بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> شؤون اسرائيلية  >>
الانتخابــات تمــهّد لتحــول تاريخــي ..إسرائيل نحو دولة أكثر فاشية
  04/11/2008

الانتخابــات تمــهّد لتحــول تاريخــي ..إسرائيل نحو دولة أكثر فاشية وتديّناً

رغم أن المعركة الانتخابية في إسرائيل لم تبدأ بعد من الوجهة الرسمية، إلا أنها انطلقت من الذروة تحديداً وليس من القاع. فهذه الانتخابات، أكثر من سواها، تحمل معاني التاريخ حتى قبل أن يكتب. وتكفي نظرة سريعة إلى المعطيات الظاهرة لاكتشاف الوجهة وتحديد معالم الطريق الذي تختطه إسرائيل بعد ستين عاماً من تأسيسها.
فزعيم الليكود، بنيامين نتنياهو، الذي لا يمتلك حزبه الآن سوى عشرة في المئة من مقاعد الكنيست، يتصرّف كرئيس الحكومة المقبل. وقد أعلن بالأمس أن »الشعب يعود إلى الليكود«. ومن الوجهة العملية لديه ما يستند إليه: استطلاعات الرأي من ناحية، وعودة »الأمراء« والقادمين الجدد من ناحية ثانية.
فاستطلاعات الرأي تمنح الليكود ما يزيد عن ضعف قوته الحالية وتسمح له وحيداً بامتلاك حوالى ربع مقاعد الكنيست الجديدة. ولا يقل أهمية عن ذلك دفق القادمين الجدد من القادة العسكريين السابقين أمثال الجنرالين عوزي ديان ويوسي بيلد، والنجم الجديد رئيس الأركان الأسبق موشيه يعلون المرجح انضمامه قريباً. وإضافة إلى ذلك هناك العودة »الأيديولوجية« للأمراء أمثال بني بيغن ودان ميريدور.
وثمة من يقارن ما يجري في الليكود بما يحدث في الطرف الآخر من الخريطة السياسية. ففي حزب العمل الوضع شبه مشلول والزعيم إيهود باراك عاجز عن التحليق، فيما أن أحداً لا يفكر في الانضمام إلى سفينة تائهة في البحر. فقد خسر حزب العمل ليس بريقه وحسب، بل أيضاً الكثير من قادته الذين ابتعدوا عن الحياة السياسية بسبب النزاعات الداخلية. ولكن الصورة أوضح في حركة ميرتس التي يتسابق قادتها على اعتزال الحياة السياسية وبسرعة متزايدة.
فحركة ميرتس التي مثلت طوال العقود الأخيرة نوعاً من العقلانية الصهيونية التي لا ترى أن بالوسع البقاء إلى الأبد على أسنة الرماح تفقد زعماءها بشكل منتظم. فبعد أن فقدت في الأعوام الأخيرة شولاميت ألوني التي مثلت بصوت عال ضمير اليسار الصهيوني فقدت يوسي ساريد. ولكنها اليوم عشية الانتخابات تفقد اثنين من أبرز زعمائها يوسي بيلين وران كوهين اللذين أعلنا اعتزال الحياة السياسية.
هناك من يلحظ أن في تزايد حركة اعتزال الحياة السياسية في صفوف ما يعرف بـ»اليسار الصهيوني« إقراراً بأن إسرائيل تتغير وهي تغــدو أكثر فاشية ودينية. فالميل التاريخي في إســرائيل نــحو اليمين ليس مجرد موقف سياسي بل هو حالة اجتماعية وثقافية واقتصادية يشهد عليها نمو القوى الممثلة لهذا الخط.
والمسألة ليست مجرد أشخاص أو أحزاب بل هي تيارات أكثر تعبيراً عن عمق ما يجري في المجتمع الإسرائيلي. ومن الجائز أن الإسرائيليين اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى مواقف اليسار السياسية، لكنهم يغدون أشد يمينية في كل المواقف الأخرى. ويبدو أنه في هذا الإطار نجد أن افتقار الخطاب اليساري الصهيوني للجاذبية يبعد الجمهور عنه، فيما أن اليمين القــومي والديني يوشك على إحداث النقلة التاريخية الثانــية في حياة الدولة العبرية.
وفي مقابل تشرذم قوى اليسار الصهيوني ممثلاً بحزبي العمل وميرتس، اللذين امتلك سلفاهما (مباي ومبام) في أول انتخابات إسرائيلية حوالى ثلثي مقاعد الكنيست، يوشك اليمين على امتلاك غالبية مقاعد الكنيست في الانتخابات الجديدة. ويتوحّد اليمين اليوم في أربعة أحزاب رئيسية هي الليكود والاتحاد القومي ـ المفدال وإسرائيل بيتنا والمعسكر الحريدي.
ومن الرمزيات التاريخية أن حزب المفدال »المتدينين الوطنيين« الذي تأسس من حزبي »همزراحي« و»هبوعيل همزراحي«، أو ما كان معروفاً قبل قيام الدولة العبرية بالصهيونية الدينية، يلغي نفسه في هذه الانتخابات ويؤسس مع الاتحاد القومي حزباً جديداً. وليس من المستبعد أن تضطر الأحزاب الحريدية الشرقية (شاس) والأشكنازية (يهدوت هتوراة) للاتحاد قريباً في كتلة انتخابية واحدة.
وثمة أهمية لفهم ما يجري، إعلان الحاخام مئير بوروش أنه بعد عشر سنوات لن تجد مرشحين لرئاسة بلدية القدس. وفي ردّ على العاصفة التي أثارها كلامه قال إنه من تحليل الوقائع في القدس وبيت شيمش فإن رؤساء البلدية سيكونون من الحريديم. وأشار إلى أن ذلك ممكن بسبب التحالف بين الحريديم والمتدينين والتقليديين.
والواقع أن هذه هي سمة الوضع الراهن في الحياة الاجتماعية والثقافية في إسرائيل التي تزداد تقليدية وتديناً. وفيما يتراجع الطابع العلماني في إسرائيل يذهب الحريديم، وفي مقدمتهم شاس، إلى المطالبة للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل بوزارة التعليم. بل إن زعيم شاس إيلي يشاي يشدّد على أن حزبه أو معسكر الحريديم سوف يكون القوة السياسية الثانية في إسرائيل بعد الانتخابات المقبلة.
وفي كل الأحوال فإن ظاهرة الحياة الاجتماعية والسياسية في إسرائيل تشهد صعود النجوم وسقوطها في فترات قريبة. وليس بالوسع تخيل أن نجماً مثل »السيد أمن« الإسرائيلي، إيهود باراك يخبو بهذه السرعة. ورغم أن هذه ليست بالظاهرة الجديدة إلا أن سرعة الانطلاق والخفوت باتت تشهد على حجم التغييرات والقلق الذي يعتري المؤسسة السياسية الإسرائيلية

حلمي موسى / السفير اللبنانية

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات