بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> محليات جولانية >>
إنسحاب إسرائيل من الغجر.. أبعادٌ ملتبسة لخطوة مطلوبة
  12/11/2010

إنسحاب إسرائيل من الغجر.. أبعادٌ ملتبسة لخطوة مطلوبة

صالح حديفة (صدى البلد) - رغم صخب الصراخ الداخلي وتبادل الاتهامات السائر في البلد على غاربه، عادت إلى الواجهة من جديد قضية الانسحاب الإسرائيلي من الشطر الشمالي من قرية الغجر السورية المحتلّة، بعد أن أثبت البحث والتمحيص والتدقيق اللبناني والدولي بل وحتى الإسرائيلي منذ عام 2000،

تاريخ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، مرورًا بعام 2006 تاريخ انتهاء حرب تموز وصدور القرار الدولي 1701، أن هذا الجزء الشمالي من القرية هو أرضٌ لبنانية دون منازع، وهو ما تعرفه أيضًا سوريا الدولةُ الأمّ للقرية وسكانها الذين لا زالوا يحتفظون حتى تاريخه بهويّاتهم السورية على اعتبار أنّها الدليل الوحيد الباقي على جنسيتهم العربية السورية بعد أن أزال الاحتلال الإسرائيلي على مر السنوات دلائل كثيرة أخرى من الأرض، مع الأمل بأنّه رغم ذلك لم يستطع إزالتها من نفوس أصحابها.
مناسبة الحديث عن الغجر اليوم، إبلاغ إسرائيل رسميًا للأمم المتحدة نيّتها الانسحاب من القسم الشمالي للغجر، بعد أن توجّه رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو خصيصاً لهذه الغاية إلى نيويورك لإعلام الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بهذا القرار الإسرائيلي. لكنّ "الأمر المثير للاستغراب والاستهجان"، وفق مصادر ديبلوماسية لبنانية، "هو تلك الطريقة التي أُشيع فيها عن الاتفاق الذي تم بين إسرائيل والقوات الدولية حول الانسحاب ومضمونه، إذ بموجب ذاك الاتفاق تنسحب إسرائيل عسكرياً فيما تُبقي سلطتها "المدنية" على السكان، مع ضمانات من القوات الدولية بعدم دخول أي قوّة عسكرية أخرى إلى الجزء المُنسحَب منه وبالتحديد الجيش اللبناني، فيما لهذا الجيش الحق الشرعي في أن تطأ قدماه آخر ملّيمتر من أرض لبنان ومنها بالتحديد الجزء الشمالي من الغجر المحتلّة".
وقد لفتت المصادر الديبلوماسية عينها في حديثها إلى "صدى البلد" إلى أن "هذا الاتفاق المنفرد بين إسرائيل والقوات الدولية يجب أن يكون محلّ رفض لبناني، لا رفضًا لمبدأ الانسحاب، بل اعتراضًا على ذلك الشكل المغشوش الذي سيتم به، هذا إذا ما تمّ فعلاً، نظراً لكون الأمم المتحدة تحدّثت عن أن الاتفاق ليس نهائيًا بعد مُشيرةً إلى نتنياهو أبلغها بأنه يُلاقي معارضةً لتنفيذ مشروع الانسحاب داخل حكومته، وهو الأمر الذي ترك الباب مفتوحًا أمام احتمالٍ بنسبة خمسين بالمئة إن لم يكن أكثر لسقوط مشروع الانسحاب من أساسه، وهنا الاستغراب الأكبر".
وأردفت المصادر الديبلوماسية سائلةً: "كيف يمكن أن تبقى الأمم المتحدة على هذا النسق والأسلوب من التعاطي السخيف مع قرارتها التي تطال أو تعني إسرائيل، فيما هي متشددة وبدعم من كافة الدول الكبرى في تطبيق هذه القرارات على باقي دول العالم؟ ما يعيدنا طبعًا في هذه الحال وفي كثيرٍ غيرها إلى الحديث عن ازدواجية المعايير الدولية التي تكيل بمكيالين، مكيال متشدّد تجاه الدول العربية في الشرق الأوسط ومكيال متساهل بل ويعتمد "التطنيش" وحتّى التبرير والدفاع عن مخالفات وارتكابات إسرائيل".
وفي السياق عينه، أبدت المصادر الدبلوماسية اللبنانية تخوّفها من أن "تكون خطوة نتنياهو ليست إلاّ ذرًّا للرماد في العيون، بمعنى أن رئيس وزراء العدو الإسرائيلي أقدم على مرأى من دول العالم على زيارة بيت الأمم المتحدة لإبلاغها بأن بلاده تريد تطبيق القرار الدولي 1701 في ما خصّ الانسحاب من جزء الغجر الشمالي، ساعيًا بذلك لإسكات أصوات من هنا وهناك سألت وتسأل عن سرّ هذا الصمت الدولي إزاء أمور كثيرة على إسرائيل تنفيذها، ومنها خطوة الانسحاب هذه التي نصّ عليها قراران دوليان هما 425 و1701، وبالتالي فإن نتنياهو بحركته العلنية هذه يحاول إظهار إسرائيل وإلباس نفسه شخصيًا لبوس من يسعى لتطبيق قرارات الأمم المتحدة، فيما هو حقيقةً قد أحال البتّ الفعلي في هذا الموضوع إلى التصويت داخل حكومته، والذي إذا ما كان شبيهًا بما يجري داخل الحكومة اللبنانية من مساعٍ للتصويت على ملف شهود الزور، فإنّه لن يبصر النور مطلقًا على ما يبدو، الأمر الذي يؤكد أن خطوة نتنياهو ليست إلا محاولةً لتضييع الوقت في بتّ الانسحاب لا أكثر".
هذا واستطلعت "صدى البلد" ميدانيًا الحدود الجنوبية قرب الغجر، فأتت الوقائع على الأرض داعمةً لكلام المصادر الديبلوماسية، إذ إنّ جولة دقيقة قرب الشريط الشائك الذي يُبقي الجزء الشمالي من الغجر تحت الاحتلال الإسرائيلي، كفيلةٌ بأن توضح الصورة: لا تحرّكات إسرائيلية لافتة بل إنّ قوات الاحتلال ما زالت تحافظ على مواقعها داخل الغجر ودورياتها تجوب شوارعها الداخلية بصورة شبه دائمة، ولا استعدادت لوجستية للانسحاب، ولا جرافات تعمل لإنشاء خط شائك جديد يشير إلى حدود الانسحاب. وفي الجانب اللبناني لا حركة بارزة للقوات الدولية كما لا يوجد أيّ مؤشرات توحي باستعدادت لهذه القوات للدخول إلى المنطقة في حال انسحبت إسرائيل فعلاً، كما لا يوجد ما يشير إلى أن قوات اليونيفيل بصدد إجراء عملية تموضع جديدة هناك، بل هي على حال الانتشار والتحرك المعتادة منذ صدور القرار الدولي 1701، وهو أمرٌ يدفع بدوره إلى تزايد الشكّوك في النيّة الإسرائيلية الحقيقية من خطوة الإعلان عن قرار الانحساب من الغجر، ويطرح تساؤلات عدّة حول أبعاد تلك الخطوة وتوقيتها ومضمونها الفعلي.
لكن ورغم ذلك، فإنّ خطوة الانسحاب المزعومة إذا ما حصلت في حال تغيّر المعطيات فجأةً، فإنّها أيضًا تفتح المجال أمام تساؤلات أخرى عن أمورٍ مهمة بل ومصيرية أقلّه لسكان الجزء الشمالي من بلدة الغجر. فأولئك السكان الذين هم سوريّو الجنسية، سيصبحون حال حصول الانسحاب تحت سيادةٍ مفترضة للدولة اللبنانية، وسيبقون في الوقت عينه تحت ما يسمّى بـ "السلطة المدنية" للاحتلال الإسرائيلي، ثم إنّ عائلاتهم ستنقسم، كما وستتغير حتمًا أوضاعهم الاجتماعية، وحكماً أحوالهم الاقتصادية. ومن هنا تنبع مطالبات بعضهم بمنع تقسيم البلدة أو برفض الانسحاب، وهي مطالبات ليست لأنّهم يفضّلون الاحتلال على الحرية، بل لكونهم، أو فلنقل قسمًا كبيرًا منهم، يخشون تلك الارتدادات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية المنتظرة لخطوة الانسحاب.
إزاء ذلك، تُعيد المصادر الديبلوماسية التأكيد على ضرورة أن يكون لبنان ضالعًا وفاعلاً في أيّ مسعى من شأنه أن يتمخّض عن اتفاق حول الإنسحاب الإسرائيلي من الجزء الشمالي للغجر، إذ إنّ الدولة اللبنانية معنيّة تمامًا وبكافة أجهزتها المختصّة أن تشرف على تحقيق الانسحاب وأن تكون مطّلعةً على كامل تفاصيله، وهي مطالبةٌ بأن تمارس سيادتها وحقّها في هذا الإطار على كامل الأراضي اللبنانية في الغجر مع مساهمتها الفاعلة في إيجاد صيغة قانونية تتيح لها التعاطي مع سكان الشطر الشمالي للبلدة، بانتظار أن يتحقق يومًا الانسحاب الإسرائيلي المنشود من الجولان السوري المحتل ومن كافة الأراضي العربية المحتلّة.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات