بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> شؤون اسرائيلية  >>
هدوء ما بعد، أم ما قبل العاصفة؟
  10/09/2007
 

هدوء ما بعد، أم ما قبل العاصفة؟

عزمي بشارة
لا يشبه الاستفزاز العسكري الإسرائيلي لسوريا سابقاته. ولا شك أنه لم يفت القارئ النبيه أن إسرائيل التزمت الصمت هذه المرة، وأنها فرضت حتى على أكثر سياسييها ثرثرة أن ينحو هذا المنحى، هدوء ما بعد العاصفة، لأنه قد يصبح هدوء ما قبل العاصفة.
والجديد أيضاً أن سوريا التي تصمت عادة ويصعب على الصحفي أن يعثر فيها على سياسي يعلق على مثل هذا الفعل الإسرائيلي في اليوم نفسه، خرجت بتصريح حاد ومتكرر ومتوعد لاختراق مجالها الجوي، فيما صمتت إسرائيل، التي تفاخر عادة بمثل هذا العمل، وتفاخر أيضاً بالصمت السوري الأولي الذي يعقبه.
تصدت المضادات السورية. واضطرت الطائرات المعتدية إلى إلقاء خزانات وقود في الأراضي التركية المحاذية. واحتجت تركيا علناً، مطالبة بإيضاحات.
صمت أولمرت، وصمت وزراؤه، وصمتت أميركا، وألغيت حتى مقابلات عيد رأس السنة العبرية الصحافية التقليدية تجنباً للأسئلة. وتفاخر أولمرت بالعملية ذاتها، كما تفاخر بأنه هادئ. وطبعاً يبدو أنه لا أحد في الكيان المعتدي فطن لوزير منسي، ولم يخطر ببال أحد أن ينبهه إلى أن يلتزم هو الآخر الصمت. ربما لأن لسانه ليس حصانه أصلاً كي يخونه. اختراق سلاح الجو الإسرائيلي للسماء السورية ليس جديداً، لكنه ليس روتيناً كما حاول وزير عربي صهيوني في الحكومة الإسرائيلية أن يصور الأمر في خدمةٍ لأسياده لم يُكَلَّف بها، ومهمة تخفيف تطوَّعَ لها من دون أن يُطلَب منه، كأنه يهدئ النفوس في بداية صلح عشائري على وزن «بسيطة يا جماعة، ما صار شي»!!.
وفوراً حاول بعض المعلقين العرب توظيف الكليشيهات العادية: محاولة استفزازية لجرّ سوريا إلى حرب. رد إسرائيلي على قرار الجامعة العربية (وكأن أحداً يأبه لقراراتها). ويتلخص القرار الخطير (!!) الذي اتخذه مجلس وزراء خارجية الجامعة بأنه لا يجوز عقد مؤتمر دولي للسلام في واشنطن من دون سوريا ولبنان... (واهتزت أركان البيت من شدة القرار). لاحظ كيف أُزيح النقاش، باختلاق تحدٍّ غير قائم، لتصبح دعوة سوريا ولبنان للمؤتمر إنجازاً. لم يتخذ أسود الخارجية في الجامعة أي قرار متعلق برفض إسرائيل المبادرة العربية، ولم يصروا على مضمون مؤتمر واشنطن وشروطه. لقد اقتحم أسود الخارجية في الجامعة العربية عنوة باباً مفتوحاً أصلاً، واختلقوا تحدياً غير قائم، وتجنبوا التحدي الفعلي بتجنب التساؤل عن ضرورة عقد مثل هذا المؤتمر وفضح أغراضه الحقيقية. لا يعرض هذا المؤتمر على سوريا ولبنان أي شيء يخص أراضيهما، ولم تتم الدعوة بناء على تصور حل لقضية فلسطين، ولا تسوية عادلة نسبياً. وإذا دعي سوريا ولبنان فسوف يُدعَوان فقط ليكونا شاهدي زور لعملية «تقوية محور المعتدلين الفلسطينيين». والأصح أن تعرب الدولتان عن عدم رغبتهما بالمشاركة في هذا المؤتمر ـــــ المؤامرة حتى لو دعيتا لحضوره، وليوفر الوزراء الأشاوس نخوتهم المفتعلة.
وليس لدي شك بأن إسرائيل ترحب بحضورهما من دون شروط ودون طلبات، فقط إذا جاء هذا الحضور تعبيراً عن الامتنان لدعوتهما ورغبة منهما في تشجيع «المعتدلين الفلسطينيين».
لا يوجه الاستفزاز الجوي الإسرائيلي رسالة إسرائيلية غير الاختراق ذاته. ويبدو أنه ليس مجرد اختراق، بل هو عملية فعلية، كان لها بذاتها هدف استراتيجي يبرر الصمت. واعتمدت إسرائيل في صمتها على عدم رغبة سوريا في أن تحرج ذاتها فتبحث موضوع الاختراق الجوي علناً. والدولة المعتدية لا تود أن تتبرع بشرح المبررات والمفاخرة بخرق القانون الدولي وغيره في حالة توتر ينتظر عود ثقاب. ويبدو أن موضوع الاختراق هو إما ضرب عمليات نقل جارية على الأرض، أو مضادات أو قواعد صواريخ قبل نصبها كاستمرار لما أدلت به إسرائيل أخيراً وصراحة ضد روسيا ودورها في سوريا، أو استكشاف العثرات والرادارات وتجهيز الطريق إلى إيران. وهذا لا يمكن من دون تركيا، ومن الواضح أن تركيا إما لم تأذن أصلاً، أو أُحرجت بعد إلقاء الخزانات على أراضيها، فاستنكرت مطالبة بإيضاحات. التحفظ هنا أنه مع الوجود الأميركي في العراق أصبح هنالك طريق جوي أسهل إلى إيران، لكنه يورط دولاً غير معادية لإسرائيل...
باختصار، ومن دون المبالغة بالتخمينات والتكهنات، هذه عملية جوية، لا اختراق يحمل رسالة. المسألة إذاً خطيرة فعلاً. وعموماً يجب أن ننبه إلى أنه إذا لم تشن إسرائيل الحرب على سوريا أو لبنان، وإذا وصلنا إلى نتيجة مفادها أن الأمر مرتبط بالخطوات ضد إيران، وهل هي أميركية أم إسرائيلية، فإن احتمال تنفيذ عمليات إسرائيلية متفرقة في سوريا ولبنان لتحقيق إنجاز عسكري هنا، وخطف واغتيال هناك، يزداد، وذلك بالذات كلما قل احتمال شن حرب منفصلة غير إقليمية على البلدين. هذا إلا إذا قرر أحد في سوريا أو لبنان تحويل عملية إسرائيلية إلى سبب للحرب كما فعلت إسرائيل متذرعة بعملية لم تقم بها دولة أصلاً قبل عام.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات