بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
الشاعر الثائر أمل دنقل ..
  17/11/2009

الشاعر الثائر أمل دنقل ..

امل دنقل
"إنني لا أعتقد أن الشاعر في قلبي تقاسم الكينونة مع القاتل في أعماقي لقد قتلت عبر سنوات العذاب كل أمل ينمو بداخلي، قتلت حتى الرغبات الصغيرة والضحك الطيب لأنني كنت أدرك دائما أنه غير مسموح لي بأن أعيش طفولتي كما أنه من غير المسموح به أن أعيش شبابي، كنت أريد أن يكون عقلي هو السيد الوحيد لا الحب ولا الجنس ولا الأماني الصغيرة".
هكذا كان يردد الشاعر الكبير أمل دنقل، الخجول في علاقاته بالنساء، المعذب حتى النخاع، الذي تجرع مرارة الهزيمة عام 67 فجادت قريحته بكلمات جعلته في مصاف الشعراء الكبار، تألم قبل وفاته وكتب تحت وطأة المعاناة أجمل قصائده، السطور القادمة وعبر كتاب " الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل" نبحر إلى عالمه الشعري والإنساني.
كتب مقدمة الكتاب الشاعر الدكتور عبد العزيز المقالح ويقول تحت عنوان "أمل دنقل..أحاديث وذكريات" لم تكن وفاة أمل دنقل مفاجأة لأحد من الأدباء في الوطن العربي. فقد كان كثير منهم يعيشون على أعصابهم قلقا وانتظارا لإعلان نبأ الوفاة، ويروي كيف كان يستقبل أمل بكاء محبيه عند زيارته في المستشفى قائلا: " لماذا تبكي؟ أتخاف علي من الموت إنها منيتي المفضلة، إنه الأمل الأخير، الطبيب الذي يتفوق دائما على أمهر الأطباء".
الهزيمة والبداية!
يروي د.المقالح كيف كانت هزيمة يونيو 67 بداية الانعطافة الحقيقية لأمل نحو الشهرة ونحو الشعر، وفي الأيام الأولى للنكسة أو الهزيمة كان دنقل يقرأ قصيدة "زرقاء" قبل النشر وهي قصيدة جريئة أكدت خطواته على طريق الشعر، وكانت عنوان لأهم دواوينه "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" وبدأ هذا الديوان بمقطع يلخص بمرارة خيبة الأمل والشعور بالعجز إزاء مختلف أشكال الإحباط في الواقع العربي المعاصر يقول:
آه .. ما أقسى الجدار
عندما ينهض فى وجه الشروق
ربما ننفق كل العمر..كى ننقب ثغرة
ليمر النور للأجيال.. مرة
ربما لو لم يكن هذا الجدار
ما عرفنا قيمة الضوء الطليق
ثم نشر قصيدته وجعلها بعد ذلك عنوانا لديوانه الأول، كما قرأها في أكثر من منتدى شعري، وفي ما تبقى من عام 67 وإلى أوائل السبعيات كانت القصيدة على كل لسان، فليس قبلها قصيدة وليس بعدها قصيدة نالت ما نالته من الشهر والذيوع، فقد ارتبطت بالجرح القومي الأكبر.
يقول فيها:
أيتها العرافة المقدَّسةْ ..
جئتُ إليك .. مثخناً بالطعنات والدماءْ
أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة
منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ.
أسأل يا زرقاءْ ..
عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء
عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسة
عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً على الصحراء
عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء..
فيثقب الرصاصُ رأسَه .. في لحظة الملامسة !
عن الفم المحشوِّ بالرمال والدماء !!
أسأل يا زرقاء ..
عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدارْ !
عن صرخة المرأة بين السَّبي. والفرارْ ؟
كيف حملتُ العار..
ثم مشيتُ ؟ دون أن أقتل نفسي ؟ ! دون أن أنهار ؟ !
ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة ؟ !
تكلَّمي أيتها النبية المقدسة
لا تغمضي عينيكِ، فالجرذان ..
تلعق من دمي حساءَها .. ولا أردُّها !
تكلمي ... لشدَّ ما أنا مُهان
لا اللَّيل يُخفي عورتي .. كلا ولا الجدران !
ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدُّها ..
ولا احتمائي في سحائب الدخان !
وتصل الشجاعة أيضا مداها في محاولته الجريئة فضح القيادة العسكرية المهلهلة، وقد استخدم عنصر التضمين الشعري كأقوى وأجود ما يكون الاستخدام، جاء بأبيات المتنبي في آخر قصيدته الغاضبة "من مذكرات المتنبي في مصر" يقول:
تسألني جاريتي أن أكثري للبيت حرّاسا
فقد طغى اللصوص في مصر .. بلا رادع
فقلت : هذا سيفيَ القاطع
ضعيه خلف الباب . متراسا!
( ما حاجتي للسيف مشهورا
ما دمت قد جاورت كافورا ؟ )
.. " عيدٌ بأية حال عدت يا عيدُ ؟
بما مضى ؟ أم لأرضي فيك تهويد ؟
" نامت نواطير مصر " عن عساكرها
وحاربت بدلاً منها الأناشيد !
ناديت : يا نيل هل تجري المياه دماً
لكي تفيض ، ويصحو الأهل إن نودوا ؟
عيد بأية حال عدت يا عيد ؟
الشاعر الصعلوك
كان وصف الشاعر الصعلوك يتردد كثيرا في الأوساط الأدبية المصرية كلما ذكر أمل دنقل وهذا الوصف يعد تحية كريمة لشاعر معاصر ينأى بنفسه عن الاقتداء بالشعراء المدجنين شعراء الحواضر والصالونات المعطرة والبدلات الأنيقة والسيارات الفارهة.
وكما يؤكد المقالح كانت قصيدته "أغنية الكعكة الحجرية" حدثا في تاريخ الشعر السياسي في مصر وفي الشعر العربي بأجمعه وقد كتبها وسط مظاهرات الطلاب ومصادماتهم الشهيرة مع سلطة النظام عام 1972 ومنها هذا المقطع الذي يخاطب الشاعر فيه مصر التي ارتعشت يومئذ من خلال مظاهرات الطلاب وتململ الشعب:
اذكريني
فقد لوثتني العناوين
في الصحف الخائنة
لونتني لأني منذ الهزيمة لا لون لي
غير لون الضياع
قبلها كنت أقرأ في صفحة الرمل
والرمل أصبح كالعملة الصعبة
الرمل أصبح أبسطه تحت أقدام جيش الدفاع!
فاذكريني كما تذكرين المهرب والمطرب العاطفي
وكاب العقيد..وزينة رأس السنة
اذكريني إذا نسيتني شهود العيان
ومضبطة البرلمان
وقائمة التهم المعلنة
الوداع!
تكفير دنقل
مر أمل دنقل بالإضافة إلى محنة الفقر والتشرد بمحنة التكفير وكانت قصيدته "كلمات سبارتكوس الأخيرة" واحدة من القصائد التي جعلت بعض الكتاب يشك في إيمانه ، والقصيدة تدعو إلى التمرد ضد الطغيان وتمجد دور العبد سبارتكوس الذي امتشق السيف في وجه العبودية وفي وجه روما العابثة بإنسانية الإنسان ومطلع القصيدة وهو الأكثر إثارة يقول:
المجد للشيطان .. معبود الرياح
من قال "لا" في وجه من قالوا "نعم"
من علم الإنسان تمزيق العدم
من قال "لا" فلم يمت،
وظل روحا أبدية الألم!
ويفسر المقالح قائلا: المجد هنا، ليس للشيطان "إبليس" ولكنه للشيطان "سبارتكوس" ذلك العبد الشجاع الذي اشتاقت نفسه للحرية فقال "لا" في وجه "القيصر" وكانت النتيجة ان اسمه ظل على كل لسان وظلت روحه الأبدية الألم تزرع الشجاعة في نفوس العبيد وتدفع بهم إلى الصفوف الأولى من المواجهة، وإن قراءة متعجلة للقصيدة جعلت البعض يظن أنه يتحدث عن إبليس المطرود من رحمة الله ، وبذا فهو قد كفر وصار دمه حلالا .
كان الشاعر في قصيدته يحاول أن يعلم الجماهير العربية المضطهدة أن تقول "لا" حتى وإن كانت العاقبة لا تختلف كثيرا عن عاقبة ذلك الثائر المعلق في مشنقة على مدخل المدينة الظالمة:
لا تخجلوا ..و لترفعوا عيونكم إليّ
لأنّكم معلقون جانبي .. على مشانق القيصر
فلترفعوا عيونكم إليّ
لربّما .. إذا التقت عيونكم بالموت في عينيّ
يبتسم الفناء داخلي .. لأنّكم رفعتم رأسكم .. مرّه !
أمل..الثائر في الحب!
تروي زوجة أمل دنقل الصحفية عبلة الرويني في كتابها "سيرة أمل دنقل" كيف كان مقهى "ريش" الثقافي الشهير بوسط القاهرة هو المكان الأول الذي جمع بينهما حين ذهبت إليه لتجري معه حوارا صحفيا لجريدة "أخبار اليوم" التي كانت تعمل بها عام 1975
ومنذ اللقاء الأول أصابت سهام الحب قلب كل منهما.
ولكن أمل كان دائما يؤكد لها أن علاقتهما تشبه الصداقة لا غير وليس بها شبهة العواطف ، وهو ما كان يستفزها كثيرا ، ولكنه اضطر للإعتراف بقوله : إنني رجل بدأت رحلة معاناتي في سن العاشرة، وفي السابعة عشرة اغتربت عن كل ما يمنح الطمأنينة حتى الأبد، وأعتقد أن السهم الوحيد الذي يمكن أن يصيبني في مقتل سوف يجيء من امرأة، ولذلك اتسمت علاقاتي دائما بالرفض، كنت أستغرق في الحب لكنني في صميمي كنت هاربا من التمسك بها".
وتشرح عبلة الصعوبات التي واجهت إتمام زفافها من أمل قائلة: كانت المسافة كبيرة بين عالمي وعالم أمل في صورتها الظاهرية، فقد كنت أنتمي إلى أسرة محافظة وثرية وإلى منزل هادئ، كما أن طفولتي كانت قادمة من أيدي الراهبات الفرنسيات، كنت أمتلك الكثير من الأشياء والكثير من التدليل للابنة الوحيدة بالأسرة، بينما كان أمل ينتمي للريح والاضطراب، فبالرغم من عزوة عائلته وقوتها وثرائها،
إلا أنه كان دائما لا ينتمي إلا إلى نفسه، عرف معنى الرجولة مبكرا حينما توفي والده، وهو لايزال في سن العاشرة، فكان رجل البيت الذي تولى شئون أمه وأخواته.
كان أمل ينتمي إلى الشوارع، والحواري والأزقة والطرقات. حتى انه ذكر يوما أن تاريخ الأرصفة هو تاريخه الشخصي.
ولكن مع ذلك تم الزواج وتصف عبلة الحياة بينهما بعد الزواج فتقول: "كان أمل يستيقظ ظهرا وكنت أصحو قبل ذلك كثيرا حتى يمكنني الذهاب إلى جريدتي والعودة قبل استيقاظه كمن هي على موعد غرامي جديد، فقد كنت أشعر دائما بفرحة حضوره وأحرص على تواجدي معه".
ومن أشعاره العاطفية نقرأ من قصيدته "وجهها"
يا وجهها الحلوا
امطر ، فاني مجدب السلوى
مازلت لا أقوى
أن أنقل الخطوا
إن فاتني سندك
يا وجهها الحلوا
مازلت أفتقدك
مازلت أفتقدك
مع أشعاره..
من قصيدته "تعليق على ما حدث في مخيم الوحدات" نقرأ
قلت لكم مرارا
إن الطوابير التي تمر..
في استعراض عيد الفطر والجلاء
(فتهتف النساء في النوافذ انبهارا)
لا تصنع انتصارا.
إن المدافع التي تصطف على الحدود، في الصحارى
لا تطلق النيران.. إلا حين تستدير للوراء.
إن الرصاصة التي ندفع فيها.. ثمن الكسرة والدواء:
لا تقتل الأعداء
لكنها تقتلنا.. إذا رفعنا صوتنا جهارا
تقتلنا، وتقتل الصغارا !
قلت لكم في السنة البعيدة
عن خطر الجندي
عن قلبه الأعمى، وعن همته القعيدة
يحرس من يمنحه راتبه الشهري
وزيه الرسمي
ليرهب الخصوم بالجعجعة الجوفاء
والقعقعة الشديدة
لكنه.. إن يحن الموت..
فداء الوطن المقهور والعقيدة:
فر من الميدان
وحاصر السلطان
واغتصب الكرسي
وأعلن "الثورة" في المذياع والجريدة!
قلت لكم..
لكنكم..
لم تسمعوا هذا العبث
ففاضت النار على المخيمات
وفاضت.. الجثث!
وفاضت الخوذات والمدرعات.
وفي قصيدته الأكثر شهرة "لا تصالح"يقول:
لا تصالحْ!
..ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..:
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
صوتانِ صوتَكَ
أنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
إنها الحربُ!
قد تثقل القلبَ..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالحْ..
ولا تتوخَّ الهرب!
ويقول في نهايتها:
لا تصالح
ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخ
والرجال التي ملأتها الشروخ
هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم
وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخ
لا تصالح
فليس سوى أن تريد
أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد
وسواك.. المسوخ!
لا تصالحْ
أوراق الغرفة 8
يضم هذا الديوان القصائد الأخيرة التي كتبها أمل دنقل طوال فترة مرضه الذي صارعه أربع سنوات، فالديوان ينطوي على أوراق امل الأخيرة، والغرفة رقم "8" هي آخر الغرف التي قاوم فيها أمل مرضه، قرابة عام ونصف، في الدور السابع من "المعهد القومي للأورام" من فبراير 1982 إلى يوم رحيله الساعة الرابعة من صباح السبت، الحادي والعشرين من مايو 1983.
ويقول " في قصيدة "ضد من"
في غُرَفِ العمليات,
كان نِقابُ الأطباءِ أبيضَ,
لونُ المعاطفِ أبيض,
تاجُ الحكيماتِ أبيضَ, أرديةُ الراهبات,
الملاءاتُ,
لونُ الأسرّةِ, أربطةُ الشاشِ والقُطْن,
قرصُ المنوِّمِ, أُنبوبةُ المَصْلِ,
كوبُ اللَّبن,
كلُّ هذا يُشيعُ بِقَلْبي الوَهَنْ.
كلُّ هذا البياضِ يذكِّرني بالكَفَنْ!
فلماذا إذا متُّ..
يأتي المعزونَ مُتَّشِحينَ..
بشاراتِ لونِ الحِدادْ?
هل لأنَّ السوادْ..
هو لونُ النجاة من الموتِ,
لونُ التميمةِ ضدّ.. الزمنْ,
(شبكة الاعلام العربية)

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات