بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> شؤون اسرائيلية  >>
إسرائيل مصممة على إخراج اليهود الشرقيين من جلدهم وتطهيرهم من لغة أمها
  31/07/2016

إسرائيل مصممة على إخراج اليهود الشرقيين من جلدهم وتطهيرهم من لغة أمهاتهم


وديع عواودة

الناصرة ـ «القدس العربي»: بعد نحو سبعة عقود على النكبة وقيام إسرائيل، ما زال اليهود الشرقيون وهم نصف السكان اليهود فيها، يطالبون بوقف التمييز العنصري ضدهم بكل مناحي الحياة. وتشهد إسرائيل هذه الأيام جدلا صاخبا حول حضور هؤلاء اليهود الشرقيين في مناهج التعليم الرسمية وسبق وأعلن وزير التعليم المستوطن نفتالي بينيت قراره بزيادة حضورهم في المضامين التعليمية لكنهم يعتبرون أن ذلك يأتي متأخرا وغير كاف. وبموازاة التمييز ضد اليهود الشرقيين تواصل إسرائيل عمليات تجريدهم من ثقافتهم وهويتهم العربية الشرقية كما يؤكد أستاذ علم الاجتماع في جامعة تل أبيب بروفسور يهودا شنهاف في كتابه الجديد. ويرى شنهاف وهو من مواليد العراق أن إسرائيل تقوم منذ2000 بحملة مكثفة تستهدف تأمين الاعتراف السياسي والقانوني باليهود العرب بوصفهم لاجئين، وذلك كرواية وحقوق مضادة مقابل اللاجئين الفلسطينيين. جاء ذلك في كتاب «اليهود العرب: قراءة ما بعد كولونيالية في القومية والديانة والإثنية « صدر عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار». وسبقت هذا الكتاب دراسات متعددة في هذا المضمار ومنها للكاتب نفسه الذي سبق وأكد في دراسة أخرى صادرة عن معهد «فان لير» أنه مع تصاعد العنصرية والكراهية في إسرائيل ضد العرب، تتراجع مكانة لغة الضاد فيها على المستويين الرسمي والشعبي. ويتجلى ذلك في مشاريع قوانين مطروحة في الكنيست تقضي بعدم الاعتراف بالعربية لغة رسمية، وسبق ذلك قبل عامين الشروع في استبدال أسماء الطرق العربية بأخرى عبرية. ولا ينحصر تراجع العربية فقط على الناحية الرسمية، إذ لوحظ انحسار كبير في التخاطب بها وسط اليهود الشرقيين، مما دفع باحثين للتحذير من خطر انقراضها، مشددين على حيويتها بصفتها اللغة الأم للكثيرين ولغة الجيران. وهذا يعكس أن اليهود الشرقيين ونتيجة عدة أسباب يشاركون إسرائيل الرسمية في تحقيق هدفها المراد بانتزاعهم من هويتهم وثقافتهم العربية.

اعرف عدوك

ويظهر استطلاع رأي تضمنته الدراسة هذه أن الإسرائيليين لا يتقنون العربية، وأن نظرة اليهود الغربيين منهم أفضل من نظرة اليهود الشرقيين لها، وأن أهميتها بالنسبة لأغلبيتهم -غربيين وشرقيين- تنبع من حاجة «اعرف عدوك».
نتائج الاستطلاع تشير إلى أن الاهتمام بلغة الضاد يتفاوت أيضا بين الأجيال، وأن هناك جيلا من الشباب- خاصة من أصول شرقية- يعمد إلى محو كل ما يربطه بالثقافة والهوية العربية. كما يظهر الاستطلاع الذي حمل عنوان «اليهود الشرقيون واللغة العربية» أن عُشر اليهود في إسرائيل فقط يعتقدون بأنهم يتحدثون أو يفهمون العربية بصورة جيدة. وتنخفض النسبة أكثر عند الحديث عن قراءة النصوص وفهمها، وتقل نسبة الذين يعتقدون أن بمقدورهم قراءة كتاب أو صحيفة بالعربية إلى أقل من 1٪.
وتبلغ نسبة إتقان العربية فهما وقراءة وتحدثا لدى شريحة أبناء الجيل الأول من اليهود الشرقيين 25.6٪ وهي تقل بمرتين عن نسبتهم لدى الجيل الثاني، وبنحو عشرين مرة عن نسبتهم لدى الجيل الثالث (1.3٪ فقط). وبحسب الاستطلاع فإن نسبة اليهود من أصول غربية (الأشكناز) الذين يتعلمون العربية في الجامعات أكبر أربع مرات من النسبة ذاتها بين اليهود القادمين من بلدان عربية.
وتنجلي أسباب هذا الفارق المثير بمعطى مكمل آخر يظهر أن نسبة اليهود الغربيين الذين تعلموا العربية في إطار الخدمة العسكرية في الجيش أكبر بثلاث مرات من النسبة بين اليهود العرب.

تطهير لغوي

وفي تعليقه على هذه النتائج رأى البروفيسور يهودا شنهاف في حديث لـ»القناة العاشرة» أن اللغة العربية في إسرائيل تتعرض لعمليات تطهير إثني لغوي. وأوضح شنهاف أن الموقف ذاته يتكرر مع لغات مماثلة مثل ما يحدث لليهود الغربيين الذين تفقد أجيالهم الحالية لغة الأجداد الأصلية كاللغة البولندية، لكنه لا يعتبر ذلك مبررا. وشدد على أن «العربية لغة رسمية في إسرائيل، إضافة إلى كونها اللغة الأم للكثيرين ولغة الجيران والشركاء من المواطنين الفلسطينيين».

بطاقة دخول

في المقابل يعتقد 33٪ من الإسرائيليين وفق الاستطلاع أن أهمية العربية تكمن في كونها لغة تراثية لليهود الشرقيين ينبغي الحفاظ عليها، ويدعون إلى تكريسها لغة رسمية. ويقول 25٪ فقط منهم إنهم يشعرون بالراحة لسماعهم موسيقى عربية أو لتحدثهم بالعربية خارج البيت. لكن شنهاف يؤكد أن العربية تتجه نحو الانقراض في إسرائيل لأن الإسرائيليين ينظرون إليها نظرة سلبية، مشددا على أن طمس العربية لدى الشرقيين يعتبر بطاقة قبول ودخول إلى «النادي الإسرائيلي المغلق». وتتفق مع شنهاف المترجمة شوشانة لندن التي تقول إن العربية في إسرائيل باتت لغة اصطناعية تستخدم للتنصت والتعقب، لا للحديث بها والإنتاج بواسطتها. وتدلل على التحول في مكانة العربية بتراجعها لدى الشرقيين مقارنة مع الغربية والأوساط الأمنية، وتحمّل هي وشنهاف الحكومة مسؤولية احتضار العربية بسبب إهمالها في المدارس.

الأوراق النقدية

ويظهر التمييز الإسرائيلي ضد اليهود الشرقيين بإقصاء رموزهم التاريخية من الأوراق النقدية التي تحمل صورا لشخصيات من اليهود الغربيين فقط. وصدرت قبل شهور ورقة نقدية جديدة من فئة المئتي شيكل تحمل صورة الشاعر اليهودي الغربي البارز نتان ألترمان، تطبيقا لقرار اتخذته الحكومة باستبدال صور السياسيين في الأوراق النقدية الجديدة بصور شعراء. ويثير ذلك مجددا ملف التمييز العنصري ضد اليهود الشرقيين والذي يشمل مختلف مناحي الحياة، كما يتجلى ذلك في طمس شخصياتهم الثقافية.
ويطالب رئيس حزب المتدينين المتزمتين «شاس» الوزير آرييه درعي المغربي الأصول الحكومة بأن يفي رئيس حكومة إسرائيل بوعوده بتوثيق شخصيات ثقافية في أوراق النقد الجديدة.
ويلفت درعي في بيان صادر عن مكتبه إلى احتجاجات اليهود الشرقيين على التمييز ضدهم في كل ما يتعلق بموارد ورموز الدولة ولجان الجوائز ومناهج التعليم وغيرها.

أكثر فظاظة

ويشير المحاضر في جامعة تل أبيب د. غادي الغازي إلى أن لجنة إصدار الأوراق النقدية التي تشمل عشرة أعضاء، تخلو من ممثلين لليهود الشرقيين والعرب طبعا. الغازي وهو يساري معادي للصهيونية، عائلته من أصل مصري أن العنصرية تظهر في إسرائيل اليوم أكثر فظاظة ولا تقتصر على اليهود الشرقيين، بل تطال كل من هم خارج «القبيلة الغربية البيضاء» من شرقيين وفلاشا وعرب ومعاقين وحتى النساء. ويشير إلى ما هو أخطر من ذلك، موضحا أن كتب التعليم في إسرائيل لا تشمل إلا معلومات قليلة جدا عن تاريخ اليهود الشرقيين، مثلما يغيب الأدباء الشرقيون عن مناهج الثقافة والأدب أيضا.
المفارقة أن الشاعر اليهودي الوحيد الذي تم توثيقه في الأوراق النقدية الإسرائيلية هو موسى بن ميمون المعروف باسم «الرمبام» الذي عاش في كنف الدولة الأموية في الأندلس. ويرى عضو الكنيست يوسي يونه (عن المعسكر الصهيوني) أن إقصاء الشرقيين من الأوراق النقدية يعكس التمييز الذي ما زال يمارَس ضدهم حتى اليوم، وينم عن اعتقاد اليهود الغربيين بأنهم الأفضل. ويبدي يونه – وهو من أصول شرقية- أسفه على استمرار التمييز العنصري بحق الشرقيين في رموز الدولة ومؤسساتها الرسمية وحتى في جهازها القضائي. ويتابع «لن يكون الإسرائيليون مجتمعا موحدا متناغما دون تمثيل لائق لكل مكوناته، ودون تحقيق عدالة اجتماعية». وتتفق معه المحاضرة الأكاديمية د. يفعات بيطون مديرة مركز «منع التمييز» لكنها تدعو إلى عدم التردد في الاحتجاج بصوت عال، دون اكتراث بالتحذيرات من أن ذلك سيخرج مارد الطائفية من القمقم.

إسكات الاحتجاج

وتوضح بيطون في تصريح لإذاعة الجيش أن جهات متنفذة من اليهود الغربيين تحاول أيضا إسكات الاحتجاج على غمط حقوق الشرقيين.
ويتفق شنهاف مع من يرى أن الظاهرة أوسع من أوراق نقدية، وأنها تجسد تمييزا عنصريا منذ 1948. شنهاف -الذي يصر على الحديث بالعربية مع وسائل إعلام عربية محلية ويصف الظاهرة بأنها بشعة وفاسدة أخلاقيا، وتهدد الانسجام الداخلي بين الإسرائيليين. ويتفق مع يونه في أن التمييز العنصري ضد كل من هو غير غربي بات سافرا بعدما كان مبطنا، معتبرا ذلك تعبيرا عن تفشي الروح العدوانية والتطرف في الفترة الراهنة. ويتابع شنهاف «كلما خفت التهديدات الخارجية رفعت العنصرية الرسمية والشعبية في إسرائيل ضد أوساط مختلفة». ويشير إلى أن الظاهرة غير مفاجئة بتاتا، وتنعكس حتى في تسميات الشوارع وفي الفن والأدب والثقافة، ويرى في تغييب الشرقيين عن الأوراق النقدية قمعا طبقيا وعرقيا.
لكن شنهاف يحذر الوزير درعي من الانشغال بالشكليات بدلا من الجذور، ويصف تركيزه على الأوراق النقدية بأنه محاولة استعراض لا أكثر.

لماذا اليهود الشرقيون
أكثر كرها للعرب؟

ورغم كل ذلك والأصح نتيجة لذلك فإن اليهود الشرقيين الذين يسميهم يهودا شنهاف «اليهود العرب» هم الأكثر كرها للعرب. ويتوافق كثير من الباحثين على أن السبب المركزي لهذه الظاهرة اللافتة التي تنعكس ببعد اليهود الشرقيين عن حركات السلام وبدعمهم لأحزاب اليمين المتطرفة، ترتبط بحاجتهم ورغبتهم بالاندماج في المجتمع الإسرائيلي الجديد الذي تكوّن مع إقامة الدولة الجديدة. يسعى هؤلاء لتحقيق هذا الهدف بواسطة التعبير عن الكراهية للعرب، إذ سعى الشرقيون، بلا وعي منهم، إلى أن يظهروا أنفسهم كمختلفين، وأن يحولوا أنفسهم إلى جزء لا يتجزأ ولا ينفصل عن المجتمع اليهودي، الذي كان، في السنوات نفسها غربيا في أغلبه، وذا سمات أوروبية، مع احتقار استعلائي للثقافة العربية. على الخلفية نفسها، تم إلغاء المصطلح «يهود-عرب» الذي اعتبر مهينا. حين أقيم حزب الليكود في سنوات السبعين وحمل على عاتقه صراع الطبقات الضعيفة والعمال الشرقيين مع المشاكل اليومية، قام بسهولة بجرف أصوات الشرقيين، الذين أحسوا لأول مرة أن هنالك أذنا صاغية لأمانيّهم، وتمثيلا ملائما لهم في الكنيست. كان التصويت لليكود قبل أي شيء اعتراضا على كل سنوات السيطرة الأشكنازية وإقصائها.

انقلاب 1977

يُذكر مناحم بيغن كمن نجح، لأول مرة في تاريخ إسرائيل، في إحداث تغيير حين فاز برئاسة الحكومة وهزم حزب اليسار الأشكنازي في 1977، طبعًا، بفضل دعم الشرقيين. مع السنوات تحول دعم الليكود إلى تقاليد حقيقية في دوائر شرقية واسعة، على الرغم من أن زعماءه بقَوا أشكنازيين، وتغير مذهبه الاقتصادي حتى أنه بات من المفارقات السخيفة الوضع اليوم والذي يستمر فيه الشرقيون وذوو الطبقة المتدنية في التصويت لحزب أراؤه السياسية هي أكثر الآراء رأسمالية والتي تضر بالطبقة الوسطى والدنيا أكثر من أي حزب آخر. اليوم، ما زال أغلب الشرقيين مستمرين في التصويت لليكود في الأساس بسبب برنامجه السياسي، على الرغم من برنامجه الاجتماعي.

الذاكرة الجمعية

ويعتقد الباحث في علم الاجتماع المحاضر في جامعة حيفا بروفسور سامي سموحا أن هناك سببا آخرا يفسر تعاون اليهود الشرقيين مع المؤسسة الحاكمة في تعريتهم من ثقافتهم العربية. يزعم سموحا أن هناك دورا للذاكرة الجمعية لدى اليهود الشرقيين المتعلقة بملاحقة مزعومة من قبل العرب والمسلمين لهم.
ومع ذلك لم تنجح الصهيونية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على صهر مختلف الأعراق اليهودية في سياق الخدمة العسكرية الإلزامية في جيش الاحتلال. وقد أظهر مختلف الوقائع وجود الاختلافات العرقية بين اليهود، خصوصاً أن التزاوج بين الشرقيين والغربيين مقصور على حالات فردية وبأعداد ضئيلة، حتى أن التزاوج بين الشرقيين أنفسهم محكوم بأصول كل جماعة في بلاد العرب.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات