بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> شؤون اسرائيلية  >>
مبالغات الإسرائيليين تعكس عدم يقينهم
  29/06/2009

مبالغات الإسرائيليين تعكس عدم يقينهم
نصر شمالي
يتميّز الخطاب الإسرائيلي باستناده إلى الأساطير التي تشكّل ركنه الأساسي، فهم حسب الأساطير قبائل "يهوه"، أو "شعبه" المختار الخاص، وهو إلههم وحاميهم وراعيهم من دون سائر الأمم والأجناس "الوضيعة"، وقد أعطاهم "أرض الميعاد" لكنّها لم تعد تقتصر على فلسطين وحدها بل صارت تشمل كوكب الأرض بمجمله، كما يؤكّد اليهود الجدد الأنكلوسكسون اللوثريون! وبما أنّ الأساطير التي ينهض الخطاب الإسرائيلي عليها وحدها تتّسم عموماً بالمبالغات فقد اتّسم الخطاب الإسرائيلي بدوره بالمبالغات، الأمر الذي ترتّبت عليه نتيجتان سلبيتان: الأولى إفقاد الأسطورة والقصص الموغلة في القدم قيمتها، كقصص قديمة معبّرة وكأمثال يهتمّ ويستمتع بمطالعتها جميع الناس، حيث هي تروى ولا يعمل بها، مثل الإلياذة اليونانية وغيرها! والثاني تحويلها إلى برنامج سياسي معاصر، أي إلى كابوس مرعب يريد فرض نفسه على الحياة المعاصرة الواقعية! ولنا أن نتخيّل آلهة اليونان وقد احتشدوا اليوم في الأولمب لإدارة شؤون العالم الواقعية!
إنّ العرب خصوصاً وأمم العالم عموماً تعاني من مبالغات الإسرائيليين في أقوالهم وأفعالهم الإرهابية الشاذّة، المتطرّفة أشدّ التطرّف والمستندة إلى الأساطير، وهي معاناة سوف تمضي وتنتهي بفظائعها كلّها سواءً أطال الوقت أم قصر، أمّا المأساة الكبرى فهي تلك المتعلّقة بأوضاع اليهود في المستقبل، لأنّهم وحدهم من سيجني الثّمار السّامة لهذا الجنون الصهيوني، الذي يشجّعه ويرعاه المستعمرون الأنكلوسكسون اللوثريون بخاصة، وما علينا للتأكّد من ذلك سوى تصوّر نتانياهو وهو يلقي خطابه الأخير في ظروف مختلفة عاديّة وطبيعية، من دون حماية ورعاية وتشجيع الأنكلو سكسون في الولايات المتحدة وبريطانيا، فهو لن يتلقّى قطعاً على مثل هذا الخطاب سوى الاستخفاف والاحتقار، والزّجر وإدارة الظهر!
لكنّ الأهمّ هو أنّ الإسرائيليين يعرفون بطلان مرتكزاتهم ومستنداتهم الأسطورية الخرافية، غير المفهومة وغير القابلة للنقاش، فهاهم رعاعهم في الولايات المتحدة وفي فلسطين المحتلة يدعون إلى إبادة العرب والمسلمين واستئصالهم من جذورهم، فتأتي مبالغاتهم المسعورة معبّرة عن مأزقهم وعدم يقينهم بجدوى ما يقولون وما يفعلون، والذي ما كانوا ليقولونه ويفعلونه لولا رعاية واشنطن ولندن وبقية عواصم الغرب لهم، وبالطبع لا يختلف خطاب نتانياهو الأخير عن خطابات أمثاله من الضباع الصغار!
لقد بلغ المأزق وانعدام اليقين ذروته في سبعينيات القرن الماضي، عندما طالع العالم دراسات المفكّر والعالم الصهيوني اليهودي آرثر كوستلر "1905- 1976" الذي توصّل في أبحاثه إلى ما يلي: "إنّ الغالبية العظمى من اليهود الباقين في العالم اليوم هم من أصل أوروبي شرقي، ومن ثمّ من أصل خزري، فأسلافهم لم يأتوا من وادي الأردن بل من الفولغا، ولم ينحدروا من كنعان بل من القوقاز، ويصير من المعتقد أنّهم من الجنس الآري، وأنّهم أوثق انتماءً وراثيّاً إلى قبائل الهون والبوجر والمجر منهم إلى ذرّية إبراهيم وإسحق ويعقوب،وإذا صارت القضية على هذا النحو ألا يصير مصطلح معاداة السامية خاوياً من المعنى؟"!
يشرح كوستلر: "لقد قمت بتجميع الأدلّة التاريخية التي تثبت أنّ الأغلبية العظمى من يهود العالم هي من أصل خزري وليست من أصل ساميّ، حيث الدلائل المعروضة تدعم الحجّة القويّة التي قدّمها المؤرّخون المحدثون، النمساويون والإسرائيليون والبولنديون، الذين أثبتوا مع استقلالهم عن بعضهم أنّ الغالبية العظمى من اليهود المعاصرين ليسوا من أصل فلسطيني بل من أصل قوقازي، وأنّ التيار الرئيسي للهجرات اليهودية لم ينبثق منطلقاً من حوض المتوسط متجهاً عبر فرنسا وألمانيا نحو الشرق ثمّ عائداً أدراجه ثانية، لكنّه تحرّك في اتجاه ثابت ودائم نحو الغرب، بادئاً من القوقاز عابراً أوكرانيا إلى بولندا، ومنها إلى وسط أوروبا"!
بعد هذا الاكتشاف الخطير الذي يحرم الإسرائيليين الغربيين "الأشكينازيم" من صلتهم بالأسطورة القديمة، لم يلق كوستلر بالاً لانهيار الدعاوى العرقية والتاريخية، ولا رأى وهو العلماني ما يستوجب أيّ تعديل مهما كان طفيفاً في المواقف الداعمة للكيان الإسرائيلي، فقد قال: "رغم أنّ هذا الكتاب " يقصد كتابه: "إمبراطورية الخزر وميراثها"" يدرس التاريخ الماضي فلا مفرّ من أن يحمل تضمينات تنسحب على الحاضر والمستقبل، وأنا أعي الخطر المتمثّل في أن يساء فهمه وبخبث، باعتباره إنكاراً لحقّ دولة إسرائيل في الوجود، لكنّ هذا الحقّ لا يستند إلى الأصول المحتملة للشعب اليهودي، ولا إلى الميثاق الأسطوري بين إبراهيم ويهوه، بل يستند إلى القانون الدولي، أي إلى قرار هيئة الأمم لعام 1947، القاضي بتقسيم فلسطين التي كانت ولاية تركية ثمّ صارت إقليماً خاضعاً للانتداب البريطاني، وأيّاً كانت الأصول العرقية للمواطنين الإسرائيليين، وأيّاً كانت أوهامهم عنها، فإنّ دولتهم قائمة فعلاً وقانوناً، وسواء حملت كروموزومات شعبها جيّنات من أصل خزري أو ساميّ أو رومانيّ أو إسبانيّ فإنّه أمر لا صلة له بالموضوع ولا يمكن أن يؤثّر في حقّ إسرائيل في البقاء، ولا في الالتزام الأدبي لأيّ شخص متحضّر يهوديّاً كان أو غير يهوديّ بالدفاع عن هذا الحقّ، ولا شأن لمسألة الوجود الخزري منذ ألف عام، مهما كان سحرها،بإسرائيل الحديثة"!
إنّ ولاء كوستلر للكيان الإسرائيلي لم يكن كافياً للحيلولة دون موته وزوجته في ظروف غامضة عام 1976، حيث قيل أنّهما وجدا في منزلهما منتحرين! وأيّاً كان الأمر فقد وجّهت اكتشافات كوستلر ضربة قويّة للركن الأساسي الأسطوري الذي ينهض عليه الخطاب الإسرائيلي والذي يبرّر الجرائم الإسرائيلية الشنيعة ضدّ الشعب الفلسطيني، فقد أفقد كوستلر المبالغات ما يمكن أن يبرّرها من وجهة نظر اليهود الصهاينة على الأقلّ، وفي المقابل فإنّ ما قدّمه كوستلر كتبرير معاصر، وهو قرار هيئة الأمم عام 1947، لا يمكن الاعتماد عليه بالطبع، لأنّ الأقوال والأفعال الإسرائيلية لا تقيم أيّ وزن للهيئة الدولية، بل تحتقرها وتحاربها، وهكذا فقد ازداد المأزق الإسرائيلي عمقاً وتعقيداً بسبب اكتشافات كوستلر وأمثاله، وهاهو نتانياهو، هذا الخزري الأشكينازي، يتمادى في المبالغات، متشبّثاً أكثر بالخرافات، وملحّاً على النقاء العرقي اليهودي للكيان الإسرائيلي، مع أنّه كقيادي من القلائل الذين يعانون عن معرفة من عدم اليقين!.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات