بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> شؤون اسرائيلية  >>
الكاتبة والباحثة أستر بنباسا تبحث عن هويتها بعيدًا عن إسرائيل
  15/11/2009

الكاتبة والباحثة أستر بنباسا تبحث عن هويتها بعيدًا عن إسرائيل


أستر بنباسا : معنى أن تكون يهوديا بعد غزة

"ما قبل فاجعة غزة لن يكون بالطبع كما بعدها.. فصور الدمار التي خرجت من القطاع، وإن لم تكن بالضرورة هزيمة عسكرية لإسرائيل، كانت خسارة إعلامية قلبت معادلة النظر إلى الصراع العربي الإسرائيلي بالكامل".
بهذه الكلمات توجه الكاتبة والباحثة اليهودية أستر بنباسا نداء من أجل "طريق يهودي ثالث"، و"صوت يهودي مختلف"، ناشدة من ورائه "البحث عن إسرائيل أخرى" و"الخروج من حتمية دعم يهود الشتات لإسرائيل بشكل مطلق وبلا شروط".
من خلال كتابها الجديد "معنى أن تكون يهوديا بعد غزة" ( Être juif après Gaza) والذي صدر بباريس نهاية شهر ايلول 2009 عن المركز الوطني للبحث العلمي , تخطو الباحثة اليهودية الفرنسية الشهيرة "أستر بنباسا" خطوة جديدة وجريئة مترددة حينا وصريحة أحيانا أخرى، غير أنها تلامس الخطوط الحمراء وتمضي حتى إلى تجاوزها بشجاعة نادرة, تلك الخطوط التي رُسمت في المخيلة الجمعية الثقافية والسياسية الغربية تجاه كل ما يتعلق بنقد إسرائيل أو المس بالقضية اليهودية بشكل عام.
ربما ما مكن أستر بنباسا من وطء الخطوط الحمراء في نقد إسرائيل واللوبي اليهودي في الشتات بهذا الشكل -وهي الخطوط التي لا يمكن تجاوزها بدون توقع حملة تشويه ورمي بشتى التهم القاتلة من قبيل تهمة العداء للسامية– أن صاحبة الكتاب ذي الغلاف الأسود -إضافة إلى جنسيتها الفرنسية- هي مثقفة يهودية نشأت في تركيا لتهاجر مع والديها إلى "إسرائيل" ولتدرس في الجامعات الإسرائيلية ولتكون جزءا من هذه الدولة قبل أن تستقر في فرنسا.
بنباسا إذن تملك الحصانة التي تمنحها إمكانية نقد المشروع الصهيوني، وهي حصانة تعيها جيدا حينما تقول في مقدمة الكتاب: "في فرنسا بالذات عندما يتعلق الأمر بعدوان مثل عدوان غزة؛ فإن الإعلام يمارس "الرقابة الذاتية" بالرغم من أن الصور تبدوا ناطقة وحدها عما جرى من جرائم ولا تحتاج تعليقا، وبالنسبة للصحفيين الذين يجرؤون على نقد ما يجري؛ فإن مستقبلهم المهني يصبح في الميزان"، وتضيف: "بالنسبة للمثقفين الفرنسيين من أصول عربية فعليهم الصمت الكامل".
"الوصفة الجاهزة بمعاداة السامية" لمن هو غير يهودي لا تعفي بالضرورة اليهودي من عواقب نقد إسرائيل هو الآخر؛ فهناك من الوصفات الأخرى التي أعدت لمهاجمة اليهود الذين يتجرؤون على هذا النقد، وهي تهمة "كره الذات اليهودية"، هذا المصطلح الذي كان أول من تحدث عنه الفيلسوف اليهودي الألماني "تيودور ليسينغ" في كتاب له صدر سنة 1930.
«تأطير النقد»
تؤطر أستر بنباسا نقدها لإسرائيل بعد ما حدث في غزة باعتباره نقدا من "الداخل اليهودي" لتقول بشكل صريح: "لأنني يهودية بدون ممارسة، ولأن إسرائيل تنتمي إلى ديانة لا أملكها، ولأني كبرت فيها، ولأني حريصة على بقائها؛ فإني أريد أن أكون منتقدة لها"، وتستدرك بنباسا: "لا أريد أن أرفض يهوديتي وأرفض إسرائيل، ولا أريد أن أستمر في أن أكون يهودية وأن أساند هذه الحرب اللاأخلاقية التي تقوم بها إسرائيل".
ومنذ الصفحات الأولى للكتاب، تحاول أستر بنباسا البحث عن الأسباب العميقة لكل "هذا الدمار والقتل الأعمى الذي أحدثته إسرائيل في قطاع غزة" عبر متابعة مسارين متوازيين: الأول يتعلق بمن تقدم الصفوف الأولى من الجنود الإسرائيليين في العدوان على غزة، أما الثاني فيركز على من دعم هذه الهجمة من الخارج وخاصة من "يهود الشتات" وتحديدًا يهود فرنسا.
ودون أن تبرئ اليهود الغربيين "الأشكانزييم" القادمين من أوروبا الشرقية والغربية من الجريمة التي كانوا شركاء، فإن استر بنباسا تقول إن اليهود الشرقيين "الحريدييم" كانوا من "أكثر المتحمسين للحرب على قطاع غزة بهذا الشكل؛ سواء أكانوا في إسرائيل أو كانوا في الشتات".
وتنتقل بنباسا لمحاولة تفسير كون هؤلاء الشرقيين أكثر تأييدًا، وبشكل أعمى، للحملة الوحشية على غزة من غيرهم في المجتمع اليهودي، فترى أن البداية تأتي من الحدث المركزي الذي يعد علامة فارقة في التاريخ اليهودي المعاصر، وهو "الهولوكوست" أو (المحرقة النازية ضد اليهود)، حيث لم يكن ليهود شمال إفريقيا (خاصة يهود المغرب الأقصى) معرفة كبيرة بما جرى في الحرب العالمية الثانية من عمليات التطهير العرقي لليهود، وتضيف "بنباسا": "عندما حلوا في فرنسا اعتُبر يهود شمال إفريقيا بمثابة "عرب" من قبل يهود أوروبا الشرقية، وكانوا يلقبون "بالمزراحيم"، أي كلمة "الشرقيين" باللغة العبرية.
وقد كانت تلك التسمية تحمل في طياتها معنى بالغ السلبية، وكانت فضيلتهم الوحيدة هي قربهم وتمسكهم بالتقاليد اليهودية الدينية مقارنة باليهود القادمين من أوروبا الشرقية الذين كانوا يمثلون سنة 1948 حوالي 77 بالمائة من عدد سكان الدولة العبرية.
«عقدة النقص»
وقد اعتُبر اليهود الشرقيون من قبل كل الأحزاب السياسية آنذاك وخاصة من قبل "اليسار الإسرائيلي" بمثابة مواطنين من الدرجة الثانية، حيث "طُلب منهم أن ينسوا تماما كل تاريخهم القديم الذي عاشوه في البلاد العربية".
تقول بنباسا: "سواء أكان الأمر في إسرائيل أو في الغرب؛ فإن يهود البلاد العربية وحتى بالنسبة لليهود القادمين من البلدان الإسلامية مثل إيران وتركيا كان ينظر إليهم باعتبارهم حاملين للثقافة العربية التي يجب أن يتخلوا عنها، وبالتالي تربى الشرقيون على عقدة النقص هذه طوال تاريخ الدولة الحديث، وكان يطلب منهم أكثر من غيرهم إثبات صدقهم ووفائهم وإخلاصهم للدولة أكثر من غيرهم.
وتمضي أستر بنباسا في بحثها عن أعماق الحقد والقتل الذي حدث في قطاع غزة في قاع تاريخ الدولة العبرية الحديثة، فتقول: "عاش يهود البلاد العربية والإسلامية سنوات وهم معذبون بكونهم يحملون هذا الإرث "العربي والإسلامي" الذي يجب أن يتخلصوا منه لكي يندمجوا في المخيال اليهودي الجديد الذي جعل من "الهولوكوست" مركزا للحياة اليهودية الجديدة باعتبارها وليدة تاريخ عذابات ويقظة صهيونية في نفس الوقت".
ومن أجل ربط هذا الحفر في تاريخ الدولة بما حدث في قطاع غزة، تقول بنباسا: "بقي اليهود الشرقيون في إسرائيل ينتظرون إلى غاية سنة 1977، عندما حقق اليمين الإسرائيلي بقيادة "مناحيم بيغين" أول انتصار في الانتخابات الإسرائيلية والتي قام على أثرها سنة 1984 بتأسيس أول حزب يهودي يميني "شاس" كانت غالبيته من اليهود الشرقيين (المغاربة بالأساس) ليجدوا أنفسهم فجأة في قلب السلطة وليكونوا رأس الحربة في عمليات الاستيطان في الأراضي الفلسطينية وفي الصفوف الأولى للهجمة الأخيرة على قطاع غزة".
إذن، وبحسب تفسير بنباسا، كانت دماء الأبرياء في قطاع غزة هي جزء من ثمن كان اليهود المتدينين الشرقيين يريدون دفعه لإثبات ولائهم لصهيونيتهم العميقة والمطلقة وسدًا لعوار عقدة النقص التي لازمتهم منذ تأسيس الدولة!!
«إسرائيل "المقدسة"»
من ناحية أخرى؛ فإن الفاجعة التي حدثت في قطاع غزة وجدت لها -بحسب أستر بنباسا- التغطية الإعلامية والثقافية اللازمة في عدد من البلدان الغربية التي يوجد بها تجمعات يهودية، فالأمر يتعلق بأمن إسرائيل ووجودها الذي أصبح عند يهود الشتات محددا لوجودهم ذاته، وهو الأمر الذي منح هذا الوجود قداسة في الضمير الجمعي ليهود الشتات.
وتقدم لنا بنباسا أمثلة على هذا الرباط المقدس بين إسرائيل ويهود الشتات، فتقول: "قبيل حرب الأيام الستة بأيام قليلة، وتحديدا يوم 2 حزيران 1967، نُشر مقال في جريدة "لوموند" الفرنسية وقعه جملة من المثقفين الفرنسيين اليهود، حيث قال "كلود لنزمان": "إذا دُمرَت إسرائيل فسيكون الأمر أخطر من "الهولوكوست" النازي؛ لأن إسرائيل هي حريتي، الأكيد أني مندمج في المجتمع الفرنسي ولكن بدون إسرائيل أنا أبدو عاريا".
ومن جهته قال عالم الاجتماع اليهودي الفرنسي الشهير "رامون آرون" أنه يخشى من مسح دولة إسرائيل مشبها ما يمكن أن يحدث بـ"التطهير العرقي المحتمل".
إضافة إلى هذا، فإن أمن إسرائيل وسلامتها أمر مقدس في المخيلة الفرنسية –الرسمية على الأقل– خاصة أن فرنسا مدينة بشعور عميق بالذنب تجاه اليهود، باعتبار أن جزءًا من عمليات الترحيل لليهود نحو المحرقة النازية انطلقت من أراضيها، ولتوضيح هذا الأمر أجرت الكاتبة استطلاعا للآراء في أوساط الجالية اليهودية الشابة في الولايات المتحدة –وإن كان لم يشمل المتدينين منهم بشكل واضح- أوضح أن نصف المستجوبين لا يعيرون أهمية كبيرة لإمكانية اندثار دولة إسرائيل، وتعليقا على هذه النتائج تقول بنباسا: "إن الاستطلاع ذاته إذا أجري في فرنسا؛ فإنه سيخلص إلى نتائج معاكسة تماما".
ثمة سؤال آخر يتعلق بالهوية اليهودية تطرحه "أستر بنباسا"، وهو: "هل كان بالإمكان بقاء العديد من اليهود يهودًا بعد "الهولوكوست" إذا لم تكن هناك دولة إسرائيل؟".. وقد أجابت عليه قائلة: "إسرائيل تحولت بالنسبة للعديد من التجمعات اليهودية في الشتات إلى "مقدس توراتي" ولا يخلو الأمر من مفارقة تطرحها الكاتبة وهي أن: "إسرائيل ذاتها تخلت عن توراتها وأنها تنحو إلى (الأسرلة) أو بمعنى آخر (العلمنة)، حيث تحولت التوراة بالنسبة للعديد من الأجيال الجديدة في إسرائيل إلى ما يشبه كتابا للتاريخ"!.

وتوضح بنباسا أن عملية "الرصاص المصبوب" ضد قطاع غزة تمت بدعم من قبل يهود الشتات عبر آليتين: الأولى هي استعمال تهمة "العداء للسامية" لكل ناقد... والثانية هي "التذكير بالهولوكوست" لكل الناس للفاجعة اليهودية، حيث تقول "بنباسا": الآلة الإسرائيلية تقدم نفسها على كونها (الضحية الأبدية) نتيجة الهولوكوست لتكتسب من وراء ذلك حصانة دائمة مقابل "الضحية اليومي" الفلسطيني الذي حولته الآلة الإعلامية الإسرائيلية وواقع الاحتلال إلى "قنابل بشرية" تنتحر بين المواطنين المدنيين الإسرائيليين ليتحول الجلاد (المحتل) إلى ضحية من جديد.
«دور الضحية»
وتقول بنباسا إن هناك عملية حسابية مختلة ومغلوطة في اللاوعي الإسرائيلي، وهي أن كل قتيل إسرائيلي سواء كان مواطنا أو جنديا هو ضحية تضاف إلى الستة ملايين يهودي الذين أحرقتهم غرف الغاز النازية"،أما التهمة الجاهزة (العداء للسامية)، فتؤكد "بنباسا" أنها استعملت إبان عملية "الرصاص المصبوب" على قطاع غزة، ومن المفارقات، على سبيل المثال، أن أحد المراكز اليهودية الأوروبية أشار إلى أن عمليات المعاداة للسامية ارتفعت إلى 300 بالمائة إبان الهجمة الإسرائيلية على قطاع غزة.
وتتساءل متعجبة: "إلى متى سيتواصل دعم يهود الشتات لهذه الدولة المدللة والمارقة والتي ترتكب كل الجرائم والحماقات.. ألا نتوقع أن يتخلى يهود الشتات عن المساندة غير المشروطة يوما ما؟".
وتضيف:"يهود الشتات" هم من يحتاجون إلى إسرائيل، بل إن إسرائيل هي التي تحتاج لهم بدعمهم الاقتصادي والأخلاقي، وإن كان من غير تصور وجود يهودي في الشتات بدون إسرائيل؛ فإن هذه الأخيرة لن تقوى على مواصلة وقوفها دون هذا المدد الذي يأتيها من الخارج".
وتواصل تساؤلاتها الغاضبة: "كيف ليهود عاش آباؤهم جرائم النازية والاضطهاد والقمع أن يقبلوا ممارسات مماثلة بحق جيرانهم الجدد من الفلسطينيين؟".
وتقول بنباسا: "اليهودي الذي كان على الدوام نصير الضعفاء والفقراء والأقليات، كيف له أن يضيع تلك الروح عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين الذين يجاورونه الآن؟".. وتواصل: "هل غيرتنا ولادة دولة إسرائيل إلى هذه الدرجة وجعلتنا ندير ظهورنا إلى الآخر وصنعت منا هياكل قومية منغلقة في بالون تساند قضية واحدة هي الدفاع عن إسرائيل؟!".
وتجيب: "من دون شك ساهمت (الهولوكوست) في هذا التطور المؤسف أمام بقية العالم، بالرغم من أنه كان من المفروض بعد تجربة اليهود لكارثة "الهولوكوست" بالذات أن يتصدوا للأفعال الوحشية التي قد يرتكبها الإنسان بأخيه الإنسان"، وتستطرد بسخرية: "لكن هل بإمكان إسرائيل اليوم أن تقدم دروسا في الإنسانية بعد غزة؟".
ربما ما يلخص هذا الغضب هو دعوة " بنباسا" إلى "طريق يهودي آخر"، حيث تقول: "الاستعداء الإسرائيلي على الفلسطينيين لم يبدأ بغزة، ولكن شيئا ما قد تغير هنا بعد غزة، وأصبحت بمقتضاه الخطوط الفاصلة بين ما يجب أن يحمله اليهودي في تاريخه والذي من المفترض أن يرفضه حتى تبقى يهوديته تحمل نظرة إنسانية للعالم غير واضحة".
ختاما؛ فان حيرة بنباسا تظهر في تساؤلها التالي: "كيف يمكن أن نجد لنا طريقا يهوديا آخر أمام يهودية دولة إسرائيل والتي تدعي الأخلاقية الأبدية؟".. وتقول مستطردة: "بعد غزة، هناك جدار كبير انتصب بين يهود الشتات ومحيطهم الذي يعيشون فيه ولم يعد تبرير ما تقوم به إسرائيل ممكنا

القدس

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات