بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> شؤون اسرائيلية  >>
تساؤلات عن قدرة الجيش الإسرائيلي الذي كان ولا يزال عنوان وجود الدولة ا
  11/05/2009

تساؤلات عن قدرة الجيش الإسرائيلي الذي كان ولا يزال عنوان وجود الدولة العبرية
في إسرائيل, خلافا لكل دول العالم, فإن للجيش مهمات تخرج كثيرا عن مهمات حماية حدود الوطن والتصدي لأعدائه. فهو الجيش الذي أوكلت إليه, منذ النشأة, مهمة توسيع الحدود واستفزاز الجيران ولعب دور الجهة المقررة في الكثير من جوانب السياسة الخارجية. ولكنه كان أيضا, منذ النشأة, يلعب أحد أهم الأدوار الداخلية كبوتقة انصهار من ناحية وكعنصر استيطاني وتربوي من الناحية الأخرى.
ومكانة الجيش في إسرائيل تنبع في الأساس من حقيقة أن لا مكانة لهذه الدولة من دونه. فقد أنشئت من دون حق, على أرضية شعار واهم, بأرض من دون شعب, لشعب من دون أرض. وقد ظهر للجميع منذ اللحظة الأولى أن هذه الأرض فيها شعب مصمم على البقاء فيها والدفاع عنها. وهكذا كان الجيش الإسرائيلي وأسلافه, المنظمات الحربية الصهيونية (هشومير, هاغناه, ايتسيل, ليحي, بلماخ) مجرد أدوات لتبديد الشعب الفلسطيني وترسيخ الوجود اليهودي.
وحاليا في الذكرى الواحدة والستين للنكبة تجد إسرائيل نفسها فخورة بجيشها الذي ترى أنه, وفق وزير الدفاع إيهود باراك, الجيش الأقوى في محيط ألف وخمسمئة كيلومتر عن القدس. ومن الوجهة التقنية فإن الجيش الإسرائيلي يمتلك قدرات فائقة سواء في التسليح التقليدي, طائرات ودبابات, أو التسليح غير التقليدي، النووي والكيماوي والبيولوجي. وقد طور لنفسه وبالتعاون مع عدد من الدول وفي مقدمتها الولايات المتحدة تكنولوجيات عسكرية بالغة الأهمية.
ولا ريب أنه بسبب جيشها باتت إسرائيل في نظر الكثير من دول العالم وبينها دول عربية، قوة عظمى إقليمية تؤخذ بالحسبان في كل تحرك. ويمكن القول إن بين أهم دوافع الدول العربية التي وقعت على اتفاقيات سلام مع الدولة العبرية, وتلك التي تفاوض, قوة هذا الجيش. وبات مفهوم الردع الإسرائيلي المبني على القوة العسكرية البحتة عنصرا مهيمنا في العلاقات الإقليمية.
ومن المؤكد أن كل ذلك, وبسبب ما تحقق بفضل هذا الجيش, ليست هناك في إسرائيل مؤسسة أكثر احتراما لدى الجمهور من الجيش وقيادته. ورغم أن هذا الاحترام تراجع بعض الشيء في الأعوام الأخيرة، وخصوصا بعد حرب لبنان الثانية, إلا أنه ليس لدى الإسرائيلي خيار عدم الثقة بالجيش. فالوجود الفردي والعام في إسرائيل يعتمد أكثر من أي شيء آخر على الجيش، لدرجة بات فيها معلوما أن نظرية الأمن القومي بنيت على قاعدة أن لا مكان للهزيمة.
فالهزيمة في نظر الجيوش الأخرى في العالم أمر ممكن لاعتبارات كثيرة، ولا يعني حدوثها انهيار وجود دولة ما أو شعب بل مساسا بكرامته الوطنية. وفي أوروبا, على سبيل المثال, شعوب كثيرة وامبراطوريات, واجهت الهزيمة في الحرب وبقيت لأن وجودها لا يعتمد فقط أو أولا وأخيرا على قوتها العسكرية. ومن المؤكد أن هذا ليس حال إسرائيل وليس حال جيشها.
لذلك فإنه في حرب تشرين 1973 شعر الإسرائيليون بدنو الأجل، ولولا الإسناد الأميركي العاجل وشوائب تخطيط الحرب وتنفيذها من جانب الطرف العربي لما انقلبت النتيجة. ومع ذلك فإن مجرد شن العرب حربا لأول مرة وعجز إسرائيل عن التكهن بها أو التصدي لها من دون عون خارجي دفع الإسرائيليين إلى الإكثار من الحديث عن «التقصير». وقد أودى ذلك برؤوس كثيرة أريد من وراء التضحية بها منع أي عسكري إسرائيلي من إهمال القاعدة الأولى وهي أن إسرائيل لا تحتمل هزيمة واحدة.
وفي كل الأحوال فإن حربي لبنان الثانية وغزة الأولى دفعا الإسرائيليين إلى الشك في قدرة الجيش على الاحتفاظ بقدرته إلى أجل غير مسمى. وقد ترافق ذلك مع مسارين متناقضين للأحداث: الأول, يلحظ تراكما كبيرا للقوة العسكرية عاجزا عن حسم المعركة لمصلحة إسرائيل, والثاني يرى أن السياسة الإسرائيلية عاجزة عن استغلال القوة العسكرية لتحقيق سلام أو تطبيع مع المحيط العربي.
والواقع أنه كلما تراجع نوع من الخطر المحدق بإسرائيل كلما ظهر خطر من نوع آخر. وتبدو إسرائيل اليوم أكثر من أي وقت مضى تعيش دوامة المخاطر التي لا مخرج منها. ومن الجائز أن كثرة الأحاديث أخيرا عن احتمالات الصدام أو الاختلاف مع الإدارة الأميركية تظهر مقدار الانكشاف الإسرائيلي على المخاطر ودور العامل الخارجي فيها.
وإذا أخذنا بالحسبان التكلفة الهائلة للأمن الإسرائيلي, الدفاعي والأمني, فإن الأعباء في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية تتزايد. وثمة أهمية للخلاف الدائر في إسرائيل حاليا حول ميزانية الدفاع وما إذا كانت ستتقلص أم لا. فالجيش يرى أن المخاطر تتعاظم رغم نشوء تحالفات جديدة في الدائرة الإقليمية. فالتحالفات نفسها تزيد من أعباء إسرائيل التي باتت ترى نفسها بأشكال مختلفة مسؤولة عن تخليد الواقع العربي الممزق حولها.
ورغم كل ما قيل ويقال عن الجيش الإسرائيلي فإن مكانته في المجتمع الإسرائيلي تبدت أخيرا من خلال ما أشيع في إطار التحسب من أنفلونزا الخنازير. فقد جرى تسريب أنباء تفيد بأن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يفكر في نقل معالجة أمر الاستعداد لمواجهة هذا الوباء من وزارة الصحة إلى وزارة الدفاع.
ومن المؤكد أن مجرد التفكير في ذلك يوحي بأنه في مواجهة مخاطر كبرى حتى لو كانت صحية فقط, ثمة حاجة للإفادة من الجيش الذي هو موضع الثقة الأول. فقد كانت في الجيش كتائب «الشبيبة الطلائعية المحاربة» التي تنفذ عمليات الاستيطان, كما كانت وحدات التعليم التي تدرّس في المستوطنات فضلا عن الوحدات الصحية.
فدور الجيش في إسرائيل كان ولا يزال مختلفا، وهو ما يدفع كثيرين اليوم في ظل المتغيرات لإبداء الخوف على إسرائيل بسبب المفارقات التي يعيشها.
كتب عوفر شيلح في «معاريف» أن «استخدام المؤسسة الأمنية ليس حاجة بل عقلية. وهو ينبع من الفهم الخوفي، بموجبه الدولة ليست جهازا يرمي الى تحسين حياة المواطن بل لجنة لشؤون أمن طائفة خائفة (والحقوق الفكرية تعود الى بيني بيلد الراحل). ليس أقل من هذا. وهذا يخدم القوة المتواصلة والمتعاظمة للنزعة الامنية».
حلمي موسى

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات