بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
الصاروخ الخامس
  07/07/2010

الصاروخ الخامس
 ناصر جميل الحجلي

كان وحيدا ً .. يزم قبضته ليدق بها أبواب الثمانين .
كان معطرا ً بروح الغالي متوشحا ً اسمه .
كانت عمامته بيضاء ، بيضاء تفيض وهجا ، بينما تواري حطته الناصعة أبجدية صعب علّيّ التقاط مفرداتها . كان وجهه كوميض القمح ، و جبينه كورقة تين لوحها الخريف ولكن هبوبه ماستطاعت إسقاطها ، أما عيناه المستديرتان بلونهما الحائر بين العسلي والزيتي فلا ينبئان إلا بكثير من الحب ، وكثير من الإنتظار .
يفتح أمامك جعبته فينتثر منها زاد لايبلى ، خبز لايجف ، وقطر لاينضب .
إنه واحداً منهم ، ( هؤلاء ) ، الذين تعطروا بمسك الدم وتأزروا طرابين الغار .
**********
كنا هناك . . كمال شقير وشقيقي أسامة وأنا ، وكان الشيخ اللطيف يظـفر العلاقة بين ضيوفه وبين الدست الذي تفوح منه رائحة اللحم المفروم المتطبخ باللوايا السائحة على نار لها طقوسها الخاصة . نعم فلموسم الحميس في قرانا طقوس ، مثله مثل العرس والولادة والنجاح بـ (البكالوريا) فكلها مسكونة بالإعداد والترقب والانتظار .

كانت فروة الخروف الذبيح ترقد بالسلة المعلقة على حبل الغسيل وقد ضمخت بالملح وبعض الشبة ، أما الخروف المحظوظ لأنه لم يذبح فكان ثغاؤه مستمراً دون كلل أوملل ، طبعاً ، فهو الذي فارقه رفيق شروته ، وشريك إقامته من الربيع حتى الصليب وأعتقد أنه تناسى هذا اليوم كل ما وقع عليه من حيف خلال شهور الصحبة ، فهو لم يكن يحظى بالحمام اليومي ولا بالعلف المركز ولم يتعرف إلىه أبو فهد المراقب البيطري ، قال مضيفنا المبتسم ـ وكأنه يخاطبنا ـ ( صيح قد مبدك اليوم آخر ايامك عنا ، رفيقك راح بطريقو وإنت رايح بطريقك )، كانت المائدة الطقسية تنمو شيئا فشيا ، السودة النية والسودة المقلية المطفية بدبس الرمان والكزبرة ، الكبة المحشية باللوز والصنوبر ، جاط الحراحيس السابحة بالدهن الذائب وصحون صغيرة بدت كقطع اقتصت من سجادة عجمية يحوي كل منها تشكيلةً من النعنع اليابس والكمون والسماق المسحون بالإضافة للفلفل الأسود والشطة وقد وزعت على حواف الطاولة ، اما الصحنين الأكثر نظارةً فقد تكدست فوق صفحتيهما قطوف النعنع الأخضر والمردكوش وشرائح البصل الأبيض والبندورة الجبلية ، أما جاط اللحمة بالبندورة المثومة فلم يميزه عن أمثاله إلا مذاقه الحار جداً لدرجة جعلتنا نعتقد أنه مطبوخ بالبارود ولكنه والحق يقال كان لذيذاً جداً .
**********
حينها تخلت حصافتي عني فتهت في اكتشاف من يضبط إيقاع الآخر ، مسبحته السوداء بشرابتها المفضضة وشاهديها المطعمين باليسر، أم حديثه ذو النكهة العاجية والذي يغرفه من قاع روحه … قال :
( دق الشرطي على الباب ، وصاح ياصحاب الدار ، فخرجت إليه العجوز :
ـ تفضل يا خيي
ـ إلكن معي تبليغ . .التبليغ لابنكن بس الحلويني إلي .
ـ تكرم يخيي ، هو مش هون خير تبليغ شو ؟؟؟
ـ إبنكن ، انقبل بالكلية الجوية .
ـ ياخيي هذا مش لإبنا يمكن يكون حدا من ولاد قرايبنا بسميع أو نجران إبني وحيد ومبيرحش عالجيش )
**********
قال مضيفنا : ( آي نعم هذا هلي سوا ) قدم أوراقه للطيران دون أن نعلم وعندما رفضنا التحاقه رجانا في الأسرة الدعاء بالتوفيق ، فهذا مايريده وهذا ماتمناه ، و كنا جميعنا في وداعه للمرة الأولى حين رفع حقيبته المصنوعة من الصفيح والمزنرة بزنارين خشبيين والمحرزة بقفلها الأسود نوع أبوحجر إلى سطح السيارة دون انتظار مساعدة أحد من المودعين ، مؤكداً تمسكه بقرار اتخذ طريقه للتنفيذ ، عندها كان لابد من وداع الرجال فقد اختار دربه ، وراح يزرع نفسه سنديانة على سفح من سفوح الوطن .
**********
في الأيام الاخيرة ، كان يأتينا مستعجلاً ويذهب كذلك .
كان يأتي فتفترش ابتساماتنا الارض فلا تمس البلاط قدماه ، وكان يذهب فتندس الوسائد تحت كساسير الدمع والإنتظار .
كان مرحاً كعادته يداعب شقيقاته .. يمازح ست الحبايب يطلب الرضى .. يلتمس الدعاء ، يقبل مجد ومدى يحنو على الحبيبة ، ويغادر بعد أن يضغط على كتفي ويقول الله يطول عمرك يابو كمال . فأدرك أن شيئاً ما سيحصل .
**********
التفت مضيفنا نحو الروزنامة المعلقة بمسماردق في الجدار الغربي بين شباكي الحديد المفتوحين ليتلقفا النسائم الهاربة من صحصحان صلخد وتلالها ، وقد اشرأب عنقه ، وتدلى منه خيط أحمر علقت فيه بضعة مفاتيح ، ثم حول حركة يده المترددة نحو وجهه يمسحه بها ، ليجد بذلك ذريعة تعثره بالكلام . كانت حنجرته ترتفع وتهبط مع ابتلاعه لعابه المبلل بغصة لم أستطع تصور وعورتها ، ثم التقط نفسا ظننت أنه لن يبقى بعده في عرمان من الهواء مايكفي لنسمة واحدة :
أصوات رجال عند المدخل وقرع الباب يزداد نزقا وإلحاحا ، جرس الهاتف يتقافز كالعفريت بين أذني وغرف المنزل .. القلب يفور فيكاد يفر ، يطير غير مكترث بحصار قضبان العظم المرابطة حوله ـ لحظات رهيبة ـ فلم يعد يفصلنا عن الخبر الرهيب إلا دورة المفتاح .
( كان مؤلماً حتى النهاية ، وكان مشرفاً حتى النهاية ) .
جاء صوت الجوقة من فوق قاسيون :
وأ ثبـت في مسـتنقع الـموت رجـله ******* وقال من تحت أخمصك الحشر
وكان فوت الموت سهلاً فرده إليه ******* الـمـزاج المـر والخـلق الـوعـر
فصاح الحادي :
يام الوحيد وابكي علي الموت مايرحم حدا
ابـد ما تنعي علي ان كـان اليـوم ولاغــدا

قال رفيق سربه :
لقد قرر قدره باللحظة الأخيرة من مهمة الصبح الأخير حين التقط معلومة تقول بأن موشي دايان في قاعدة ميرون ، فقرر تدميرها ، خاطبته : سيدي لقد أطلقت صواريخ طائرتك الأربعة ونفدت صواريخنا جميعها ، فرد كالبرق :
( بقي الصاروخ الخامس وهذا وقته سلملي على مجد .. سلملي على مدى ..)
وبثوان خاطفة …….
زغردت إم الشهيد وبان سنا
ياضنا عيني تهنى بالوساما

كانت السيخوي تلتهب وتلهب معها الأرض بينما السماء تفتح أبوابها فينضم إلى رضوانها بطل جديد كتب اسمه فوق قوس قزح :
أنا الشهيد الطيار كمال نصر
قالت الجوقة ومعها حاديها:
ياعريسا خضبوك بغير حـنه
مت شهيداً مابعد روحك ملامه
هزج الرجال وهزجت النساء :
والرضيع المننا لو صاح ننه
نرضعه حب الوطن قبل الفطاما
ومازال الجميع يهزجون :
بالروح نفدي وطنا
لوصاح صوتي المنادي
بالروح نفدي وطنا



 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات