بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
بئس الزمان زمانكم ..معاناة لغة الضاد من ابنائها
  11/04/2010

بئس الزمان زمانكم

معاناة لغة الضاد من ابنائها

بقلم: القاضي الدكتور احمد ناطور

قال "القََبْلان" الشيخ لعامله الفتى: " إِبْعِد "المَساعيت والباغِر" لأنه في "العولام" في عرس, بعدين "سَمِّنْ العَموديم" الّي طالعة من " القَواديح". واعمل "قاف" بالخيط على شان توخذ "چوبَع الرِتْسْبا" وتحطّ "القوتْسيم". ( " المسَاعيت" - تحريف لكلمة "مَسَئيت" -أي شاحنة. "العولام" - يعني "أولام" – قاعة الأفراح. "سَمِّّن" – ( تعريب لكلمة سِمان, ضع علامة). "قواديح" جمع تكسير لكلمة "قيدواح"- أي غزر. "قاف" – أي خط. "چوبَع" – تحريف لكلمة "چُوبَه" – أي إرتفاع. "رِتْسْبا"- أي أرضية. "كوتْسيم" – أشواك, يُقصد بها قضبان الحديد) .
قال العامل الفتى "لِلْقَبْلان" الشيخ : " بسيدر" لما بتيجي " المَشْئِفا" بتفوت من " الكْنيسا راشيت " مش ديرِخ "العولام". بعدين "المساعيت مبتّخة " إذا ضربوها إحنا رابحنين, لأنه "الكَناف سْمالي" هيك هيك بدو "هَحْلفاه....". (المشئفا- مضخّة, مبتخة) - تعريب كلمة بطواح- أي تامين.
قلت: نِعْم العربُ هؤلاء, وتذكرت سكرتيرتي التي كلما سألتها شيئاً قالت: "بو نَچيد " أي "خلينا نقول" !
ولكن سرعان ما استدركتُ ذاتي في عتابِ ذاتي, فقلت: لماذا ألوم "القَبْلان" الشيخ وعامله الفتى, أنسيت ما هو أعظم؟! كُنتُ يومَها أرافق مريضا عزيزا إلى المستشفى وطيلة وجودي في القسم الداخلي كانوا ينادون بمكبر الصوت: "موخي" ... "موخي" ... وهو مدير جناح التمريض في القسم, وكم كانت المفاجأة عجيبة حين جاء "موخي" وإذا هو جارنا الممرض " محمّد" .
إنها لظاهرة تعيسة, تمر على أهل هذه البلاد الأصليين من أهل الضاد وكأنها لعنة من السماء . يستمتع في ظلها الصغير والكبير, كما الذكر والأنثى, المثقف وعديم الثقافة على حد سواء. وكأنها قدر لا مفر منه إلا إليه.
أما إن دَخَلْتَ قرية عربية فانك تكاد تصاب بنوبة قلبية حين ترى أن اليافطات المعلقة على أبواب المحلات كلها مكتوبة باللغة العبرية بالبنط العريض, أما إن كان من بين أصحابها من يحترم لغته قليلا, أو يعتبر زبائنه - وكلهم من العرب - فانه يكتب بخط صغير وخجول بالعربية ايضاً – ولكن تحت العبرية بطبيعة الحال.
وهاك من هذا بعض "الدرر " على سبيل التمثيل فحسب: " مَكوليت أبو العبد",
" ِممْتاقي الأمانة" – (ويقصدون الكنافة والبقلاوة) , "غاز لريخب" , " موعتساه ميكوميت دير الأبد , " بيت سيفر لنهيجا", "رهيطيم عبد" , " سبورت محمود" ,
" بيت مِرْقاحَت سامي" , " موساخ احيم سلامة", "مخمّد مديدوت" ( أي ان حضرته مساّح) , مقهى " كافيه هَأَرْمون " الذي لم يدخله في تقديري يهوديٌ في حياته إلا إن كان جابياً لضريبة مثلاً.
فان لم تكن ابناً باراً لهذه القرية أو تلك, فانك تعتقد جازما أن للظاهرة دلالة واحدة, هي أن زبائن هذه المحلات كلهم من اليهود, ولا شأن لأصحابها بالزبائن العرب...... لذا فالزبائن العرب لا يستحقون الاحترام....... والأعجب من هذا كله, أن دكانا صغيرا نَكِرَه يقع في زقاق ضائع في بلدة عربية قديمة تراه يعلق على بابه يافطة بالعبرية. ولك أن تتساءل هل معنى ذلك أن اليهود يأتون من تل- أبيب ليشتروا حليبا وجبنا من هذا الدكان المغمور في دهاليز القرية القديمة, التي إليه الريح لا يأتي؟
كنت اشتري الفاكهة والخُضَر من خُضَريٍ أثقُ به, وحين آتي إليه مرتين في الأسبوع, أقول له: ضع لي في السيارة من الفواكه صندوقا من التفاح, وآخر من الأجاص وآخر.... ومن الخُضر كذا وكذا ..... ولا اذكر أن سألته مرةً عن سعر واحد منها أبداً. بل يجمع هو الحساب ويقول: " ثلاثمائة وخمسين, أربعمائة, وهكذا.... وفي يوم من الأيام, وبينما كان يجمع لي أصناف الفواكه والخُضَر, جاء يهودي من أصل يمني يبدو انه مربٍ للأبقار فقاطع انهماكَ الرجل وسأله: " بكم الموز, والتفاح, والأجاص.... فوقف البائع يجيبه برويةٍ وتفصيلٍ, ثم قال له اليهودي: أعطني نصف كيلو من الموز!" أماّ البائع فجهد وهو ينتقي له بضع أصابع من الموز ثم وَزنَّها.... ثم أعطاه هديةً باقةً من البقدونس والنعناع وأرفقها بابتسامة عريضةٍ لم تنقطع.... كل هذا وأنا انتظر.

قلت للرجل: اعد إليك ما وَضَعْتَه في سيارتي, فأنت لا تستحق ان يُشترى منك شيءٌ "!

انه لغني عن الإشارة إلى أن اللغة هي الأنبوب الذي يمر من خلاله تراث الشعوب من جيل إلى جيل, وبها تتشكل أواصر الانتماء إلى الشعب والأمة. وما اعتماد اللغات الرسمية في الدول الحديثة إلا توخيا لترسيخ المشترك بين أبناء الأمة نحو قولبة فئاته المختلفة في بوتقة واحدة تجمعها عناصر الوحدة.

لقد أهداني الصديق الدكتور عبد الرحمن مرعي قبل أيام كتابه الجديد, " العربية والعبرية في الماضي والحاضر", فوجدته يصف حالنا الذي نحن فيه, من تيهٍ وضياع, وبين استخدام الحركة الصهيونية للغة العربية كرافعة لبناء الأمة وخلق شعب جديد اسمه – الشعب الإسرائيلي. مشكل من خلط عجيب لفئات جُمعت من كل آفاق الكرة الأرضية, هذا ويعتمد المؤلف الباحثة ايلانه شوهامي التي تقول : " من الناحية الإيديولوجية تلعب اللغة العبرية دورا مركزياً في دولة إسرائيل نتيجة صلتها بالصهيونية, وهي الحركة التي عملت على عودة اليهود إلى وطنهم, ودأبت على بناء امة جديدة مستقلة........ أحياء اللغة العبرية- تحويلها من لغة مكتوبة تستخدم في الصلاة إلى لغة محلية تستعمل في جميع المجالات الحياتية – لعب دورا مركزيا في بناء الأمة الجديدة."

وفي مكان آخر, يعتمد المؤلف الباحثة وفاء فايد حيث تقول : " اللغة هي مناط الهوية, وقوام الذاتية, ومن هنا فان الوهن أول ما يعتري امة يصيبها في لغتها........ .

ويتضمن انتشار لغة ما سرّ بقاء أصحابها, وها نحن إزاء عالم يتصارع على البقاء ....." وفي الحالة الإسرائيلية يقول سليمان (2004) أن اللغة أصبحت في إسرائيل سلاحا في الصراع ووعاء تترسَّخُ فيه الهوية وتدافع عن نفسها". أما في سباق الصراع بين الشعوب فيقول أنيس (1965) انه عندما ينتصر الغزاة على شعب يَقلّ نفوذ السكان الأصليين ويزداد خضوعهم للغزاة, وهنا تتميز طبقة غالبة مسيطرة , وطبقة مغلوبة مقهورة وتقنع تلك الطبقة المغلوبة بمكانتها الدنيا, بل تطمح أحيانا إلى تقليد الغالبين والتقرب منهم. وفي هذه الحالة, يفرض هؤلاء الغزاة ثقافتهم ولغتهم على هؤلاء المغلوبين, ولن يمضي وقت طويل حتى تكون ثقافتهم ولغتهم هي اللغة الشائعة, ولا تترك اللغة المغلوبة إلا أثاراً ضئيلة في اللغة الغالبة.

والأمثلة على هذا القول كثيرة, كتحدث التونسيين والمغاربة واللبنانيين بالفرنسية وهكذا.
لقد قُدّر لي أن ازور الأردن سنة 1995 قبل أن فتحت الطريق أمام الناس وقبل المعاهدات, بدعوة ملكية للمشاركة في احتفال اعمار قبة الصخرة المشرفة. يومها كان معنا احد رؤساء البلديات العربية, فتقدم هذا إلى موظف الاستقبال في الفندق وقال له :
" أين البدلة التي أعطيتكم للنيكوي يابيش ؟" قال الموظف: ماذا تقول ؟ قال: " إمبارح أجا على البدلة چليدا فحطّيتها عندكم للنيكوي يابيش" . أما الشاب الأردني فبقي مندهشا لسماع هاذ النوع من العربية. حزنت على حال الرئيس, وعلى حال هذا الرافد من الأمة, وأشفقت على الموظف الأردني الذي وضعه هذا الرجل في حالٍ مستحيلٍ.
بعد سنوات دخلت محلاً للهواتف النقالة في مدينة اربد ولدى سؤالي عن جهاز نقّال قال لي البائع الشاب: في هذا البلفون شاعون معورير, ومحشيب, وهودعوت وإذا بدك تحط كارطيس زيكرون بصير...."
أما أنا فصعقت حتى العظم, وقلت: لقد تعدت المسالة نطاق عرب 48 لتمتد إلى باقي الأمة, واسفاه!!!! لقد أصرت هذه الأمة على أن تترجم الهزيمة وتخزّنها في وعيها ولا وعيها على حدّ سواء, وأَبَت إلا أن تتصرف كأمة مهزومة مغلوبة, فها هي الجزيرة لا تتورع حين تقول – حاجز ايرز وهار حوما , وفضائية أخرى عيد البيسح والحانوكا والكنيست وجبال الچلبواع.
لقد حدثني احدهم أن رجلا مسلما يُعدُّ من طليعة القيادات الفلسطينية المعروفة في الأرض المحتلة, قد وقف خطيبا أمامَ مؤتمر عربي في الرباط فقال في معرض حديثه عن معاناة أهل القدس:
" إن الصهاينة ينصبون المحاسيم على مداخل القدس ويمنعون المصلين من الدخول, أما اليهود فيدخلون إلى الكوتل كما يشاءون ". يومها ضحكت أول الأمر ثم انقلب ضحكي بكاءً مراً على ما تمر به هذه الأمة ذات التاريخ المجيد والحضارة التي غطّت كرة الأرض مرةً. لقد طار بي الشوق إلى زمانٍ كانت به الدنيا تتكلم العربية واشتقت إلى شارع "القلاه هورا" – القلعة الحرة في مدريد, ونهر "فادي كبير " – الوادي الكبير الذي يخترق " قورتوفا " – عاصمة العزّ والمجد – قُرْطُبَة, وقلت في نفسي إما أن لا نكون من أحفاد ذاك المجد الذي نُقِش يوماً على واجهة التاريخ أو أن ذاك المجد لم يكن إلا حلماً وأنشدت مع الاعتذار من لسان الدين بن الخطيب:
جــادك الشـــوق إلى المجــد كمـــا
كـــان عـــهد العـــزّ فــي الأندلـــس
لـــم يــكن مجـــدك الا حلــما
فـــي الكـــرى او خلـــسة المختلـــس

ترى كيف سيقرأ أحفادنا تاريخ زماننا هذا وهل سيصدقون أن مشروع إحياء اللغة العبرية- التي كانت قد شبعت موتاً, قد فاق كل توقع حتى صار أبناء العرب من المحيط إلى الخليج يتحدثون اللغة العبرية بفخر واعتزاز ويستبدلون كلام العرب بهزيل الكلام.

 * رئيس محكمة الاستئناف الشرعية

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات