بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> محليات جولانية >>
قلوبهم الدافئة ذللت برودة الأسلاك الشائكة...
  21/03/2007
 

قلوبهم الدافئة ذللت برودة الأسلاك الشائكة...

ثلاثون طالباً جامعياً يعودون إلى الجولان المحتل عبر معبر القنيطرة


هي لوحة الجولان تملأ العين والقلب.. الجولانيون في محنة المعاناة والآلم عناق اللقاء أو الفراق ذهاباً وإياباً، قبل عبور شريط شائك يحز جسد الوطن ..
إنه القدر الذي لا بد أنه لن يطول.. لن يسمح لك سيل الأفكار والخواطر المتدفقة والمتكسرة، أن تستجمع ولو للحظة واحدة، ذاكرتك التي توغل في الماضي البعيد، أو حتى أن تسترد حرية روحك المقيدة بعبء الحاضر الذي يفغر فاه على الحزن والألم. كابوس رهيب تتمنى أن ينزاح عن صدرك، والكلام لا يجدي شيئاً، فالمفردات أعجز عن أن تفي المشهد حقه بتفاصيله وألوانه المتناقضة، أما الكلمات فتهرب أمام جلال الصمت الحزين.
ثلاثون من طلاب المرتفعات غادروا الأسبوع الماضي وطنهم الأم في طريق العودة إلى قرى الجولان المحتل. منهم من أنهى تحصيله العلمي ليغادر الأهل إلى الأهل حاملاً شهادة الطب أو الصيدلة أو غيرها من الاختصاصات المختلفة التي اختارها لتكون رصيده المستقبلي، ومنهم من غلبه الحنين والاشتياق فرجع ملهوفاً إلى القرى الصامدة قبل الأوان مثقلاً بالفراق الممض.
وفي بيئة مشحونة تتشظى فيها عواطفهم في ترحالهم المرير عبر خط وقف إطلاق النار مع العدو الإسرائيلي، يضطر المرء لانتزاع الكلمات من أفواههم انتزاعا، فما يجول في خواطرهم تلك اللحظة، يبدو بجلاء على جباههم الشابة، إلا أن اللغة تجف في حلوقهم كغصة، عاجزة بما تزخر من المفردات، لتتوارى أمام لوعة شباب مقتبل العمر وهم ممزقون بين اللهفة للعودة إلى مرابع الطفولة حيث النشأة الأولى، وبين الوطن الكبير والعائلة الأم حيث قضوا سنوات هي أجمل أيام العمر... حزن كبير يرتسم على وجوههم، يصارعه فرح بلقاء الأهل الذين لا يمكن رؤيتهم إلا بقطع الأمتار المئة أو المئتين، التي تفصل قلب الوطن النابض بالحرية، عن روحه..لعله القدر الذي جمع «الوطن» بثلاث من الطالبات: عروبة، وانتصار، وسلام.. ثلاثة أسماء لثلاث فتيات جولانيات وقفن على الشريط الفاصل بين الوطن والوطن.. ثلاثة أقانيم لا تزال تتلاحم لتحكي قصة الجولان الطويلة .

عروبة: هل أبدأ من قاسيون..
على تخوم قرى الجولان الصامدة منذ عقود، تقف الطبيبة المتخرجة حديثا «عروبة أبو صالح»، مطلقة انطباعاتها لتتدحرج سريعاً، في حين تجاهد لتروي لنا شريط ذكريات ست سنوات قضتها في الوطن الأم.. قالت «عروبة» وهي تجهش بالبكاء: عمّ أتكلم؟.. لا أعرف من أين أبدأ وعمن أتحدث... عن رفاقي أم عن الأماكن التي عرفتها وزرتها وعشت فيها؟ عن «جبل قاسيون» و«باب توما» أم عن الجامعة، أم عن كل شيء؟!.
احتاجت الجملة الأخيرة التي نطقتها «عروبة» إلى وقت يكاد يساوي زمن سرد رواية طويلة..
إذاً ماذا ينتظرك من صعوبات قد تلاقيها من سلطات الاحتلال بسبب دراستك في سورية؟..
تقول «عروبة» ليس لدي فكرة محددة عما سنلاقيه هناك من سلطات الاحتلال، لكنني أعلم ممن سبقني أن امتحانات صعبة تنتظرنا في أسئلة الامتحانات لتعديل الشهادات، ولكنني في النهاية أتطلع إلى النجاح الذي سيمكنني من العمل في إحدى مشافي الجولان، وإن لم يكن ففي إحدى المشافي في فلسطين المحتلة.. في حيفا أو في صفد أو غيرهما.
وتستطرد «عروبة»: سيتغير علينا الكثير من الأجواء المحيطة، إلى المصطلحات، وصولا إلى مباشرة الحياة العملية..
بعد إنهائك الدراسة في دمشق، هل ترين أنه من الضروري الإبقاء على التواصل مع الجامعة والجهات العلمية الأخرى في الوطن الأم، وعلى الأقل لجهة العمل في المستقبل؟
من المفروض أن نبقى على تواصل من خلال المؤتمرات وعن طريق الانترنت، ومن الممكن أن يتيح لنا تسجيلنا في النقابة أن نظل على تواصل مع بلدنا ومع الأطباء الموجودين هنا ومع كل الطلاب بمختلف اختصاصاتهم.
إذا أردنا الحديث عن هذه الآليات فإن تسهيلها يعود بالدرجة الأولى على عاتق الحكومة، هل في ذهنك أفكار تطرحينها ويمكن مناقشتها في هذا المجال؟
أنا أقترح أن يكون هناك عقد مستمر للمؤتمرات، وأن تتاح لنا الفرصة للمجيء هنا ومشاركتهم وليس من الضروري كل فترة قصيرة بل المهم أن يظل التواصل مستمراً. وإن لم يكن هنا في سورية فمن الممكن أن يكون في بلد عربي مجاور كمصر أو الأردن، وبأي طريقة أخرى لكي نبقى على تواصل مستمر وللاطلاع على ما هو جديد عند الطرفين يمكن أن نفيد به بعضنا الآخر. ولكي نسترجع الذكريات الجميلة أيضاً ولنجعلها تتجدد أمام أعيننا.
إذا خيرت بين البقاء في دمشق وبين العودة إلى الجولان، فماذا تختارين؟
أختار البقاء في دمشق.
انتصار: الشام.. أمي
وكان لنا لقاء آخر مع «انتصار فارس عويدات» الخريجة في كلية الصيدلة، وعندما سألناها عن معدل التخرج الدراسي أجابت وهي تضحك لن أجيب عن هذا السؤال ولكنني أؤكد لك أنه معدل جيد جداً وأنا راضية عنه بالمقارنة مع أي طالب آخر يعيش ظروف الطالب الجولاني.
هل اتبعت دورات دراسية خارج اختصاص الصيدلة؟.
بالتأكيد ولأنني أحب الموسيقا كثيراً تعلمت العزف على آلات موسيقية، ومارست الرياضة الخفيفة والكثير من رياضة اليوغا، وأهم شيء هو تعلمي للغة الانكليزية لأني أحب كثيراً التواصل مع الأجانب.
وتابعت «انتصار فارس عويدات» القول: (الشام بتجنن) والجميع اليوم يبكون أما أنا فلن أبكي ولن أذرف الدموع، لأن إحساسي يقول لي إننا سنرجع يوماً إلى هنا، وإن شاء اللـه يكن إحساسي صادقاً وفي محله، وأتمنى من نقابة الصيادلة في دمشق أن تقوم في يوم من الأيام بدعوة الصيادلة الجولانيين المتخرجين في جامعة دمشق إلى مؤتمر يتم عقده هنا، وهي ستكون بالنسبة لنا فرصة ذهبية حتى نبقى متواصلين معهم لأننا منهم وفيهم ومرجعنا إليهم في النهاية.
ما انطباعاتك التي ستأخذينها معك بشكل عام؟
أنا هنا كنت في وطني الذي لطالما كنت أحلم برؤيته وزيارته وكانت الحياة بالنسبة لي هنا بيئة وأجواء جديدة والناس هنا طيبون جداً جداً، وعشت هنا أياماً جميلة وذكرياتها تظل في القلب ومن المستحيل أن تزول. كما تعرفت هنا على الكثير من الأصدقاء من مختلف المناطق والطبقات.. أحببتهم وأحبوني، ومن المستحيل أن أقدر على نسيانهم، وكما يقول جبران «كل مخلوق أحببته هو مولود فيك» وأدعو الله أن يجمعني بهم مرة أخرى.
هل تتوقعين ملاقاة بعض الصعوبات في الجولان المحتل نتيجة دراستك في وطنك سورية؟
من المؤكد أنني سأواجه الكثير منها لأنني أنا كصيدلانية من المستحيل أن أقدر أن أشتغل هناك عدا القدرة على تأسيس «صيدلية». في سورية يمكن للصيدلاني أن يعمل في المخابر أو مصانع الأدوية أو يمكنه العمل كمندوب. وهناك أيضاً يمكنك العمل في جميع هذه الفروع ولكنك ستضطر إلى التخلي عن أشياء أساسية في حياتك، وأهم مبدأ عندنا هو أن هناك شيئاً أساسياً في حياتنا من المستحيل أن نتخلى عنه وهو الانتماء الخالص للوطن، ونحن نسير على هذا المبدأ وسنظل نسير عليه، ولولا ذلك لكانت أحوالنا غير ما هي عليه . وأريد أن أتكلم عن الصعوبات المادية التي نواجهها في الجولان المحتل وعن القوانين التي تطبق علينا هناك لأننا عرب ومن منطقة محتلة.
ما الأفكار التي تقدمينها إلى الجهات السورية المختصة للإبقاء على هذا التواصل؟.
أريد أن أقول إن طلاب جامعة دمشق لهم وضع خاص سواء من حيث المستوى العلمي أو من حيث الظروف التي يعيشون فيها هنا، لذلك أتمنى أن يولوا المزيد من الاهتمام للطلاب الذين هنا أو للطلاب الذين يتخرجون ويعودون. وأتمنى أن يأخذوا بعين الاعتبار حق الطلاب الخريجين بالعمل في مشفى الجولان الموضوع تحت الدراسة حالياً.
إذا خيرت بين العيش في الجولان أو البقاء هنا فماذا تختارين؟.
أنا عندي اثنتان من الأمهات، الشام هي أمي الثانية والجولان هو أمي الأولى، ولكنني فخورة جداً بأنني أملك حنان أمّين.
«حمادة مداح» المتخرج في كلية «الفنون الجميلة» عن الذكريات التي يأخذها معه من وطنه إلى وطنه فقال: إنني الآن في أصعب المواقف التي شعرت بها في حياتي، تارة أشعر كأنني جسد هنا وتارة أشعر كأنني روح هنا، وأنا اليوم آخذ كل ذكرياتي معي، الجميلة منها والسيئة.وفي ما يتعلق بالحياة العملية التي سيبدؤها «حمادة» في الجولان قال: إن الإنسان أينما عاش ومهما كانت صعوبة الظروف التي تحيط به فإنه قادر على إثبات جدارته بنفسه، ولا يخلو الأمر من الصعوبات التي سنلاقيها في مجال السفر نظراً لأننا واقعون تحت الاحتلال.وأضاف «حمادة» أتمنى أن أحافظ على التواصل مع الوطن لأن الثقافة تعني لي شيئاً هاماً لا أحد يقدمه لي سوى وطني.
سلام: عساه الوداع الأخير..
وكان في حفل وداع هؤلاء الطلاب مجموعة من زملائهم الذين ما زالوا يتابعون الدراسة في وطنهم الأم سورية.

 وكان للطالبة «سلام جريرة» من كلية التربية قسم علم النفس كلمة معنا تحدثت فيها عن المشاعر التي تتملكهم في هذه اللحظات وقالت: نحن هنا اليوم على المعبر الحدودي لوداع أصدقائنا ورفاقنا بعد أن أنهوا دراستهم في جامعة دمشق، وأنا اليوم لا تسعفني الكلمات في التعبير عن هذا الموقف فهو صعب علينا، لكنها ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة. حزننا يكبر ويتعمق مع كل وداع وفراق هنا. وفي كل مرة نأمل ويكبر أملنا بتغيير هذا الواقع نحو الأحسن.
ونحن اليوم نقول: عسى أن تكون هذه المرة الأخيرة التي نودع فيها بعضنا بعضاً على أن تكون المرة القادمة لقاءً مع أهلنا هنا داخل الوطن من دون هذه الأسلاك الكاذبة.
وأضافت «سلام»: ألم كبير وحزن عميق نشعر به الآن، هناك صراع في داخلنا، هم يقولون نحسدكم على بقائكم في الوطن ونحن نقول لهم: ليتنا ذاهبون معكم إلى الأهل في الجولان.في الحقيقة سيكون لنا لقاء معهم بعد نحو أربعة أشهر وهي فترة ليست بالقليلة، إلا أن الذي يزيد من ألمنا هو أننا اليوم نودعهم وغداً هناك من سيودعنا. إن فكرة سفرنا وعودتنا إلى الجولان المحتل تحمل في طياتها الكثير من الحزن والألم والذكريات، ويتملكنا دائماً هاجس كبير وهو هل سيعود الجولان يوماً ما وننتهي من كل هذه المتاعب والمشاكل والمشاعر الصعبة والحزينة والمتناقضة؟ أم إننا سنلحق بهم ونمر من هذا المعبر الذي فتح لنا في البداية طريقه كي ندرس ونتعلم ونتعرف على الوطن وأهل الوطن؟ في النهاية وأثناء رحلة العودة سيغلق هذا الطريق ويقفل الباب من خلفنا دون رجعة. عندها سيعود الحلم من جديد بالعودة إلى الوطن ولكن مع حنين أكبر وشوق ولوعة أكثر لأننا سنكون قد قضينا فيه أجمل سني حياتنا.وأضافت الطالبة «سلام جريرة»: لا أعرف ماذا أقول بعد لأن الموقف يتكرر ولاشيء يتغير على هذا المعبر سوى الأسماء. ويبقى الموقف على حاله.. فراق ودموع وألم، والجميع يتمنى أن يخرج المحتل الإسرائيلي ويعود الجولان إلى حضن الوطن الأم ويعم السلام, وكما نحن نحلم بعودتنا إلى أحضان أمهاتنا كذلك الجولان يحلم بالعودة إلى حضن سورية.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات