بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
حنا مينه: الأيديولوجيا كيف.. ومتى!؟
  24/04/2010

حنا مينه: الأيديولوجيا كيف.. ومتى!؟


يلاحظ بعض النقاد، أو بعض اللبلابيين المتعربشين على شجرة النقد، أن في كتاباتي عامة، ورواياتي خاصة، أيديولوجيا، متظاهرين برياء فاضح، أنهم في أعمالهم، لا يقاربون الايديولوجيا، وهذا وهمُ يتعزّون به، مادامت الأيديولوجيا، باختصار شديد، هي نسقاً، أو أنساقاً فكرية، لا يخلو منها إنسان، فكيف بالكتاب الذي يعبّر عن فكر هذا الإنسان!؟ يريدون أغلب الظن، بل من المؤكد ، أن يتحاملوا على ايديولوجيا بعينها، تخيفهم بمضمونها التقدّمي، المستقبلي، لمصلحة ايديولوجيتهم التي هي ضد التقدّم والمستقبل.
إنني أحاول، وبانتباه تام، أن تكون الفكرة بدلالة الحدث، لا بالإسقاط أو الافتعال أو الصراخ، أو بوضع لساني في حلوق أبطالي، لاستنطاقهم بما أريد، فإذا كانت دلالة الحدث، أو الفكرة المشغول عليها فنياً، أو الإيماء والإيحاء، هي هذه الايديولوجيا، فإن ذلك يحملني على الرضا الكامل. ‏
قرأت مؤخراً كتابين روائيين، للكاتب التشيكي ميلان كونديرا هما «الخلود» و»المزحة«، مشبعين بأيديولوجيته المباشرة، في معاداتها للاشتراكية، وللاتحاد السوفييتي سابقاً، وكونديرا يعدّ من أبرز كتاب هذا الزمان في نظر الغرب، فكيف تقبلوا هذه الايديولوجيا المحشورة حشراً، والتي تقطع السرد الروائي، والقص في السياق، لتستعلن بشكل مفروض، وفي غير محله؟! ان هذا يثبت، بالدليل القاطع، ان سادة الثقافة الغربيين، يرفضون ايديولوجيا معينة، ولو كانت في مجراها الفني، ويقبلون غيرها، ولو لم تكن في سياقها الفني. ‏
والغريب أن الذين يروجون مزاعم هؤلاء الغربيين، هم من النقاد العرب، وقد بلغ بهم الأمر أن مزاعمهم هذه انصبّت على ثلاثية »بقايا صور« التي هي سيرة ذاتية، ليست فيها ايديولوجيا إلا بدلالة الأحداث، ولم يلفتهم، إلا نادراً، انني كنت صريحاً في هذه السيرة، وقلت كل شيء عن أسرتي بصراحة فائقة الجرأة. ‏
لقد كتبت ثلاثية »بقايا صور« لتعرض من خلال عيني طفل، بين الثالثة والثامنة من العمر، حياة أسرة في العشرينيات من القرن الماضي، لكن الرواية عرضت، أيضاً حياة الريف السوري في العشرينيات، بكل ما فيه من جهل واستغلال وبؤس وظلم وتخلّف، وبكل ما أصابه من نكبة تربية الحرير الطبيعي (القز). ‏
رومل، الذي لقّب بثعلب الصحراء اندحر، فضقت ذرعاً بالخدمة العسكرية لدى فرنسا التي تحتل سورية، ساعياً سعياً حثيثاً للإفلات من الطوق، وتيسر لي ذلك بالواسطة، فخلعت ثياب الجندية، ولبست القميص الأبيض لأشتغل حلاقاً، في دكان صغير، على مقربة من ثكنة غورو في اللاذقية، وأباشر الكتابة، على شكل مقالات وقصص قصيرة، نشرتها بعض الصحف والمجلات في سورية ولبنان. ‏
إن الحياة العريضة، العميقة، المدماة التي عشتها بكل مرارتها وحلاوتها، قد عشتها لأنها كانت حياتي، وكانت مفروضة من قدر خطها في صفحات عمري، قبل أن أفكر بالكتابة، كنت أحب الطبيعة: البحر، الغابة، البراري، الجبال، الأحياء، الأزقّة الخلفية، الأمثال، العيش مع الناس، دخول السجون أيام الاحتلال الفرنسي لسورية، الاختلاط بالبحارة والعمال والفلاحين، الإصغاء إلى ما يقولون، تدوين ملاحظات في المخيلة، التحديق فيما يفعله الآخرون، التعرف إلى قاع المدينة، إلى حقول الريف، قضاء الليالي وأنا أستمع، بشوق بالغ، إلى قصص والدي، حيث أصبحت، في كبري، وفي فني، أعيش على فتات مائدته القصصية، الغنية بأطباق من القص لا مثيل لنكتها وعذوبتها، ولا شبيه لقسوتها وغرابتها. ‏
لقد فرض عليّ الزمن أن أنهض من الحضيض، من وحل المستنقعات، من رمال الشواطئ، من وحشية الغابات، من الحفر في طرقات السهول وشعاب الجبال، وأن أتذوق، من شدّة التعب والظمأ، إسفنجة الخل، دون دفتر وطن كالذي لصديقي الشاعر الملهم محمد الماغوط، كانت مخيلتي هي دفتري، تنقش الأيام عليها ما أعانيه، ولست أدري ما إذا كان الجاحظ يدون ملاحظاته، أم يحفظها مصرورة في تلافيف دماغه، وكل ما أعرفه عنه شهرته بدقة الملاحظة، وعمق التجربة، بعمق العيش، وعمق رؤية الدنيا من حوله، ناساً ومجتمعاً وعمراناً، وبمشاهدة كل ما تكلّم عنه مشاهدة عيانية. ‏
ومن النافل، بعد هذا التذكير أن دقة الملاحظة من أولى صفات الأديب الحق، فالملاحظات الدقيقة، الصغيرة، ووضعها موضع التجريب كما كان يفعل الجاحظ، هي التي تمدّ هذا الأديب بالمادة الغزيرة، المطاوعة لأدبه، غير أن الأديب يلاحظ بدقة، يحتاج إلى ما يلاحظه، فالحياة، طبيعة وكوناً، لا تأتي الناس في بيوتهم، عليهم أن يخرجوا إليها، أن يغامروا في طلبها، أن يعيشوها بكل خطوطها وألوانها، وأن يكونوا فيها فاعلين ومنفعلين، مؤثرين ومتأثرين، ومتلقين محايدين. ‏
«العيش جميل يا صديقي» هذا ما يقوله ناظم حكمت، تعظم هذا العبارة إذا عرفنا أن ناظم حكمت حكم عليه بالسجن 51 عاماً، وأنه قضى منها أكثر عمره في السجون، وغالباً في زنزانة منفردة، وهو يؤكد، من خلال تجربته أن العيش جميل حتى في السجن الانفرادي، لا مدحاً للزنزانة، وإنما زهواً بطاقة المكافح على الاحتمال، حتى وهو داخلها، وقد أوصى، في إحدى قصائده، ابنه محمداً ألا يمر بالدنيا كمستأجر، بل كمن يسكن بيت أبيه. ‏
لقد سئلت يوماً «كيف تتعامل مع روايتك بعد كتابتها؟» فأجبت دون تحفظ «كالمرأة المطلقة!»، وسئلت أيضاً: «الكاتب كالأب، والأب يحب جميع أولاده، فلابدّ أن يحب الكاتب جميع كتبه!» وكان جوابي: «إنني لا أحب كتبي ولا أولادي، أتعلم أن أحب أولاد الآخرين، وكتب الآخرين، إذا كانوا أفضل من أولادي وكتبي!» وقد جاءتني ابنتي البكر سلوى، وهي طبيبة أطفال ناجحة جداً، معاتبة يوماً، بسبب هذا الكلام الذي كدت أنساه. قالت لي: «اننا كنا على الغداء عند أحد الأصدقاء، وكان الحوار يدور حول الأولاد، وقيل لي إن والدك أعلن أنه يحب أصدقاءه أكثر من أولاده، ففوجئت وكدت أبكي من شدّة التأثّر» أجبتها: إنني لا أذكر ذلك، ولا أحسب أن العبارة كانت بهذا الإطلاق، لكن رأيي هو التالي: «رب صديق أقرب إلى النفس من ولد، إذا كان هذا الصديق أفضل من ولد» فلم تقتنع ابنتي، وبقيت معها على خلاف. ‏
حنا مينه

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات