا من دون أن نكون مجبرين على التصرف بها… … …
ألا يعلم الموتى وجع ثيابهم المعلَّقة؟
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

فاتن

 

بتاريخ :

10/08/2010 23:18:20

 

النص :

ونموت وماذا نترك لهم هم تركو ثيابهم ولبسو قلوبنا قبل نزولهم في ذاك القبر اللئيم الذي لم يسمع نحيبنا ولم يتأثر لموتنا معهم تركو لنا اكثر من ثياب واكثر من عتاب وعتبنا عليهم يا لقلب هاذا القدر الحقير الذي لم يمهلنا حتى لكلمة وداع او ان نقول لهم لا ترحلو ويسمعونا... يقال ان الموت حق ولكن؟؟؟؟؟؟؟؟ كان حق على كهل وعلى حالات لا شفاء منها لكن على شاب كان ولا زال زينة الدنيا فهو موت لئيم وموجع وما اشد غدر هاذا الموت الذي استطاع ان يدفن بدل الواحد افراد عائله باكملها فبتنا تحت التراب وجثث ممزقه وثياب معلقه وشوق يقطع اوصالي وحنين ابعثه مع كل نسمه عله يأتيني بدعوه حتى اترك ثيابي واتعرف على الئم ما خلق على وجه الارض وهو الموت