بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على الوطن  >>
الدعارة.. الحديقة الخلفيّة للحرب
  22/10/2016

الدعارة.. الحديقة الخلفيّة للحرب
تحقيقات واستقصاء/ نضال يوسف



زادت بنسبة 37.5% والحماية الاجتماعية غائبة
نساء: الفقر غيّر مسار حياتنا، وعلى الحواجز تمتهن كرامتنا
ناشطةٌ إنسانية: نساءٌ يصطحبن أطفالهنّ إلى بيوتٍ مشبوهة

قهرت الحرب في سوريا المرأة؛ استباحت جسدها بشكلٍ غير إنسانيّ، وحولته إلى ساحة معركةٍ روّادها أصحاب المال، وتدفع الفاتورة كلّ امرأةٍ مقهورةٍ أو فقيرة، لا مال تملكه، ولديها أفواهٌ جائعةٌ وبطونٌ تزأر. قد يسميها البعض دعارة، رغم قسوة الكلمة، ودلالتها غير الأخلاقية، لكنها -في رأي العديد من النسوة اللواتي التقتهنّ مجلة (صوَر)- مصدر رزقٍ لمواجهة الفقر، وبابٌ لتأمين رغيف خبزٍ أو حبة دواء. وتمكنت (صوَر) من الحصول على بياناتٍ تعكس تنامي ظاهرة الدعارة بسبب الحرب في السنوات الأخيرة، إذ إنها ارتفعت بنسبة 37.5%، في ظل غياب الحماية الاجتماعية، وتزايَد عدد ضحاياها.

عبوديةٌ جديدة


بلا إرادة، دفعت الحرب في سوريا عدداً من النساء إلى العمل في مهنٍ غير مرغوبةٍ مجتمعياً، وأسهمت الفاقة والحاجة وتغلغل الفقر في شرعنة هذه المهن. إلا أن بيع الجسد، كما ترى حليمة (22 عاماً)، التي دفعتها ظروفها إلى العمل في شقةٍ مفروشة، هو أقذر أنواع الاستعباد في القرن الحاليّ. وتتساءل: بماذا يختلف عهد العبودية عن شراء جسد المرأة بالمال؟ وتتابع حليمة التي تقطن في دمشق بعد نزوحها من إدلب: إن الظروف القاهرة، والحالة المعيشية التي فرضتها الحرب، جعلت من بيع الجسد فرصةً للمحتاجات.
حلت الضائقة المعيشية على الناس كارثةً حقيقية. المستويات المعقولة للفقر قبل الحرب، والتي تراوحت بين 9% فقر مدقع إلى 30% فقر غير عميق، كان يمكن احتمالها مجتمعياً. أما الآن فتكفي الإشارة إلى مستويات الفقر العميق التي تجاوزت -وفقاً للإحصاءات المختلفة- 80% من السكان، لمعرفة حجم الكارثة وما ينطوي تحتها من مآسٍ. ويبيّن أحدث تقريرٍ لمنظمة الهلال الأحمر العربيّ السوريّ أن 13.5 مليون مواطنٍ يحتاجون إلى المساعدات. لم تعد هذه الأرقام صادمةً لأن الكارثة أعمق بكثير، ومشاهد العنف الجسديّ ضد النساء تفوق التصوّر. تقول رباب (19 عاماً)، وهي ناجيةٌ من أعمال العنف: عندما هاجم مسلحون قريتنا، بريف حماة الشرقيّ، اختاروا الفتيات ووضعوهنّ في بناءٍ معزول. كنا وسيلةً لمتعة هؤلاء الذين كانوا يقتلون فينا الإنسانية. مقاتلٌ داخلٌ وآخر خارج. ذقنا الأمرّين، وكان ينقصنا فقط حفلات الاغتصاب الجماعيّ. وتتابع: ذهب المسلحون وبقينا بلا شيء. فقدنا كرامتنا وإنسانيتنا، والآن ليأت كل رجال العالم ليناموا معي. وتجهش بالبكاء لتذكّرها الأيام المريرة التي قضتها كآلةٍ تسعى مرغمةً إلى إسعاد شخصٍ بهيئة إنسان، ولا يحقّ لها توجيه أيّ تهمةٍ له. متسائلةً: ألا يعدّ هذا أخطر من ممارستنا الدعارة؟


تعدّ المذبحة النسائية، أو أكوام اللحم الأبيض المعروض في سوق نخاسة القرن الحادي والعشرين، جريمةً مروّعةً برأي رنا (20 عاماً) الهاربة من ريف حلب، والتي تحدثت عن تجربتها المريرة بقولها: قضيت ساعاتٍ في أحضان أشباه الرجال. أتوا بشهواتهم الجنسية ومالهم الوفير كزبائن يبحثون عن بضائع وسلع. هذا هو منطق العمل الرديء وقانون السوق السوداء. معتبرةً أن الحرب والظلم والفقر دفعت بها إلى الطريق الذي لم تكن تفضّله، وقضت على أحلامها في تكوين أسرة.

وحشية الإنسان

أدّت الحرب إلى خلق بؤرٍ غير إنسانية، وعممت سلوكياتٍ قاسيةً ومرفوضةً مجتمعياً. كما أنها فرضت قوانين مختلفة، نتيجة ظهور طبقةٍ جديدةٍ من المتحكمين في الناس. وتثير صفقات الجنس، بيعاً وشراءً، أسئلةً حول الأخلاقية التي يتحلى بها مجتمعٌ مغلقٌ، مقتنعٌ بستر الحال وبالتدين الزائف، فيما غدت الدعارة الحديقة الخلفية للحرب. إذ كانت المرأة التي تعمل في مهنةٍ غير أخلاقيةٍ تتوارى خلف ألف ستار، كما تقول لينا (30 عاماً)، التي تروي تجربتها في العمل بملهىً ليليٍّ بدمشق: نعمل 10 ساعاتٍ في الملهى. 15 فتاةً أكبرهنّ لا تتجاوز 25 سنة، إحداهنّ طالبةٌ جامعيةٌ لم تجد في جيبها المال الكافي لشراء الكتب فاصطادتها الملاهي الليلية، فثمن العلم ليس أقلّ من ثمن الشرف وفقاً لقاعدة المجتمع الزائف. تلتقط لينا أنفاسها لبرهةٍ وتتابع: يحوّل المال والجنس الإنسان إلى وحش، فكيف بنا والحرب لم تترك لنا كرامة؟ وتقول: هناك فتياتٌ فقدن عذريتهن على الحواجز العسكرية. فماذا تفعل الأنثى وحدها أمام رجلٍ يوقفها بقوة السلاح ولا يسمح لها بالموت قبل أن يشبع غريزته منها. هنا تصبح الملاهي الليلية والشقق المفروشة المكان الأكثر أمناً لها، وهي هاربةٌ من ظلم المُغتصِب وبطش عائلتها.

بيعٌ في زمن الحرب

كشفت الحرب الستار عن المُخبّأ، وعرَّت ما حاول السوريون تغطيته لسنوات، وبيّنت ما حاولوا عدم تصديقه. كان لسان حالهم أن شقراوات أوروبا الشرقية يشغّلن بيوت الدعارة في سوريا، ليستيقظوا على حقيقةٍ مريرةٍ هي أن نساءً سورياتٍ كنّ المُشغِّل الفعليّ لمهنةٍ منبوذة.


لم تجد جميلة، التي كانت تقيم في الغوطة الشرقية، وفرّت من جحيم الحرب إلى جرمانا، بيتاً يأويها وثلاثةً من أطفالها، فكان الشارع هو المنزل، وباتت أول ليلةٍ في حياتها على الرصيف. كان ذلك عام 2012، وتستذكر: ليلةٌ واحدةٌ كانت كفيلةً بتغيير مسار حياتي. أنا، التي لم يرَ وجهي بعد زواجي سوى زوجي وأشقائي، لم يبق شابٌّ (أزعر) إلا ورآني عاريةً تماماً، مقابل المال الذي لا يكفي لتأمين إيجار البيت ومستلزماته. وتبدي ابتسامة سخريةٍ عندما قلنا لها إن الحرة تجوع ولا تأكل بثدييها، وتتابع: ممن تريدوننا أن نهرب؛ من أصحاب الشقق أم من مالكي السوبر ماركيتات؟ لقد جعلتنا الحرب عاهرات، باعتنا كل الأطراف المتقاتلة مقابل ليلةٍ ساخنةٍ في السرير.

زيادةٌ ملحوظة

تنامى عدد العاملين في قطاع الدعارة، أثناء الحرب، بنسبةٍ تصل إلى 37.5%؛ إذ أعلنت وزارة الداخلية عام 2013 عن إلقاء القبض على 80 عصابةً تعمل في الدعارة، مقارنةً مع 30 عصابةً عام 2012، وأُرسلت 250 امرأةً إلى السجن، وعقب ذلك تكتمت الوزارة على أيّ أرقامٍ ذات صلة. وأشارت مصادر قضائيةٌ إلى أنه، خلال الشهور التسعة الأولى من 2013، بلغت حالات الدعارة على مستوى البلاد 600 حالة، منها 200 حالةٍ في دمشق وريفها، و150 في حلب، وجاءت محافظة حمص ثالثاً في الترتيب بـ90 حالة، وتوزعت بقية الحالات على المحافظات الأخرى. فقد تغيّر الواقع السوريّ في الحرب التي أفرزت طبقاتٍ اجتماعيةً جديدةً أضيفت إلى من كان يعمل في هذا المجال سابقاً، كما تغيّر مرتادو هذه الواحات. فالمهنة الأقدم على مرّ التاريخ، والتي تقدّر الإحصاءات العالمية إيراداتها السنوية بـ500 مليار دولار، كانت مقوننةً في سوريا من قبل الانتداب الفرنسيّ (1920 - 1946)، وتبيّن أنه، في عام 1922، كانت تعمل في مهنة الدعارة 271 امرأة. بينما منع القانون رقم 10، الصادر عام 1960، ممارسة الدعارة.

ولا يمكن الجزم بعدد اللواتي يعملن في الدعارة في سوريا الآن، إلا أن هذه الظاهرة، التي كانت تناقش في الخفاء قبل 2011، دفعتها تداعيات الحرب وشروطها إلى مستوىً يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي عانت منها المرأة السورية. وفوجئ سوريون بما كتبه وزير الاقتصاد الأسبق محمد نضال الشعار، على حسابه في الفيسبوك، في أيلول 2013، بقوله: إن عدد الشقق السكنية التي تحتضن مهنة الدعارة في سوريا يبلغ 55 ألف شقة. قسوة التصريح نابعةٌ من عدد الشقق وعدد ممتهني الدعارة الذين كانوا خارج الإحصاء الحكوميّ آنذاك، كما أنه يذهب إلى المطارح المخبوءة، والأسباب التي دفعت مئات الآلاف من السوريين إلى امتهان عملٍ مرفوضٍ أخلاقياً.

ويُظهر التقرير الوطنيّ للحماية الاجتماعية في سوريا 2014، الذي أصدره المركز السوريّ لبحوث السياسات، أن الأزمة في سورية تعدّ من أكبر الكوارث الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية، إذ تعرّض المواطنون "لكارثةٍ عصفت بالحق في الحياة واحترام شخصية وكرامة الإنسان"، وتدهورت ظروف المعيشة وتعرضت لنكساتٍ كبيرة. كما عانى النازحون واللاجئون من فقدان أمنهم الإنسانيّ في حدّه الأدنى، وتعرّضوا لأشكالٍ مختلفةٍ من الإفقار والاستغلال وفقدان الاعتبار الإنسانيّ، وفقاً للتقرير.

تسليع المرأة



تقول الناشطة في مجال حقوق الإنسان إيمان ونوس: بعد عامين على الحرب أفادت لجنة الإنقاذ الدولية بوقوع ما يقارب الأربعة آلاف حالة اغتصابٍ داخل سوريا. كما ذكرت صحيفة" ديلي تليغراف" البريطانية، في تقريرٍ لها أواخر كانون الثاني الماضي، أن نساءً وفتياتٍ سورياتٍ لا تتجاوز أعمارهن 14 عاماً يُعرَضن للبيع وللزواج القسريّ أو للبغاء بعد أن يصبحن لاجئات.
وحول ما يدفع النساء إلى العمل في الدعارة تؤكد ونوس أن هذا النوع من العنف ضدّ السوريات يتزايد باطرادٍ مع استمرار الحرب الهمجية والعبثية، إذ تفاقمت معاناة النساء بحكم غياب الرجل، وبقاء المرأة كمعيلٍ وحيدٍ للأسرة والأبوين في كثيرٍ من الأحيان، في ظلّ بطالةٍ شبه عامةٍ وفقرٍ شديدٍ وغلاءٍ مستفحل، جعلها في مواجهةٍ مريرةٍ مع متطلبات أدنى حدود البقاء على قيد الحياة، مما اضطرّها إلى اللجوء إلى الدعارة خياراً إجبارياً وقسرياً للحصول على تلك المتطلبات، حتى بات هذا الوضع شبه عاديٍّ في مجتمع سوريا اليوم.

وتلفت ونوس إلى العديد من الروايات والحكايات والقصص التي تُروى يومياً عن نساءٍ يصطحبن أطفالهنّ إلى بيوتٍ مشبوهة، ليقوم أحد القاطنين بإلهاء أولئك الأطفال ريثما تخرج الأم أو الأخت إليهم. كما سمعنا -وفقاً لونوس- عن أمٍّ لديها فتاتان بعمر المراهقة وطفلٌ آخر يعملون جميعاً في إحدى الكافيتريات التي تُعدّ مأوىً لهم في الليل لأنهم بلا مأوى ولا قدرة على استئجار بيت، وهاتان الفتاتان نادلتان في الكافيتريا وفي ذات الوقت يتمّ استغلالهما جنسياً دون مقدرةٍ من الأم على تحريك ساكنٍ أو إبداء رفضٍ أو شكوى.

وتتحدث ونوس حول هذه الجرائم وموقف العالم الصامت منها: لا تزال جرائم العنف الجنسيّ خلال النزاعات المسلحة تحدث بانتظامٍ وعلى نطاقٍ واسع، رغم أن لجنة الأمم المتحدة للمرأة أقرّت، بتاريخ 15/3/2013، إعلاناً تاريخياً يدعو إلى إنهاء العنف ضد النساء وحمايتهنّ من التحرش الجنسيّ والاغتصاب. وتصف الناشطة ونوس هؤلاء النسوة بأنهنّ ضحايا في حاجةٍ ماسّةٍ وعاجلةٍ إلى اتخاذ تدابير وإجراءاتٍ سريعةٍ تهدف إلى إنقاذهنّ عبر تأمين مأوىً لمن هنّ بلا مأوى، وإقامة دورات تأهيلٍ نفسيةٍ ومهنيةٍ لهنّ، ومن خلال إيرادات المهن المعمول بها تتمّ مساعدتهنّ على مواجهة متطلبات المعيشة بقدرٍ مقبولٍ ومعقولٍ من الكرامة. منتقدةً غياب دور المؤسّسات الحكومية والأهلية والمنظمات الدولية في حماية المرأة من الانتهاكات الخطيرة التي تتعرّض لها. وحذرت ونوس من تسليع المرأة السورية واعتبارها أمَةً في سوق نخاسة الحرب والفتاوى المهزومة أمام شهواتها ونزواتها الحيوانية المريضة.
عهر الحرب


ليس المهمّ من يعمل الآن في الدعارة، فعهر الحرب الساحقة في سوريا أحد تجلياته الدعارة وابتزاز النساء ومسّ كرامتهنّ والنيل من شرفهنّ. وإذا كان الفقر قد فرض شروطه سابقاً، فإن الحرب لن تشفع لمحتاجةٍ ولن ترأف بفقيرة.
.
.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات