بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> شؤون اسرائيلية  >>
إسرائيل المنطلقة إلى حروبٍ لا تنتهي منطق القوّة المفتقِر للفكر الاسترا
  19/04/2010

إسرائيل المنطلقة إلى حروبٍ لا تنتهي منطق القوّة المفتقِر للفكر الاستراتيجيّ

جان بول شانيولو*

أسهمت المنح المالية، خصوصاً من الاتحاد الأوروبي، في نشأة جيوب ازدهارٍ مصطنعة في بعض المناطق الفلسطينيّة. في حين يستمرّ الاستيطان الإسرائيلي، ويستعد جيش الدولة العبريّة لمواجهات جديدة في لبنان وايران والضفة الغربية، سعياً وراء نصرٍ مستحيل. كانت كافّة المواجهات الإسرائيلية العربيّة (1948، 1956، 1967، 1973) التي جرت قبل المنعطف التاريخي لمعاهدة السلام التي تمّ التوقيع عليها بين تل أبيب والقاهرة في العام 1979، حروباً تقليدية: إذ كان أطراف النزاع يلجؤون إلى جيوشٍ تقليدية، مُستخدمين كذلك أسلحةً واستراتيجيات تقليديّة. وكان الطيران يلعب دوراً أساسياً فيها، تدعمه المدرّعات برّاً. وكان الحفاظ على وجود إسرائيل حاضراً دائماً في خلفيّة تلك المواجهات، وإن كان يتمّ تضخيم حقيقة التهديدات بشكلٍ كبير، إلاّ خلال مواجهة العام 1948 التي كانت نتيجتها غير مضمونة.
وقد أُطلق العدوان على قناة السويس في العام 1956 من قبل تحالفٍ ثلاثيّ جمع فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، للإطاحة بنظام الرئيس جمال عبد الناصر؛ دون أن يتمّ تعريض الدولة الإسرائيلية للخطر إطلاقاً. وفي العام 1967، شنّت تل أبيب حرباً بعد أسابيعٍ من التوتّرات مع القاهرة ودمشق. ولم يساور الشكّ في أيّة لحظة أيٌّ من الحكومة أو قيادة الأركان الإسرائيلية حول التفوّق الساحق لقوّاتهما.
في تشرين الأول/أكتوبر 1973، أخذت كلّ من مصر وسوريا المبادرة للمرّة الأولى منذ العام 1948، بعد التحضير لها بدقّة: فهاجمت الجيوش العربية إسرائيل على جبهتيْن، في وقتٍ لم يكن فيه البلد متيقّظاً بسبب يوم الغفران، والانتخابات التشريعية التي كان يتمّ التحضير لها لـ31 تشرين الأول/أكتوبر، وأيضاً بسبب تقصير أجهزة المخابرات. وقد فعل عامل المفاجأة فعله بالكامل [1]. لكن حتّى في هذه الحالة، لم يتعرّض وجود إسرائيل بتاتاً للخطر. إذ كانت القاهرة ودمشق تسعيان فقط لاستعادة أراضيهما المحتلّة في العام 1967؛ وكانت الولايات المتحدة تسهر على المصالح الحيويّة لحليفتها.
ومنذ العام 1973، لم تشهد إسرائيل أيّ صراعٍ مباشرٍ مع دولة عربية [2]. إذ ما من واحدةٍ منها قادرةٌ على الدخول معها في مواجهةٍ مسلّحة، حتّى مع التحسّب للتغيّرات الاستراتيجية التي تسبّبت بها الصواريخ البعيدة المدى. لقد تغيّرت إذاً طبيعة الحرب. بحيث باتت المواجهة اليوم تتمّ بين جيشٍ تقليديّ مزوّدٍ بشكلٍ أساسي بأسلحة "تقليدية" (مدرّعات وطيران) وبين تنظيمات حرب العصابات. مع العلم أنّ هذا التغيّر الأساسي لم يُعار له انتباهاً؛ وبقيت إسرائيل تتصرّف كما لو أنّ مصيرها على المحكّ.
في إطار هذا الانقلاب، شكّل العام 1982 تاريخاً فاصلاً. ففي ربيع ذاك العام، غادر آخر جنديٍّ إسرائيليّ صحراء سيناء، بموجب معاهدة السلام التي وقّعت عليها القاهرة وتل أبيب في العام 1979؛ في حين قام الجيش الإسرائيلي، بعد بضعة أسابيع، باجتياح الأراضي اللبنانية في محاولةٍ لتصفية منظّمة التحرير الفلسطينية. وقد اعتمد رئيس الوزراء مناحيم بيغن [3]، بدعمٍ من وزيره للدفاع وقتذاك آرييل شارون، استراتيجيةً واضحة. فتوقيع صلحٍ مع أقوى دولةٍ عربية كان يسمح له بالظهور أمام العالم بمظهر رجل سلام (توّج بجائزة نوبل للعام 1978)، وبتأمين أمن البلد لفترةٍ طويلة وتركيز كافّة جهوده على الأراضي الفلسطينية (القدس، الضفّة الغربية وغزّة) التي كان يسعى إلى بسط سيطرته عليها بأيّ ثمن، ومن هنا جاء إطلاقه خطّة استيطان واسعة للأراضي الفلسطينية.
بلاغة خطاب الهولوكوست
بالرغم من المقارنات التي أُقيمت بين ياسر عرفات وأدولف هتلر، وبين بيروت وبرلين النازية، واستعادة خطاب "المحرقة (الهولوكوست) الجديدة"، فتحت هذه العملية التي استهدفت منظّمة التحرير الفلسطينية وحلفاءها اللبنانيّين، حلقةً من المواجهات غير المتوازنة بين إسرائيل وتشكيلاتٍ غير نظاميّة. ففي أحد أفضل الكتب حول هذه الحرب، استنتج خبيران إسرائيليان في المسائل العسكرية، زييف شيف وإيهود يأري، التالي: "كان اجتياح لبنان في العام 1982، الذي كان وليد طموح رجلٍ متعنّت ومتهوّر (شارون)، مبنيّاً على الأوهام والأكاذيب؛ وكان سينتهي حكماً بكارثة (...) فلا يوجد أيّ عذرٍ لهذه الحرب المكلِفة والعبثية. وأفضل شيءٍ يمكن القيام به هو استخلاص العبر منها" [4].
للأسف، لم يقم أيّ صاحب قرارٍ إسرائيلي بذلك. بل على العكس، فَرض منطق القوّة المجرّد من أيّ فكرٍ استراتيجي نفسه على المدى الطويل. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2008، سمعنا قائد المنطقة العسكريّة شمال إسرائيل، الجنرال غادي أيزنكوت، يعلن، تعليقاً على تفجير المراكز السياسية والثقافية التابعة لحزب الله في العام 2006، والتي لم يبقَ منها سوى كومةً من الحجارة: "ما حصل في بيروت سيتكرّر في كلّ قريةٍ تُقصَف من خلالها إسرائيل... وسنلجأ دوماً إلى استخدام قوّةٍ غير متكافئة..." [5].
خلال الأعوام الثلاثين الأخيرة، ستقرّر الحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة هجمات عسكرية أخرى، على المنوال نفسه: منها قمع الانتفاضة الأولى خلال العامين 1987-1988؛ وعملية "عناقيد الغضب" ضدّ جنوب لبنان وضدّ حزب الله في العام 1996؛ عملية "السور الحديدي" في العام 2002، خلال الانتفاضة الثانية؛ والحرب ضدّ حزب الله في العام 2006؛ والهجمات على حماس في غزّة في حزيران/يونيو 2006 وتشرين الثاني/نوفمبر 2007، ومن ثم في كانون الأول/ديسمبر 2008، مع عملية "الرصاص المصبوب".
فكيف أمكن تحديد هويّة العدوّ الجديد الذي استهدفته تلك الهجمات؟ إذ بالنسبة إلى العسكريّين الإسرائيليّين، لا يوجد سوى فئتين من الأعداء: الجنديّ والإرهابي. وبما أنّه ما من جيشٍ نظامي متورّط، فعدوّها هو الإرهابي؛ لا يُعتَرَف له بأيّة صفة مقاومة، لأن هذا سيمنحه، إضافةً إلى القضية التي يدافع عنها، شرعيةً عالية، تضع المُهيمِن في وضعٍ غير شرعيّ.
يساهم هذا الخيار الدلالي، السياسيّ بشكلٍ أساسي، أولاً في تزويد قضية صاحبه بشرعيةٍ كبيرة وبتعميم فكرة وجود "تهديدٍ وجوديّ"، بالرغم من كونه غير واقعيّ. صحيحٌ أنّه لم يسبق لقوّة محتلّة أن اعترفت يوماً بصفة المقاومين لأعدائها، سواء في الجزائر خلال الاحتلال الفرنسي أو في جنوب إفريقيا خلال نظام التمييز العنصري. فلطالما كان العدوّ فقط إرهابياً.
واعتبار الآخر إرهابياً يعدّل أيضاً قواعد اللعبة. فبما أنّ المسألة تقضي بمحاربة هذا النوع من الأعداء، يصبح "كلّ شيءٍ مسموحاً به"، لأنّ قوانين الحرب لم تعُد تُطبَّق. هكذا تطرد إسرائيل أعداءها من المعترك السياسيّ لعزلهم في دائرة الإجرام.
بالتالي لا يعود مهمّاً إن كانت المعارك تُوقع العديد من الضحايا في صفوف المدنيّين، بما أنّها غلطة الإرهابيّين الذين "يختبئون وراء" الأبرياء. ولا يعود مهمّاً إن بدت الوسائل غير متكافئة، مع اللجؤ الكثيف للمدرّعات والاستخدام المنهجيّ للطائرات الحربية، بما أنّ الإرهابيّين لا يحترِمون شيئاً على أيّة حال. ولا يعود مهمّاً إن تمّ الاستخفاف بحقوق الإنسان...
فالغاية، وهي القضاء على الإرهاب، تبرّر الوسيلة. ويتحوّل العدو إلى حيوانٍ مفترس تكتسب تصفيته شرعيةً أكبر، كونه يشكّل "تهديداً وجودياً". ففي كانون الأول/ديسمبر 2008، ردّ ناطقٌ رسميّ باسم الجيش الإسرائيلي، سُئِل عن أهداف الهجوم على غزّة: "سوف ننظّف أعشاش الإرهابيّين". وبعد بضعة أيام، ردّ ناطقٌ رسميّ باسم الحكومة، سُئل عن وقوع عددٍ كبيرٍ من الضحايا: "نعم... لكنّهم إرهابيّون".
كيف تغذّي التطرّف
باسم هذا المنطق، حاولت إسرائيل، بصورةٍ منهجية، اغتيال القادة والكوادر وحتّى المناضلين العاديّين في تلك التنظيمات. فلا وجود لعقوبة الإعدام في إسرائيل، لكنّها تعتمد سياسة الاغتيالات المركّزة منذ عقود. وخلال الحصار على بيروت في العام 1982، نجا عرفات من عدّة محاولات اغتيال. وخلال الانتفاضة الأولى، "صفّى" كوماندوس إسرائيلي في تونس، في نيسان/أبريل 1988، ذاك الذي كانت تعتبره إسرائيل منظّم ثورة الحجارة: خليل الوزير (أبو جهاد).
وخلال الانتفاضة الثانية، سُحِقَ صلاح شحادة، المسؤول المهمّ في حماس في غزّة، في منزله، مع عائلته وأقاربه، بقذيفةٍ وزنها طنّ في تموز/يوليو 2002. وبعد عامين، في آذار/مارس 2004، تمزّق أحمد ياسين، القائد الكاريزمي للمنظمة الإسلامية، بصاروخ. وبعد بضعة أسابيع، لاقى خلفه عبد العزيز الرنتيسي المصير نفسه.
ليست إسرائيل هي من اخترع هذه الممارسات. فهي تندرج في تقليدٍ طويلٍ الأمد من الحروب التي كانت تشنّها دولٌ ترفض الاعتراف بشرعيّة المعارك التي تعارض هيمنتها؛ نذكر في مقدّمتها فرنسا في الجزائر. فقد اغتيل العديد من قادة جبهة التحرير الوطنية سرّاً، على غرار العربي بن مهيدي الذي شُنق في مزرعةٍ في ضواحي الجزائر العاصمة، على يد الرائد بول أوساريس. يعتقدون أنّه يمكنهم بذلك خنق أيّ نوعٍ من المقاومة، إلى أن أُرغموا على الاعتراف بأنّ الطريقة الوحيدة للخروج من النزاع هي المفاوضات والاعتراف بحقوق الآخر، كما حصل في معاهدة إيفيان في العام 1962 وفي اتفاقيات أوسلو في العام 1993، لكن وسط ظروفٍ مختلفةٍ جداً طبعاً.
ففي حين لم يعد أيّ بلد عربي يهدّد وجود دولتهم، كان السياسيون والعسكريّون الإسرائيليون يلجؤون أكثر فأكثر إلى العنف. وكان الأهداف تباعاً هي القضاء على منظّمة التحرير الفلسطينية (1982)، وسحق المقاومة الفلسطينية (2002)، وإضعاف أو نسف حزب الله (1996 و2006) ومن ثمّ حماس (في الأعوام 2006، 2007 و2008). لكن، إضافةً إلى عدم تحقيق أيٍّ من تلك الأهداف، كانت المشكلة السياسيّة التي يدّعون حلّها تصبح أكثر تعقيداً في كلّ مرّة، لأنّ الحرب كانت توطّد التنظيم الذي كانوا يسعون إلى تفكيكه، وحتّى مجموعات أكثر تطرّفاً منه.
هذه الدوّامة هي نتيجة الحرب نفسها، إذ إنها تعزّز صفة المقاوم لدى المُعتدى عليهم، من قبل جيشٍ متطوّرٍ جداً ومُفرطٍ في التجهيز. وبقدر ما يمكن تصفية مجموعةٍ إرهابية لا تتمتّع بأيّة قاعدة إجتماعية مهمّة، بقدر ما يستحيل تحقيق ذلك مع تنظيمٍ يبدو في عيون شعبه، أو بالنسبة إلى جزءٍ مهمٍّ من هذا الأخير، تنظيماً مقاوماً. وقد أكّدت الانتخابات التي جرت في فلسطين كما في لبنان على تجذّر تلك التنظيمات، سواء بالنسبة إلى فتح وحماس أو حزب الله.
في العام 2006، في لبنان، أساءت إسرائيل تقدير الكثير من المعايير، لدرجة أنّ الفشل كان جليّاً بعد بضعة أيامٍ فقط على بدء العدوان: فحزب الله كان يستمرّ في إطلاق الصواريخ ويصدّ الهجوم البرّي، في حين بقي الجنود المخطوفون مفقودين. وبسرعة، أثبت الحزب الشيعي بأنّه تنظيم فعّال، مدرَّب بشكل جيّد جداً، ويملك أسلحة متطوّرة تطال داخل أراضي العدو وتدمّر عشرات دبّابات الميركافا. وقد اكتسب، علاوةً على ذلك، مقاماً كبيراً في لبنان والعالم الإسلامي. وبفضل التمويل الإيراني ودعم سوريا، تمكّن التنظيم من إعادة تشكيل قواه على الصعيد العسكري والاستمرار في لعب دورٍ أساسيّ في الحياة السياسية في لبنان.
في العام 2008، وجدت حركة حماس نفسها وسط مُعطيات مختلفة جداً عن مُعطيات حزب الله قبل عامين. فقد أضعفتها عواقب انقلابها على "فتح" في حزيران/يونيو 2007، بسبب نزاعها مع هذه الأخيرة ومقاطعة الغرب لها. وبالرغم من هذه الإعاقات الثقيلة الوطأة، كان بإمكانها التباهي بشرعيةٍ مضاعفة: شرعيّة الأصوات من خلال فوزها في انتخابات العام 2006، وشرعيّة مقاومتها للمحتلّ في مواجهة سلطة فلسطينية تزداد هشاشةً. وبالتالي تعزّزت مواقعها مع نشوب الحرب. هكذا بعد ثلاثين عاماً من السلام مع مصر، يبدو أنّ الاستخدام التعسّفي للقوّة يلخّص الاستراتيجية الإسرائيلية.
من شأن هذا المنطق أن يولّد حتماً مآسٍ جديدة وفواجع جديدة ورغبات جديدة بالانتقام. وهو لن يؤدّي سوى إلى التأجيج المُتزايد للصراعات التي ترتدّ على من عاثوا خراباً باسم الهوس الأمني غير المنقطع. فكيف يمكن لفريقٍ أن يأمل بتوطيد أمنه الخاصّ من خلال تغذية انعدام الأمن المُطلَق لدى الآخرين؟

* أستاذ في الحقوق في جامعة Cergy
لوموند ديبلوماتيك


هوامش:
[1] سوف تكون حصيلة هذه الحرب 9500 قتيل في المعسكر العربي (6 آلاف مصري، 3100 سوري، إضافة إلى 400 جندي من دولٍ عربية اخرى)، في حين بلغ عدد القتلى الإسرائيليين 3 آلاف جندي. وفقدت اسرائيل 840 دبابة و114 طائرة؛ أمّا العرب فقد خسروا 2650 دبابة و392 طائرة. راجع: بيار رازو "الحرب العربية الإسرائيلية في اكتوبر 1973"، دار ايكونوميكا، باريس 1999.
[2] حرب الخليج عام 1991 ليست استثناءً عندما تساقطت الصواريخ العراقية على إسرائيل ولم يكن هناك ردّ أو حتّى مواجهة على الأقل نتيجة الرغبة الاميركية التي ألزمت اسرائيل بذلك حفاظاً على التحالف الذي كانت تقوده لطرد العراق من الكويت.
[3] رئيس وزراء إسرائيل اليمينيّ من 1977-1983.
[4] Ze’ev Schiff, Ehud Ya’ari, Israel’s Lebanon war ?, Counterpoint, Unwin Paperbacks, Londres, 1986.
[5] مقابلة مع صحيفة "إيديعوت أحرنوت"، تل ابيب، 3 تشرين الاول/أكتوبر 2008.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات