بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> محليات جولانية >>
المدير يقدم اعترافا
  30/08/2008

المدير يقدم اعترافا

سرى لغط مهموس، برد قطرات من عرق فوق جبين المعلمين المنتظرين بفرح تشوبه الدهشة ويعكره قلق
من أن يكون الخبر الذي انتشر ليس صحيحا.
اليوم الأول من أيلول ، الساعة شارفت الثمانية صباحا وهو لم يصل بعد على غير عادته.
- هل فعلا سيستقيل بعد ثلاثين عاما ؟
قالها معلم بصوت خافض وهو يتلفت حوله وكأنه يشي بسر قد يودي به للطرد من مهنته
ثم خرج من غرفة المعلمين إلى باحة المدرسة ليستقبل القادمون الجدد من طلاب الصف الأول.
لم يجب طفلا سأله:" أين صفي يا أستاذ؟". ومشي بخطوات سريعة نحو غرفة المعلمين بعد أن شاهد سيارة المدير تدخل إلى باحت المدرسة وتتوقف بجانب سيارة نائبه.
قال نائب المدير بعد أن قدم القهوة :" لقد سرت شائعة بأنك ستستقيل " قالها وهو يتمنى في نفسه أن تكون صحيحة
_ لن أستقيل وحسب وإنما سأقدم اعترافا....رد المدير بصوت متقطع وقد غطى السواد وجهه وكأن فنجان قهوة سكب عليه . وبدت عيناه مثل ثقبان في جيفة.
قال نائب المدير: " أنك تعب سأجلب لك كأس ماء بارد".
خرج النائب القصير يدفع أمامه بطنه المترهل ، أخرج الهاتف من جيبه واتصل:
"أنه يا سيدي لا يريد الاستقالة وحسب، بل يريد أن يقدم اعترافا.."
رد صوت عبر الهاتف :" هل جن صاحبك هذا ؟ سأرمي أحذيتي وراء استقالته ولكن الاعتراف
فهذا محال... هل يحسبنا في كنيسة... نخطئ متى نشاء، ويغفر لنا بمجرد الاعتراف؟ . عقله ... وحذره.. فإن زل لسانه ونطق. فسأطرد أحبابه وأقاربه من كل وظيفة .."
عاد نائب المدير مكسور الخاطر وهو الذي منى نفسه بمنصب جديد . أعطى كأس الماء للمدير وقال:" نحن
أصدقاء منذ أعوام عديدة .. لقد قدمت الكثير من أجل المدرسة ، وتفانيت في خدمت الطلاب.. فكم من مهندس
وطبيب ومحام وشاعر وكاتب وخبراء في مجالات عديدة تخرجوا من الجامعات بعد أن درسوا في هذه المدرسة وأنت مديرها.
فان كنت تعبت وتريد الاستقالة فراتبك محفوظ... ولكن الاعتراف فلماذا؟ . فهو سيؤدي لفضح أشخاص
تعاونوا معنا في الخفاء ، وسهلوا لنا البقاء في مناصبنا ".
أجاب المدير: " هل تحسبني مللت المديح والثناء والجلوس فوق الكرسي .. ولكني منذ شهور تراودني
كوابيس مخيفة تمنعني من النوم. أولها كان: " أني رأيت نفسي طفلا أحمل مقصا أجرح ثدي أمي وأرضع من ثدي كلبة ".
وثانيها كان: " أني أمزق كتب الأدب العربي وأكتب أدب الدروز". وثالثها كان: " أني أقف فوق جرف أدفع صديقي للسقوط فيه، وألحس مؤخرة
ذبابة مقابل "شاقل" ورابعها كان: " أني طردت معلما عارضني . فذهب للعمل في البناء فأهانه يهودي وطلب منه نسيان التاريخ ". وخامسها كان: " أني موجود في محطة قطار
اشتريت كل التذاكر ولكني لم أعرف اتجاها اذهب إليه"... وغيرها وغيرها... وأخرها أني أقف في حاكورة بيتي
وقد أثمرت كل الفواكه فأكلت العنب وأكلت التين وأكلت الكرز وأكلت التفاح ولكن المذاق كله في حلقي
كان مرا. وفجأة من غصن شجرة خرجت أفعى ولدغتني ،فاستطيبت سمها وعرفت أني مخطئ...".
اليوم الأول من أيلول لعام 2008 أقفل باب المدرسة بعد نقل المدير إلى منزله وهو في حالة هذيان شديدة.
نائب المدير اخبر المعلمين أن المدير مجهد لأنه سهر طول الليل يفكر في برامج جديدة لزيادة التحصيل العلمي وأنه يجهز للمعلمين الأكفاء والمخلصين مكافأة ومحفزات، وأن خبر استقالته مجرد
إشاعة تهدف لتعكير العام الدراسي.

داوود الجولاني


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات