بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> شؤون اسرائيلية  >>
حظائر الأبقار فوق جثث الموتى الفلسطينيين في إسرائيل
  29/06/2009

إيلاف" في "البروة" المهجرة وعائلة محمود درويش تروي المشهد
حظائر الأبقار فوق جثث الموتى الفلسطينيين في إسرائيل

غادة أسعد من الناصرة: مشهدٌ تراجيدي جديد يسجله الفلسطينيون في ذاكرتهم، يومَ أيدت المحكمة الإسرائيلية مؤخرًا، مستوطني (أحيهود)، وسمحت لهم بإقامة حظائر للبقر فوق قبور عائلة الشاعر الفلسطيني الراحل درويش" في قرية البروة المهجّر أهلها.
تبعد البروة مسافة 10 كيلومترًا عن مدينة عكا الجليلية، وبلغ عدد سكانها عشية التهجير حوالي الـ 1700 نسمة، حيث لجأ أهلها الى قرية جدّيدة- المكر القريبة، واليوم يبلغ عددهم نحو 6000 لاجئ، بينما هناك الافٌ مؤلفة من القرية يعيشون في الشتات.
وفي حين هُدمت مدرسة القرية والجامع والكنيسة في العام 1950، بقيت المقابر الاسلامية والمسيحية تنغّص على المستوطنين استقرارهم، حتى بدأت سلسلة التضييقات على زوار القرية من الفلسطينيين، وجلهم من أبنائها الأصليين، وعندما تطاول المستوطنون على حرمة المقابر، وعاثت الأبقار في المكان خرابًا، شُكّلت لجنة شعبية لأهالي البروة، ولجأوا لمؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية، فتقدموا بشكوى الى النيابة العامة، وتحولت قضيتهم الى المحاكم، وأخيرًا جاءَ القرار ليطال مقابر عائلة درويش تحديدًا، وقبران تابعان لعائلة عيد.
للوقوف على هذا المشهد الإنساني غير العابر، زارت مراسلة "ايلاف" عائلة درويش وعيد، حيث التقت بعائلة الشاعر محمود درويش، والتقت ايضًا بنزار عيد رئيس اللجنة الشعبية لمهجري البروة، وخلال اللقاء أظهر المتحدثون معاناة الفلسطينيين كجزءٍ من مسلسلٍ لا تنتهي حلقاته.
الأديب أحمد درويش: "مهمتنا الأكثر إلحاحًا اليوم، تذويت روايتنا الشفهية"
يقول الأديب أحمد درويش: "لا استغرب السماح لأبقار المستوطنين بالتجول فوق قبور آبائنا وأجدادنا، فقد اعتادت مديرية دائرة أراضي اسرائيل سلب أرضنا بطريقةٍ او بأخرى، على اعتبار أنها أملاك لاجئين، وبعد أن سكن مستطنون احيهود مداخل القرية، زحفوا نحو الشرق أكثر، ليقيموا مزارع الأبقار فوق أشلاء موتانا".
ويتابع: "أنا شخصيًا كنتُ واعٍ لمعالم البروة، هنا بيتنا (دار درويش) و(دار سعد)، خارطة القرية ما زالت في ذهني، معالم حيّة ناطقة. ولا زلنا على العهد، نزور المكان، ونصلي على أرواح الأهل، ونستكشف ونكشف تاريخ الآباء والأجداد، فكل فلسطيني دفن في الأرض، له حكاية فصولها يُكوِّن قاموس فلسطين بكامله... أما الغرابة في الأمر بأنهم يعتقدون أنّ محو قبورنا ونسف معالمنا، سيمحو التاريخ، ويطوي صفحات الذاكرة الجماعية، لكنني أراهن على الأجيال الشابة، التي تفوق الكبار انتماءًا وحرصنا على المكان".
يواصل درويش حديثه: "المفارقة الأصعب هي بالنسبة للأحياء مِنا، لنا نحن المقيمون في الجديدة، والبروة لا تبعد عنا سوى كيلو متر واحد... البروة التي تقف في خاصرة الجدّيدة-المكر، يُسجَل أبناؤها كلاجئين في الوطن- بحسب قانون الحاضر غائب- الذي سنتهُ اسرائيل. هذا القانون الذي يحرم الإنسان في حالة حرب من حقه "الشعور بالوجع" و"الخوف" و"البحث عن مأمن"، ومَن مِنا لا يعرف ان الخوف صفة انسانية وحق الهارب في وقت الحرب ان يعود الى دياره وفق اتفاقية جنيف الدولية، لكن سخرية القدر، حكمت أن يلتقي القانون واسرائيل فقط في المصالح اليهودية".
وتابع درويش حديثه بمرارة: "اشتريتُ قارورة زهور من عكا، وأغلب الظن انها تحمل تراب البروة، وهذه القوارير الأخرى، المليئة بالزيت الصافي، قد تكون من زيتونات البروة، أليسَ كذلك؟! ألا تعتقدين أنّ هذا التراب في القوارير ليست من تراب البروة؟!!، وهل يستحيل على اسرائيل التي أوقفت الدنيا ولم تقعدها أن لا تفعل هذا الأمر معنا؟! إنها مفارقات رهيبة وغريبة".
بدت علامات الوجع ظاهرة على ملامح درويش وهو يقول: "أنا متأكدٌ أنّ هناك مخطط لإزالة كافة الآثار البشرية المرتبطة بالوجود العربي في القرى المهجّرة، فتراهم يزرعون الصبّار والتين والزيتون، كما فعل الأجداد، ليسرقوا حتى التراث الفلسطيني منا".
ويأخذه الخيال الى أرض البروة فيتسائل درويش: "لماذا خرجنا من البروة؟! وتركنا الزيتونات وحدها؟! كيف لم نختبئ تحت ظلالها؟! من المؤكد اننا نفعل ذلك عندما نكون شعبًا بدون قيادة، وننتظر الجيوش العربية المنقذة فلا تسعفنا، ونتسلح دون انتظام، أما الجهل فقد استفحل في بعض العقليات مِنا، فأخبرونا ان القضية ستأخذ أيام وتعود المياه الى مجاريها، ونعود نحن الى ديارنا، لكن الغياب طال، صار مستحيلاً... كم رددتُ مع القائلين "سنعود قريبًا"، عندما كنتُ وأهلي في بلدة جزين اللبنانية، قبل أن نتسلل عائدين الى الوطن".
وأردف درويش: "عندما توفي شقيقي محمود، طالبونا ان نتواصل مع دائرة اراضي اسرائيل، لندفن حبيبنا في البروة، لكننا لم نتقدم بالطلب، فالجواب قرأناه من العنوان... وفضلنا ان يُدفن شاعرنا في رام الله لا في قرية الجدّيدة، لأنه غريبًا عاش، وغريبًا مات، وغريبًا دُفن، لا فرق بين المكانين في الموت، إذ يظل الغريب غريبًا!، إن لم يحضنه صدر امه، إن لم تستقبله (بروته)".
سألته: ولماذا يجب أن تأخذ مسألة القبور، هذا الاهتمام؟!
"لأن القبور جزءًا من التاريخ ومن الذاكرة الجماعية ومن الارتباط بالمكان، لذا هناك حاجة للقيام بثلاثة امور مستعجلة: اولاً يجب تذويت الرواية الشفهية وأرشفتها، وثانيًا يجب تكثيف الزيارات للبلدات المهجرة، وثالثًا على الاعلاميين ان يتحملوا مسؤوليتهم، فالمطلوب إثارة الضجة حول مسألة القبور، ومثلما جاء في الحديث النبوي الشريف: ذلك أضعف الإيمان".
نزار عيد: "لن نرضى بنبش القبور، مهمًا كان السبب"
نزار عيد، لاجئٌ ابنُ لاجئ في وطنه، وهو ايضًا ممثل اللجنة الشعبية للدفاع عن مقابر البروة، فمنذ عامٍ ونصف وهو يحمل ملفاته التي فيها كافة الصور والشهادات الحيّة، على حقيقة وجود أموات تحت هذه الحجارة التي تسمى قبور، ولم تفلح محاولاته ولا حتى استغاثته بخبير تصوير جوي، لإثبات وجود المقابر، وفوق ذلك لم يُسمح لخبير التاريخ الدكتور مصطفى كبها، أن يقرأ شهادته أمام المحكمة، إذ ما يَهُم القضاة إثبات أنّ تحت الأرضِ أمواتٌ، وهذا الأمر مرفوضًا وفق الشريعة الاسلامية، لذا صدر القرار بشرعية القبور المسيحية، وثلاث مقابر اسلامية، أما المقبرة الغربية التي فيها عائلة درويش وعيد، فقد مُنحت للأبقار حرية الحركة والتصرف، أما الأموات وعائلاتهم فلا كلام لهم عن حقٍ في المكان بعد اليوم...
سألته: ماذا بعد؟! فأجاب: "الحكم صَدَر، لكننا سنحافظ على البقية الباقية من قبورنا وأراضينا، كُنا نأمل من المحكمة أن تسير وفق القانون وأن تسمع لشهاداتِ أبناء البروة، ثم إنّ الصغير قبل الكبير يعرف الحقيقة كاملةً، السؤال هو ما موقف وزارة الأديان؟! وهل يصدر حكمٌ كهذا بحق مقابر اليهود؟! وهل يسمح العرب لأنفسنا بالمس بهذه القبور؟! لم ولن يحدث"...
وتابع عيد: "أنا متأكد أن اختيار قبور عائلة درويش لم يأتِ عبثًا أو صدفة، بل جاء بهدف إهانتها بهذا الشكل، فلطالما أعرب اريئيل شارون أيامَ سلطته عن اعجابه بقصائد محمود درويش، واستغرابه لقدرة درويش على التغني بالأرض وحبها والحث على التمسك بها... كثيرون من الأدباء والمطالعين اليهود يعرفون قيمة "شاعر الوطن الفلسطيني"، ويعرفون مكانته بين أبناءشعبه وفي العالم العربي، حتى أنّ شارون تمنى لو وُجِدَ مَن يضاهيه من الشعراء اليهود... من أجل كلِ هذا أنا واثق أنهم يريدون ضرب رموز الشعب الفلسطيني، ويريدون المس بمشاعر الفلسطيني وإهانة ماضيه وحاضره".
أضاف عيد: "كما عرّفني والدي على بيت العائلة وعلى البيدر والبئر والأرض، وعشق العنب الرمان والتين والزعتر، كذا الحال بيني وبين أبنائي، زرعتُ فيهم حب الوطن، وعشق تراب البروة.. هنا بيتنا الحقيقي، هنا أول بيتٍ لنا، هنا انتكبنا ونُكبنا، ومن هنا سنحفظ الذاكرة الجماعية، وننقلها الى الجيل القادم، لقد راهنوا على انتماءًا لعروبتنا، لكننا صمدنا، وحفظنا الرواية عن ظهر قلب، ودونناها في أعماق قلوبنا".
صبحية العيد: "تقتلني الحسرة كلما رأيتُ ما حلّ بديارنا"
الحاجة صبحية فضيل العيد (71 عامًا)، تحتفظ بذاكرة قوية، وبعشقٍ لا ينتهي الى بيت الأهل في البروة، عن بعض الذكريات تتحدث ام طارق: "توفيت امي وانا صغيرة، لا أعي شيئًا، كانت بنات عمي يمسكنَ بي من يدي ويأخذنني معهن الى البئر العمومية، فينتشلن الماء، ثم يطلبن مني أن أروي قبر أمي بالماء، كي ترتوي مِن يدي... وصارَ صبّ الماء فوق قبر امي واجبٌ يومي أقوم بِهِ كلما مررتُ من المكان...
شاءَ الدهرُ أن نُفارق المكان، وكنتُ يوم الهجيج في الثامنة من عمري، وبعد نحوِ أربع سنوات، ذهبتُ بصحبة الحاجة العجوز ام علي، فسألتني: "هل تذكرين قبر والدتك؟!" فأخذتُ أسرح في المكان، فتذكرت المعالم بتفاصيلها، لمستُ قبر جدي الذي دفن في الحاكورة، وبجانبه ابنة اخت التي أوصت أهلي بدفنها الى جانب والدها، تذكرتُ شجيرات الرمان والصبر، وقبر عمتي ايضًا...
واضطرب قلبُ ام طارق، كما لو أنها ترى قبر الوالدة للمرة الأولى، فتقول: "تذكرتُ قبر امي، لمستُ بيدي، وحضنتُ التراب من فوقها... وصِرنا نزور المكان كلما اشتقنا للأحبة".
تتابع الحاجّة ام طارق: "تزوجت في قرية الجدّيدة، ولم تتوقف زيارتي للبروة، وأصبح أبنائي وزوجي رفاقي في المسير الى قريتي، كنا نشتاقُ كثيرًا الى المكان، فنزوره، ونقتطف من هناك باقات الزعتر، حتى دُمرت البيوت بالكامل، وعندما رأيتُ بيت أهلي مدمرًا عن بكرة أبيه بكيتُ فوق المكان وانطلق لساني بأبيات العتابا:
"بلدنا العالية ام الشبابيكِ هدوها وانهدوا الشبابيكِ
ساق الله ترجع شبابِك ويرجع الزمان اللي مضى"
"بلدنا العالية ام اللواوين هدوها وتا هدوا اللواوين
يا ربي ترجع اصحاب الدواوين ونرجع ع الزمان اللي مضى"
تتوقف وتقول: "كان والدي رحمه الله يقيم ديوان للرجال، يلتقون فيه ويحتسون القهوة السادة، ويحكون حُلوَ الكلام"...
ثم بكت ام طارق... بحرقة... وقالت: "رغم أنني وصلتُ الى السبعين من عمري، الا انني احتفظتُ بصحةٍ أحمد الله أنها كانت على ما يُرام، لم أمرض الا عندما رأيتُ حالَ البروة، منظر تقشعر له الأبدان، أرى أهلنا طمسوا تحت التراب، مَن يرى الحال اليوم في البروة، لن يصدق انه كانت هناك قبور... من شدة حزني لم تطأ قدماي هذه السنة أرض الأهل، أتحسر على فراق أحبتي وعلى قبورهم التي أهينت بهذا الشكل".
تابعت ام طارق: "إنها جريمة لا تغتفر... فهل يُعقل أن يقام فوق قبور اهلنا الذين اعتدنا على زيارتهم منذ ستين سنة، أن نرى "المواشي والبقر ترتع فوقها؟!"، هل يعقل أن تطمس معالم المكان بأحجار الكركار، لتختفي كل معالمنا عن سطح الأرض؟!...".
وتختم ام طارق حديثها بالتوعُد على الظالمين فقالت: "يا ويلهم من الله... ظلمونا حكام اسرائيل!!!".
وكان لقاؤنا الأخير مع الوالد محمد العيد (مواليد عام 1934)، وهو أحد الذين أدلوا بشهادة مكتوبة، بأنه كان شاهدًا على إقامة القبور في قرية البروة قبل عام التهجير 1948، وهو يشير أنه كان حاضرًا ومشاركًا في جنازة والدته التي توفيت عام (1943).
ويؤكد أبو نزار أنه عاشَ فترة جميلة في قرية البروة، حيث تعلّم حتى الصف الرابع في مدرسة القرية، واستكمل تعليمه سنة اضافية في الصف الخامس في قرية كفر ياسيف المجاورة...
ابو نزار ورغم أنّ الكِبَر أخذ منه الكثير من الحيوية إلا انه ما زال يحتفظ ببعض الذكريات التي تُنسى، فهو يُسمي البروة "سُكّرة الجليل"، لأنها كانت مركزًا تجاريًا هامًا، يربط الشاغور بكافة مناطق الجليل، اعتمد الاهل على الزراعة، وكان وضعهم الاجمالي على ما يرام...
ويعترف أبو نزار بأنه لم يذق راحة البال منذ أن رحل عن دياره... وهو الذي قادته رجلاه الى مدينة حلب ليقضي هو وبعض الرجال نحو شهرين، ليعودوا متسللين الى الوطن، وليسكن هو في قرية كابول الجليلية...
حزينًا بدى هذا الرجل الذي عايش النكبة وذاق الجراح... ولوّعته قصص الموتى والراحلين... لكنه اليومَ حزين أكثر لانتهاك قبور الموتى... كما حزن قبل فترةٍ وجيزة لاقتلاع شجيرات السرو، وارفة الظلال، التي كان يحتمي الاحفاد تحت أفيائها، هاربين من حر الصيف وأمطار الشتاء.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات