بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> قــضــايـــا عربــيــة >>
رسالة القذافي للغرب: أعيدوا ما نهبتموه من افريقيا
  13/06/2009

رسالة القذافي للغرب: أعيدوا ما نهبتموه من افريقيا

العرب اونلاين - طارق القيزاني - لم تكن زيارة الزعيم الليبي ورئيس الاتحاد الافريقي معمر القذافي الى ايطاليا زيارة عادية ناهيك ان ايطاليا تجاهلت وبشكل استثنائي كل الأعراف والبروتوكولات التي دأبت على اتباعها في مثل هذه الزيارات الرسمية لتحتفي بالحدث التاريخي وبما يليق بعهد "الصداقة" الجديد بين البلدن.
لقد فرشت روما البساط الأحمر لضيفها المبجل، وخلافا للأعراف الديبلوماسية في ايطاليا اصطف رئيس الوزراء سيلفيو برلسكوني في مدرج المطار الدولي "تشامبينو" لاستقبال ضيفه بنفسه. وأتاح مجلس الشيوخ الايطالي للزعيم الليبي القاء كلمته الى ايطاليا والغرب من منبره فيما رفع التلفزيون الايطالي بالمناسبة الحظر عن الشريط الملحمي "أسد الصحراء" الذي مولته ليبيا في مطلع الثمانينات ويروي قصة النضال ضد الاستعمار الايطالي بقيادة "شيخ المقاومة" عمر المختار.
وفي الواقع تأتي زيارة القذافي الأولى الى ايطاليا تتويجا لسلسلة من الخطوات المتبادلة بين البلدين منذ سنوات لتجاوز عقود من التوتر السياسي على خلفية السجل الاستعماري الايطالي في ليبيا بين عامي 1911 و1942.
ولكن ومنذ توقيع اتفاقية الصداقة والشراكة والتعاون بين طرابلس وروما في آب/أغسطس 2008 أصبح من الممكن ان تتطلع الدولتان المتوسطتان الى مستقبل أفضل بعيدا عن آلام الماضي. ففي مثل هذه العلاقات فإن المصالحة التاريخية تمثل حجر الأساس من اجل التعاون والشراكة وهو ما سيلقي بظلاله ضمنيا على باقي العلاقات سواء في حوض المتوسط أو في افرقيا أو باقي العالم.
وحسب بنود الاتفاقية التاريخية الموقعة تلتزم ايطاليا بتقديم تعويض مالي لليبيا بما يناهز ربع مليار دولار سنويا على مدى عشرين عاما اضافة الى التزامها ببناء مساكن ومشاريع في البنية التحتية ومستشفيات لعلاج المرضى الذين تأذوا من مخلفات الاستعمار وتحديدا الألغام وسيكون من اختصاص تلك المستشفيات أيضا زراعة الأعضاء لهؤلاء المرضى. على ان تلتزم ايطاليا أيضا بالتعاون في الكشف عن حقول الألغام ومصير الليبيين في المنفى الايطالي.
ومن البنود الأخرى كذلك ان ايطاليا ستعمل على اعادة المخطوطات والقطع الأثرية والكتب القيمة وغيرها من الآثار التي وقع تهريبها الى ايطاليا أيام الاستعمار الفاشي. كما ستمنح روما سنويا منحا جامعية لعدد من الطلاب اللييبين الذين ينوون مواصلة دراساتهم في اطاليا وسيقع اعادة مرتبات التقاعد الى الجنود الليبيين الذين حاربوا من اجل ايطاليا.
وستكون ليبيا ملتزمة من جهتها بالتعاون مع الشريك الايطالي بمكافحة الهجرة غير الشرعية في حوض المتوسط وانطلاقامن سواحلها باتجا ايطاليا.
وسيكون يوم الثلاثين من شهر أغسطس/ آب من كل موسم مناسبة للاحتفال بـ"يوم الصداقة" الليبية الايطالية. ورحب بيرلسكوني بدعوته للاحنفال بالمناسبة في ليبيا في أغسطس القادم اضافة الى مشاركته في احتفالا الذكرى الأربعين لثورة الفاتح من سبتمبر.
والى جانب عودة الدفء الى العلاقات الليبية الايطالية فإنه يتوقع ان تمنح اتفاقية الصداقة من الجانب الليبي وضعا مميزا للشريك الايطالي من بين الدول الغربية خصوصا فيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية والتجارية.
وسبق أن تعهد القذافي امام رئيس الوزراء الايطالي بأن ليبيا ستسمح للايطاليين الذين كانوا يقيمون في ليبيا بالعودة اليها والعمل والاستثمار فيها واكد ان الشركات الايطالية ستحظى بالأولوية في الفوز بعقود الاستثمار، ما يعني تجاوز العوائق الادارية والبيروقراطية المعقدة التي كانت تحول في السابق دون تمكين هذه الشركات من الاستثمار فوق الأراضي الليبية.
وفي الواقع لا تبحث ليبيا كثيرا عن القيمة المالية لبنود الاتفاق التاريخي بين البلدين بقدر بحثها عن القيمة المعنوية. وهو امر أكده أكثر من مرة القائد معمر القذافي حين قال إن الاتفاق ليس تلبية لاحتياجات ولكنها تمثل رد اعتبار الى الشعب الليبي. فالاتفاق مسألة مبدأ.
لقد قدمت ايطاليا اعتذارا رسميا الى ليبيا و"طهرت نفسها من الحقبة الاستعمارية". فإيطاليا اليوم ليست ايطاليا الأمس ولا يمكن توجيه اللوم اليها أكثر. هذا ما قاله القذافي في مختلف تصريحاته تأكيدا على طي صفحة العداء بين البلدين. ولكن وضع الصورة التاريخية امام الأجيال الجديدة وأمام العالم من شأنه أن يبرر آلام الليبيين كما من شأنه أن يدفع الدول الاستعمارية الباقية الى اتخاذ نفس الخطوات التي اتخذتها ايطاليا اليوم.
وليس من السهل على الليبيين أن يبدأوا صفحتهم الجديدة مع الايطاليين دون ان يؤكدوا اعتزازهم بأجدادهم الذين ناضلوا ضد الفاشيين. ولقد برر الزعيم الليبي عندما حط بمطار روما مرفوقا بصورة المناضل التاريخي عمر المختار على بزته العسكرية بأن شنق شيخ المقاومة الليبية بالنسبة الى الليبيين هو مثل صلب المسيح عند المسيحيين.
وللتاريخ كان عمر المختار محمد فرحات ابريدان الملقب بقائد ادوار السنوسية في الجبل الأخضر قد تزعم ثورة شعبية ضد الغزو الايطالي منذ العام 1912 عندما كان في الثالثة والخمسين، استمرت عشرين سنة خاض خلالها ألف معركة، وانتهت باعتقاله عام 1931 حيث أجريت له محاكمة استمرت ساعة واحدة،انتهت بإعدامه شنقا.
يمكن لليبيا اليوم التي تحتل احدى المقاعد غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي أن تلعب دورها كاملا على الساحة الدولية بعد ان تمت تسوية المسائل العالقة بينها وبين الغرب بفضل نفوذها المالي والسياسي في المنطقة. فهناك افريقيا أولا، والقذافي بصفته رئيسا للاتحاد الافريقي سيكون اللسان الأول المدافع عن حقوق افريقيا أمام الغرب. وهناك شمال افريقيا والمنطقة العربية. وليبيا التي عودت العالم بمواقفها الواضحة والصريحة يمكنها ان تكون شريكا مهما من أجل الأمن والسلام في المنطقة.
لقد قدم القذافي خلال زيارته الى ايطاليا وتحديدا من داخل مجلس الشيوخ الايطالي رؤيته ومواقفه من سير العلاقات الدولية والحرب العالمية المسعورة ضد الارهاب.
ما الفرق بين غارات أمريكا على ليبيا عام 1986 وتصرفات بن لادن؟
الفرق بالنسبة الى القذافي هو ان بن لادن لا يملك دولة وهو خارج عن القانون أما الولايات المتحدة فهي دولة تنظم القواعد الدولية تصرفاتها.
لقد قال القذافي أمام أعضاء مجلس الشيوخ ان ليبيا تدين بشدة ظاهرة الارهاب. وان الحرب على هذه الظاهرة تبدأ اولا بفهم الأسباب الحقيقية التي ادت الى انتشاره واجراء حوار "حتى مع الشيطان نفسه" ان تطلب الأمر من اجل فهم الارهاب.
وما حصل مع السياسة الأمريكية بالنسبة الى القذافي هي أنها أحالت العراق الى ساحة للارهابيين من تنظيم القاعدة مع ان هؤلاء لم يكن بوسعهم دخول الأراضي العراقية في عهد الرئيس الراحل صدام حسين. وما قامت به أمريكا بكل بساطة أنها سلمت العراق الى الارهابيين. ومعنى ذلك ان" الارهاب أيضا من مخلفات الاستعمار".
تحدث القذافي أيضا الى الايطاليين والغرب حول مسألة الهجرة غير الشرعية والتي باتت ملفا ذا اولوية مطلقة بالنسبة الى دول الضفة الشمالية من المتوسط في علاقتها بدول الجنوب.
لقد رد القذافي بواقعية على منتقدي التعاون الليبي الايطالي في مكافحة الهجرة السرية من قبل المنظمات غير الحكومية
قائلا"دعوا الحكومة الإيطالية تتوقف عن الدفاع عنكم من الهجرة، واتركوا الملايين من الناس يدخلون، فستحتاجون بعد ذلك إلى ديكتاتور لحمايتكم". وإذ أشار إلى ان مبلغ مليار دولار الذي يمنحه الاتحاد الأوروبي لليبيا لاحتواء الهجرة غير كافٍ، قال ان على الاتحاد الأوروبي أن يقدم المزيد لأن "المشكلة تعني أوروبا بأسرها".
وأوضح ان "عدة مليارات من اليورو ضرورية لوقف تدفق المهاجرين إلى البحر الأبيض المتوسط"، مؤكداً ان ليبيا وإيطاليا "لا يمكنهما معالجة هذه المشكلة بمفردهما". وقال القذافي انه يجب إيلاء مزيد من الاهتمام لقضية الهجرة من قبل جميع الهيئات الدولية بما فيها الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي الذي يرأسه.
وافريقيا هي احدى الملفات الجوهرية التي رافقت زيارة القذافي التاريخية الى ايطاليا وينتظر أن تكون موضوعا ساخنا كذلك عندما يشارك الزعيم الليبي معمر القذافي الشهر القادم في مدينة "لاكويلا" في قمة الثماني بصفته رئيسا للاتحاد الافريقي.
وسعى القذافي في بداية زيارته الحالية الى ايطاليا الى جعل القضايا الافريقية في صدارة مباحثاته مع المسؤولين الايطاليين. وقد تم الاتفاق أثناء لقائه الرئيس الايطالي على إمكانية أن تكون هناك آلية مشتركة ليبية إيطالية لحل المشاكل في منطقة القرن الإفريقي المتمثلة في المشكل الحدودي بين ارتيريا وإثيوبيا والحرب الأهلية في الصومال وما يسمى بالقرصنة في خليج عدن.
وأعلن القذافي انه سيقدم مشروع قرار دولي للتصدي للقرصنة قبالة السواحل الصومالية.
وقال"نحن بصدد تقديم مشروع قانون للأمم المتحدة لحل معضلة القرصنة".
وأضاف ان الفكرة تتضمن إقامة "منطقة حماية اقتصادية" للمياه الصومالية مقابل تخلي الصوماليين عن القرصنة.
ولكن الأهم من كل تلك القضايا ان رئيس الاتحاد الافريقي يستعد للضغط على الدول الصناعية خلال قمة مجموعة الثماني لتقديم التزام بتعويض الدول الافريقية عن فترة الاستعمار. وينتظر ان تكون هذه النقطة اكثر المطالب المحرجة للغرب.
لقد أبلغ القذافي الطلبة في جامعة روما أن الافارقة عوملوا مثل "الحيوانات" وينبغي طلب الصفح والتفكير في سبل رد الموارد إلى أصحابها الشرعيين.
وقال إن استهلاك الموارد لا يعفي الدول الاستعمارية السابقة من المسؤولية وإن تعويض الافارقة عن ثرواتهم التي نهبت هو السبيل إلى انهاء الهجرة غير الشرعية.
وأعلن انه سيشارك في قمة مجموعة الثماني وسيطلب من كل الدول التي سبق أن استعمرت بلدانا أخرى بتعويضها وطلب الصفح.
ووجه القذافي في الماضي مرارا انتقادات الى الدول الغربية بسبب طبيعة علاقاتها مع الدول الافريقية التي ظلت في بعض جوانبها تستند الى منطق العلاقة الاستعمارية في الماضي. وظلت تملي شروطها بشأن التنمية والانفتاح الاقتصادي ومكافحة الهجرة غير الشرعية في الوقت الذي تتغاضى فيه عن آثار سجلها الاستعماري في افريقيا وتتغاضى عن مسألتي الاعتذار والتعويضات عن نهب خيرات القارة واستعباد شعوبها.
وفي آخر قمة أوروافريقية في البرتغال كانت مطالب القذافي واضحة وصريحة تجاه الغرب : أعيدوا ما نهبتموه من افريقيا !
ومن المتوقع أن تكون هذه المطالب العنوان الأبرز لقمة الثماني المرتقبة في ايطاليا. فعلى الغرب ان يتصالح مع تاريخيه في افريقيا مثلما فعلت ايطاليا مع ليبيا.


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات