بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> شؤون اسرائيلية  >>
نتنياهو على شفا الهاوية
  15/06/2009

نتنياهو على شفا الهاوية

يوسي فيرتر
قبل أربعين عاما, وفيما كان يقود قوة من «سييرت متكال» على سبيل في مهمة سرية, وصل الضابط الشاب بنيامين نتنياهو إلى طريق مسدود: أمامه, على السبيل, انتصبت صخرة هائلة يصعب اجتيازها, سدت طريق القوة وفي جانبها الأيمن هوة عميقة. لم يكن بالوسع تسلق الصخرة أو المرور تحتها. ولم يكن أمامهم من خيار سوى الاستدارة والعودة للقاعدة من دون تنفيذ المهمة. غير أن نتنياهو اختار احتمالا آخر: فقد تعلق بأطراف الصخرة الهائلة معلقا بين السماء والأرض, قبل سنوات من تجذر تعبير «إكستريم» في بلادنا, وشق طريقه إلى الجانب الآخر من الصخرة.
ويكثر نتنياهو من رواية هذه الحكاية لأصدقائه. وعشية تشكيل الحكومة, بعد أن نال إيهود باراك موافقة حزبه على الانضمام إليها, تخيل نتنياهو المقامرة الكبرى التي أخذها, عندما وضع رهانه الأخير على باراك, بنيامين بن أليعزر وعوفر عيني, على القرار ذاته الذي اتخذه بالسير في هذا الطريق.
فهل خطابه في بار إيلان مطلع الأسبوع المقبل, هو الصخرة على طريقه السياسي؟ كيف سيتصرف نتنياهو هذه المرة, وهو في الستين من عمره, أكثر حذرا وأقل شجاعة ومشبع بالإخفاقات الشخصية والفشل السياسي؟ فهل سيعود على أعقابه حاسر الرأس إلى ائتلافه, أم سيتصرف كضابط في الـ«سييرت», يتجاهل الهوة تحته, يكتم مخاوفه, ولا يخشى قول الكلمتين اللتين قالهما كل أسلافه في العقدين الماضيين (عدا اسحق شامير): دولة فلسطينية. فإذا قالهما, فإن خطاب بار إيلان سوف يغدو الحدث التأسيسي لحكومته. خيرا أم شرا, تبعاً للمراقب.
وفي حديث خاص جرى هذا الأسبوع, اختار إيهود باراك وصف نتنياهو بأنه من «ينبغي له أن يجتاز هوة عميقة» في خطابه مساء يوم الأحد. ومن الجائز أن باراك يعرف الحكاية. من الجائز أنه كان في الجهة الثانية من خط الاتصال عندما اتخذ نتنياهو قراره. في هذه الأيام يطفح باراك بالكثير من التعاطف مع نتنياهو. وهو يتحدث عنه بلهجة رقيقة ومتفهمة, بعيدة جدا عن الأسلوب المهين الذي كان يتحدث به عنه في الأيام التي كان فيها زعيما للمعارضة ونتنياهو رئيسا للحكومة.
قال باراك لرفاقه, «انظروا, إنه يعيش معضلة بالغة الصعوبة تلزمه بحسم حقيقي. والأمر ليس بسيطاً لبيبي». وطلب باراك من وزرائه ومن أعضاء الكنيست القلائل الذين لا يزالون يصغون لكلامه, أن يأخذوا وضع نتنياهو بالحسبان وأن لا يهاجموه, أن لا يخيفوه, وأن لا يهددوه, وأن يتحدثوا في وسائل الإعلام بروح معتدلة: والإعراب عن الأمل بأن يسير نتنياهو في درب خريطة الطريق, وحل الدولتين, وأن يعربوا عن تفهمهم أيضا لوضعه. ولباراك مصلحة هائلة في هذا الخطاب. وهو يشبه المستثمر الذي وضع كل ماله في سهم اسمه نتنياهو, على أمل أن يعود عليه هذا السهم بأرباح يستطيع أن يعرضها على مجلس الإدارة في الشركة التي يقودها, وهم أعضاء مؤتمر الحزب الذي سيعقد بعد حوالى عشرة أيام للمصادقة على صيغة مشروع الدستور الرئاسي الذي دعا إليه.
ويمكن من هنا الإبحار نحو التوقعات, ورسم سيناريوهات إلى أبعد مدى, حول ما سيحدث إذا قال نتنياهو كذا وماذا سيحدث إن قال العكس. والواضح هو أن نتنياهو وصل إلى لحظة الحقيقة. لقد بنى توقعات بعيدة المدى حول خطابه, عندما أبلغ عنه سلفا قبل أسبوع من إلقائه, في اجتماع الحكومة. كما أنه اتصل بالرئيس أوباما وأعطاه إشعارا مسبقا. والواقع أنك لا تزعج رئيس الولايات المتحدة, وبالتأكيد ليس باراك أوباما, إذا كنت تقصد أن تلقي خطابا فارغا, مليئا بالألاعيب, الشروط, التحفظات والالتواءات.
وبتأخير شهرين وبعد تجربة غير سهلة في الغرفة البيضاوية, يبدو أن نتنياهو فهم أن عليه رسم الطريق, والقيادة من أجل الخروج من الحفر. ومن الجائز أنه الآن فقط أدرك أنه رئيس حكومة, وأنه لا يستطيع الاختفاء أكثر من ذلك خلف الكليشيهات التي سار بها نحو الانتخابات (ونال وفقها مقعدا واحدا أقل من كديما).
وقد تذكر أحد أعضاء حكومة شارون هذا الأسبوع اجتماع الحكومة في 24 أيار 2003, الذي تم فيه تصديق خريطة الطريق, والتي تقرر فيها أن إسرائيل تعترف بأن دولة فلسطينية ستنشأ في نهاية المطاف. وقد أثار في حينه وزير المالية بنيامين نتنياهو دراما مثيرة في الجلسة. فقد احتار, تردد, تلوى, هدد بالتصويت ضد خريطة الطريق وفي النهاية امتنع عن التصويت.
وفي حينه توجه إليه المرحوم تومي لبيد وقال له: «بيبي, دوما عندما تريد التصويت ضد تنظر حولك وتتأكد أنك للأسف لا تملك أغلبية وأن القرار سوف يتخذ رغم موقفك. في يوم من الأيام ستحدث لك كارثة. أنت ستخطئ في التعداد, وموقفك سيعتمد رغماً عن إرادتك».
وهذا بالضبط ما يحدث لنتياهو اليوم بعد ست سنوات, الكارثة التي تحدث عنها لبيد, ولكن بأبعاد أخرى: إنه رئيس الحكومة. وليس هناك من يركن إليه كما ليس هناك من يمكن أن يختبئ خلفه. موقفه هو المقرر, وكقاعدة فإن موقفه هو الذي ينال الأغلبية أيضاً رغماً عنه.
ليس من التوراة
اجتمعت يوم الاثنين كتلة الليكود في الكنيست بشكل اعتيادي. غير أنه بشكل غير اعتيادي حظر ديوان رئاسة الحكومة الإجراء المعهود بالتقاط صورة تقليدية لرئيس الحكومة مع أعضاء الكتلة في مستهل الاجتماع. وطلب مساعدو نتنياهو إبعاده عن وسائل الإعلام وعزله, كما لو أنه مصاب بانفلونزا الخنازير. وليس من الجلي حتى الآن ما كانوا يخشونه: أن يفلت لسانه, أو أن يستغل أحد أعضاء الكنيست وجود الكاميرات ليجعل من نفسه بطلاً.
وفي الاجتماع أبلغ نتنياهو أعضاء الكنيست بما كانوا يعلمونه: أنه ينوي إلقاء خطاب سياسي يوم الأحد. وجامل نتنياهو أعضاء الكنيست هؤلاء وقال: «يهمني الاجتماع مع أكبر عدد ممكن منكم للاستماع إلى مواقفكم». ردت ميري ريغف بسؤال: «سيدي رئيس الحكومة, هل وجهتك محددة؟».
رد نتنياهو بسخرية غير معهودة: «أنا بانتظار ملاحظاتك». استذكر المخضرمون في الكتلة أرييل شارون الذي طور السخرية هذه لمستوى الفن. فالحوارات التي أجراها شارون مع معارضيه بين أعضاء الليكود في فترة خطة الفصل, قبلها وبعدها, كانت بمستوى لاذع وساخر, لم يسبق له مثيل حتى في مئة حلقة من المسلسل التلفزيوني الساخر «بوليشوك».
فهل بيبي في الطريق إلى هناك أيضا؟ ومن المؤكد أن الشيطنة المصقولة التي كان يتمتع بها شارون لن تتملك نتنياهو أبدا. والسؤال هو إذا كان سيقول يوم الأحد, بطريقته وأسلوبه, أن «الأمور التي تراها من هناك لا تراها من هنا».
وفي ليلة يوم الأربعاء أوفى نتنياهو بوعده واستضاف أعضاء الكنيست من الليكود «للتشاور». وأوضحت تسيبي حوطبولي, التي لا تضاهي ثقتها بنفسها إلا الثقة بالنفس لدى غيلا غمليئيلي من الكنيست ما قبل الأخيرة, له في خطاب طويل أن حق الشعب اليهودي في أرضه تنبع من التوراة. نظر إليها نتنياهو ولم يعرف إن كان عليه أن يبكي أم يضحك. قال لها: «لا جدال حول حقنا على هذه الأرض, ولكن في هذه الأرض يوجد فلسطينيون. ماذا ستفعلين بهم؟ ما هي مكانتهم؟ هل هم رعايا؟ هل هم مواطنون؟ كيف ترين التسوية النهائية المستقبلية؟».
لم ترد حوطبولي. ربما أن التوراة لم تأت على ذكر التسوية النهائية. ومن بين كل أعضاء الكنيست الذين شاركوا في الجلسة, كان حاييم كاتس الأكثر اعتدالا. وقال لنتنياهو بسخاء: «بالنسبة للخطاب, أترك لك الصياغات». أما عند حوطبولي فإن هذا لن يحدث أبدا. أن يصوغ نتنياهو بنفسه خطابه؟!
لقد أوضح هذا اللقاء لنتنياهو ما كان يعرفه سلفا: عبارة «دولتان لشعبين» لن تمر في الليكود. وستنشئ له مشاكل, وليس معلوما إذا كيف سيتصرف أمثال بيني بيغن. فقد سبق له أن استقال من حكومة نتنياهو الأولى في كانون الثاني 1997, بسبب اتفاق الخليل. كما أنه ترك الليكود في تشرين الأول 1998, بعد أن وقع نتنياهو على اتفاقية واي بلانتيشن. وإذا ترك بيغن الليكود مرة أخرى, فإن هذا سيكون الحدث الأول الأهم في الليكود وفي الحكومة, خلال أقل من ثلاثة شهور على تشكيلها.
وتولد انطباع لدى بعض من تحدثوا مؤخرا إلى بيغن أنه يدرك مقدار أهمية العلاقات الاستراتيجية الأميركية لإسرائيل, وأنه ينوي منح نتنياهو هامش مناورة. ومن جهة أخرى, ظهر بني بيغن يوم أمس الأول أمام هيئة مؤسسي الليكود, وهي الجناح الأشد يمينية ودوغمائية في هذا الحزب, وأوضح بشكل حازم من جانبه, أنه لا مجال للاعتراف بدولة فلسطينية.
وقد دعا نتنياهو إلى مركز «بيغن السادات» في جامعة بار إيلان, كل أعضاء الكنيست والوزراء من الليكود. وسيكون مثيراً للاهتمام التركيز على وجوه اثنين من الوزراء: دان ميريدور, من الجناح اليساري في الليكود, وبيغن, من الجناح اليميني. ومن المشكوك فيه أن نتنياهو, بكل مواهبه, قادر على أن يترك الاثنين يخرجان فرحين من الخطاب. واحد منهما سيبتسم بالتأكيد في نهاية الخطاب, أما الآخر فسوف يخرج مكتئباً.

هآرتس 12ـ6ــ2009

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات