بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
حنا مينه: الحدث في الرواية
  13/06/2010

حنا مينه: الحدث في الرواية


يقول ميخائيل باختين في كتابه الملحمة والرواية (ترجمة د.جمال شحيد): (الرواية هي النوع الأدبي الوحيد الذي لا يزال في طور التكوين، والنوع الوحيد الذي لم يكتمل بعد) أي إن علينا في الرواية ألا نضيّق على أنفسنا، وأن نجرب فيها تجريباً جريئاً، فكل كمّ يفضي إلى نوع، ومع النوع ترتقي الرواية وتتطور حتى يتكامل تكوينها، والمهم في كتابة الرواية، أن يكون الكاتب قد عاش الحياة، جربها، خبرها، عانى فيها معاناة هينة، لينة، أو شديدة قاسية، وأنا مع المعاناة الشديدة، لأن منها تكون التجربة، المكتوبة بنار الحقيقة، ومن هذه النار يتولد الحدث، وليس من قيمة لرواية دون حدث معيش، وهو الأهم، أو مسموع، ويأتي في الدرجة الثانية من الأهمية. ففي رؤية الحدث، على رأي منظّري الرواية، تفتننا المتعة بما يجري من حياة أمامنا، وما نأخذه من انطباع عن هذا الذي يجري، وهذا تماماً ما عناه هنري جيمس بقوله: (تظل الرواية انطباعاً مباشراً عن الحياة).

لكن الحدث الحي، زمنه الماضي، وإلا ما كان حدثاً منتهياً، ودون حدث تم وانتهى، تبقى الأشياء متخيلة، والخيال وحده، رغم ضرورته في العمل الروائي، لا يشكل حدثاً إذا لم يستند إلى واقع، وحتى الأحداث الصغيرة ضرورية، لأنها النواة، وكل نواة، حين تنبت وتصير غرسة، مآلها أن تكبر، أن تتجذر، أن تصبح شجرة، وفي كل شجرة جذع وأغصان، وزهر وثمر، توفر التفاصيل عندما نتصدى إلى وصفها، في كلام موجز، أو غزير. ‏

الحدث، إذاً، يقوم في الماضي، ويعطي انعكاسه، في تطاول السياق للحاضر والمستقبل، وفي الإسقاط، وهو معروف ومعمول به في الأدب، نستطيع أن نجعل القارئ يقرأ ما بين السطور، ويفهم الرمز الدال على أن الكلام على الماضي يقصد به الحاضر، والقصد، في الرمز كما في الأسطورة، يسبغ على العمل الأدبي متعة ورؤية، وبكلمة أخرى، فكرة تترسخ في الذهن، وبقدر ما يكون المستوى الفني جيداً، والحل المرتقب بارعاً، تؤثر الفكرة، وتشكل رأياً في الأحداث يتطلب اتخاذ موقف منه، أو يكشف للمرء الحقيقة المضمرة، أو الغائبة، تاركا له تحديد موقف منها، والعمل يبدأ دائماً، بفكر يتحول إلى موقف، ومنه يكون الانطلاق إلى أي إبداع. ‏
ترى مجموعة من الباحثين السوفييت في كتاب (الأدب والعلوم الإنسانية) ترجمة يوسف حلاق: (أن الجديد يكون حين يكون لدى الكاتب ما يقوله لقرائه، وهذا الذي يريد أن يقوله، هو الذي يحدّد شكل التعبير الذي لم يسبقه إليه أحد، وهو التجديد والابتكار الفعليان والحقيقيان). ‏
إن المستخلص من هذا الكلام، بل شرطه الأساس، أن يكون لدى الكاتب ما يقوله لقرائه، وهذا القول، في الرواية، يأتي من خلال الحدث وبدلالته، وبهذه الصفة يكون قولاً جديداً، في أي من الأزمنة الثلاثة وقع، ما دام الترابط، في الزمن، يحيل بعضه إلى بعضه الآخر، وفي هذه النقطة يتحدد شكل التعبير، وشرطه، كما سبق، أن يكون لدى الكاتب ما يقوله، لا بطريقة مباشرة، تقديرية، تعسفية، ذهنية خالصة، وإنما من خلال الجنس الأدبي الذي نشتغل عليه، وهذا هو الجديد الذي يكون، عندما تكون ثمة معاناة، تجربة، خبرة، مشاهدة، معاينة، تتبأّر في حدث قصصي أو روائي، بصرف النظر عن زمن وقوعه. ‏
لدي، ههنا، وجهة نظر، فقد كتبت عن الحاضر الدال على المستقبل، مثل روايات (نهاية رجل شجاع)، (مأساة ديمتريو)، (الرحيل عند الغروب)، (النجوم تحاكم القمر)، (القمر في المحاق) وغيرها، والزمن الحاضر فيها ليس ابن ساعته، فليس من حاضر إلا وهو ماضٍ في نفس اللحظة، ولكن عن الزمن القريب، فالمعروف عني، وكما قلت في بعض كتاباتي، يلعب الماضي ­ الحاضر دوراً مهماً في رواياتي، لكنني لا أحمل تفكيراً ماضوياً، فالحدث الروائي لابد أن يعيش في الذات الإبداعية، بعد أن يكون قد انبثق فيها، والعيش المقصود هو التخمر، هو الابتعاد عن الآني، كي أستيطع رؤيته من بعيد، هو النظر إلى الجبل من مسافة بعيدة عنه، لنراه بحجمه وحقيقته الكاملين، هو الانزياح عن وطأة اللحظة المأزومة التي كثيراً ما تجرف الكاتب في تيار حماستها، والفارق بين الروائي والشاعر يكمن هنا، فالشاعر هو الذي ينفعل باللحظة المأزومة، الآنية أحياناً، ويعبّر عنها تلقائياً، أما الروائي، وكذلك القاص، بدرجة أقل، فإنهما بحاجة إلى التأني، إلى الدراسة، إلى تقليب الحجر، وحجر الحدث خصوصاً، على كل وجوهه، ليريا إليه من جوانبه كلها، وهذا شرط كامل، أساسي، بالنسبة للروائي، لكنه غير ضروري، بالقدر نفسه، بالنسبة إلى الشاعر الذي ينفعل آنياً، ويعبّر آنياً، وغير ضروري، بدرجة أقل، بالنسبة للقاص، الذي يشتغل، غالباً، على الواقعة كشريحة من الحياة وليست الحياة كلها، وهذه الواقعة قد تكون مشهداً، لقطعة، صورة ما عن خبر مرئي أو مسموع، أو ما عبّرت عنه باللحظة المأزومة، هذه التي هي، في رأيي، جوهر الحدث القصصي، لكونه يتناول، ويبني، ما هو جزئي، وليس ما هو شامل في الحياة، بينما الروائي يتناول، وينشئ حياة كاملة، في حدود الحدث الحياتي الكامل الذي يعالجه، بانياً، بمعمار هندسي، بناءً كاملاً، في حين يكتفي القاص بقاعة واحدة من هذا البناء، يمكن، بالمهارة القصصية، أن تكثف في ذاتها، أو تعطي، في الإيماء، الجو المتخيل للعمارة كلها، الجو المتخيل، العام، الذي في القصة غير مُلزم، بل من الخطأ أن يتناول التفصيلات بكل جزئياتها، لأنه بذلك يثقل القصة، ويؤدي فعله إلى تشتيت لقطتها التي تحتاج الى التبئير الشديد. ‏
هذا هو المفترق، والفارق الأساس بين القاص والروائي، فهذا الأخير يقيم عمارة متكاملة روائياً، لذلك فهو ملزم، من خلال السرد، أن يتأنى، أن يتناول التفصيلات والجزئيات، أن يصف الأشياء مباشرة، أو بالإيماء والإيحاء، إلا أن المعمار الروائي لا يكتفي، غالباً بالإيماء، ولا بالإيحاء، لأن شأنه، في هذا المجال، شأن المهندس المعماري تماماً، أن يضع اللبنة فوق الأخرى، والحجر على الحجر، مع حساب الزوايا، والمهاد، والعرض والطول، وأعمدة الأساس، التي ستحمل العمارة كلها. ‏
وقبل الشروع بالبناء، هناك التحضير له، وهذا التحضير مطلوب من المهندس والروائي، إذ بينما يعتمد المهندس على التصاميم المرسومة على الورق، من قبله أو قبل المكتب الهندسي الذي يتعامل معه، فإن الروائي يعتمد التصميم المخطط على الورق أيضاً، بادئاً بالمخطط الذهني أولاً، وبعد ذلك تأتي عملية التخطيط على الورق، ولا أدري لماذا يخيل إلي، أن على الروائيين العرب ألا يكتفوا، كما هي العادة الآن، العادة التي درجنا عليها نحن جيل التجريب، بالتخطيط الذهني وحده، فالتخطيط المرسوم، بعناية، على الورق، هو الأفضل، وعليه تجري الدراسة، حول السياق، بداية ونهاية، وفيه تطرح الأسئلة حول شخوص الرواية، ولماذا تفعل هذه الشخصية هذا ولا تفعل ذاك، وكيف تتقاطع، وتتلاقى، وتندغم، وتنفرد، بالشخصيات الأخرى، وما الحدث، وكيف يتكوّن، وكيف يتمدد، نامياً مع السياق، إلخ؟. ‏
حنا مينه
المصدر: تشرين

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات