ربع قرن على ذكرى استشهاده...الجولاني عزت أبو جبل وقصة ليلة وطنية عاصفة بالبطولة
  16/01/2008
 

ربع قرن على ذكرى استشهاده...الجولاني عزت أبو جبل وقصة ليلة وطنية عاصفة بالبطولة



 
في ليلة شتوية عاتمة وباردة، في مثل هذه الأيام قبل ربع قرن، خرج الشاب عزات شكيب أبو جبل من بيته في مجدل شمس المحتلة في الساعة العاشرة تقريبا.
البرد القارس والأمطار التي كانت تهطل بغزارة، والوقت المتأخر ليلا، كلها كانت عوامل اختارها الشاب رغم قسوتها لتساعده على نجاح مهمته الوطنية الخطرة؛ المهمة لم تكن الأولى من نوعها لكنها كانت من النوع الحاسم والعاجل، وفيها خلاصة عمل استمر أسابيع متواصلة، وسط ظروف معقدة كان فيها العمل الوطني السري ضد الاحتلال الإسرائيلي للجولان في طور البداية.
هي بريد عاجل يحوي نحو ستين تقريراً، وفي التقارير معلومات مهمة ودقيقة عن أماكن انتشار وتوزع قوات الاحتلال الإسرائيلية ومراكز تموينها، ومواقع الدبابات، ومرابض المدفعية، ونقاط القيادات العسكرية، وأماكن انتشار قواعد الصواريخ الإسرائيلية، كل ذلك على طول خطوط الجبهة السورية في الجولان.
في التقارير أيضاً معلومات عن واقع القوات الإسرائيلية على خطوط الجبهة المصرية في سيناء.
إضافة إلى ما سبق حمل أبو جبل من بين ما حمله في مهمته الأخيرة تلك، ستة مخططات عسكرية وخرائط ومصورات وبعض الصحف الإسرائيلية، لكن لعل الأخطر بين كل ذلك هو احتواء بريده على أسماء 18 عنصرا ونصيراً من أعضاء خلايا الوطنية المقاومة في الجولان المحتل، إضافة إلى أسماء بعض مسؤولي وقادة الخلايا الأخرى.
سار أبو جبل، الشاب الذي لم يكن قد تجاوز الثانية والعشرين من عمره بين بساتين المجدل التي يعرفها جيدا منذ الصغر، ثم قطع طريقا ترابية موحلة وسط الظلام الدامس وصوت حبال المطر التي تكاد تمزق ورق الشجر يملأ أذنيه.
ورغم خطورة المهمة، كانت الطمأنينة تسكن روحه العذبة، وكان كلما تحسس ورق البريد العاجل الذي يحمله، وتذكر ما فيه من أمور مستعجلة تحتاج لدراسة دون إبطاء، سرت في جسده تيارات من الدفء الداخلي النبيل، وانفرجت أسارير وجهه المتقطب بردا على ابتسامة تنير له الطريق الحالك السواد، وارتفعت وتيرة عمل قدميه اللتين كانتا تدكان الأرض الموحلة، قاطعة خطوات سريعة ومتوازنة باتجاه واضح في رأسه ومألوف، إنه نقطة فرع الجبهة للمخابرات العسكرية السورية....
لعل عزات أبو جبل كان يراجع آخر أفكاره التي أعدها هو ورفاقه في خلايا المقاومة السرية الجولانية، عندما بلغ نقطة حاسمة من الطريق بين مجدل شمس المحتلة وموقع عين التينة حيث الأرض العربية السورية التي لم يدنسها الاحتلال، حيث سيلتقي بنقطة الاتصال وإبلاغ المعلومات التي بحوزته. النقطة تلك كانت على مقربة من نهر المغيسل، وكانت حاسمة بالفعل، حاسمة من النوع الذي لم يكن الشاب الجولاني يريده لكنه كان يتوقعه في أي لحظة، ففيها فوجئ بكمين إسرائيلي نصب هناك بناء على معلومات تبين فيما بعد أن مصدرها محلي، وبسرعة ودون أي مقدمات، ومن بنادق متأهبة للقتل ومعدة بأيد لم تدرب على شيء كما دربت على الإجرام والقتل، فتح الجنود الإسرائيليون المحتلون وابلاً من رصاص الموت على المواطن العربي السوري الشاب عزات شكيب أبو جبل فأردوه قتيلاً شهيدا...
المطر الغزير توقف فجأة، وهدأ إيقاع الحياة في كل شيء هناك في تلك البقعة الثرية الطيبة من أرض الوطن، إلا من قعقعة البنادق الإسرائيلية وأصوات حامليها تلك الكائنات المشهورة بالخسة والجبن، فقد سارعت إلى حيث جسد الشهيد الغارق بدمائه الممزوجة بتراب الأرض، التراب الممزوج هو الآخر بالمطر الذي كان قبل وقوع الجريمة يزخ حبالا تصل أرض الجولان بسماء الشام.
كان الصهاينة يعرفون شيئا عن حكاية الشهيد عزات أبو جبل مع العمل السري لكنهم لم يكونوا يعرفون الكثير، لذلك فإن أول شيء فعلوه عندما وصلوا موقع الجريمة هو إلقاء القبض على البريد الذي كان يخبئه تحت ثيابه، أما جسد الشهيد فقد قام جنود الرذيلة الذين لا أخلاق كما لا وطن لهم، المجلوبين من أربع جهات الأرض، بربط قدميه بحبل معدني إلى سيارة عسكرية، ثم جروه على الأرض مسافة طويلة وصولاً إلى «معصرة السكرة» القديمة، الواقعة جنوب شرق مجدل شمس، ثم بعد ذلك نقلوه محمولا إلى مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في قرية مسعدة.
في البداية تكتمت السلطات الإسرائيلية على إعلان اسم الشهيد ومكان وموعد استشهاده، من أجل الانتهاء من فحص البريد، وإجراء الاعتقالات.
الاعتقالات والمداهمات المسعورة بدأت ليلا وبعد أقل من ساعتين على استشهاد أبو جبل، في تلك الليلة التي وصفها والده المناضل شكيب في مذكراته يقول:
«في تمام الساعة 12 ليلا طرق الجنود الإسرائيليون باب المنزل، يتقدمهم الحاكم العسكري لمجدل شمس «يهودا الباشان»، وأيلي كوهين، مسؤول المخابرات في منطقة الجولان، إضافة إلى عدد آخر من أفراد الجيش الإسرائيلي. وفور دخولهم سألوا عن ابني عزات، قلت لهم: أعتقد أنه نائم في غرفته، أو أنه مازال عند أصدقائه خارج البيت- لقد اعتقدت أنهم ألقوا القبض عليه في طريق عودته من مهمته-، ثم دخلوا البيت ووضعوا القيود في يدي، وبدؤوا بتفتيشه ركنا بعد آخر، وعاثوا الخراب في محتوياته، وأخذوا عددا من الصور والمطبوعات، وسرقوا بعض الحلي الذهبية، و13 ألف ليرة إسرائيلية، و200 دينار أردني، واقتادوني إلى سيارة عسكرية.
ويتابع والد الشهيد في مذكراته: «في الطريق إلى المعتقل استطعت أن أرى ابن أخي هايل أبو جبل داخل السيارة وهو مقيد ومعصوب العينين، لم أكن خائفا من الاعتقال لأنه كان بيني وبين ابني عزات وباقي أفراد المجموعة اتفاق مسبق ينص على ألا يعترف أي شخص عن شخص آخر، مهما حدث، وإن كل شخص مسؤول عن نفسه، ولا علاقة لأحد بالآخر».
«وصلت بنا السيارة إلى معتقل الجلمة، وفي الصباح (صباح اليوم نفسه الذي استشهد فيه عزات ابن المناضل شكيب أبو جبل) وقفت أمام المحققين الإسرائيليين أحدهم يدعى «غاد» ويلقب بـأبي علي، حيث قال لي: أخيرا «صادك الفخ.. أنت فيل عصيان، لقد جلبنا لك مروضا حتى أوصلك إلى هنا. وكان يقصد بالمروض عميلاً كان يتابعنا عن كثب».
لم يكن أبو جبل يعرف شيئا بعد عن مصير ولده الشهيد عزات إلى أن بلغه فيما بعد أن مخابرات الاحتلال قامت بعد يوم على اعتقاله باستدعاء كل من: محسن أبو صالح من قرية مسعدة، وتركي العجمي (خال الشهيد) من مجدل شمس، وأيوب أبو شاهين مختار قرية بقعاثا، للتعرف على الجثة التي هي جثة ابنه، وبعد أربعة أيام من احتجازها سلمها الاحتلال إلى نعمان أبو جبل عم الشهيد، حيث ووري الثرى في مسقط رأسه في مجدل شمس.
اعتقالات مسعورة
لقد تعمد الصهاينة بعد اكتشاف أمر أعضاء شبكات المقاومة الوطنية السورية في الجولان المحتل، وبعدما تأكدوا إلى أي حد كان نجاح خلايا المقاومة في اختراق أمنهم ومنظومة معلوماتهم، تعمدوا إشاعة جو من الخوف والرعب والهلع بين الجولانيين، ذلك عبر سلسلة من الاعتقالات الاستفزازية تلك الحملة التي بدأتها من بيت الشهيد «بيت والده المناضل شكيب أبو جبل» إذ بعدما اعتقل الصهاينة والد الشهيد شكيب أبو جبل، اتسعت الحملة لتطول معظم أسماء المقاومين العاملين في الخلايا الوطنية التي كانت بحوزة الشهيد أثناء تنفيذه المهمة وكل المقاومين الذين وردت أسماؤهم في البريد الذي حمله الشهيد، والذين كانوا موزعين في أماكن عملهم في قناة السويس، وخليج إيلات، وبعض المطارات العسكرية الإسرائيلية، وحتى الجولان ومرصد جبل الشيخ، تم القبض عليهم واعتقالهم. وقد ضمت المجموعة كما يوردها المناضل والصحفي أيمن أبو جبل: شقيقه يوسف، فندي أبو جبل، حسين أبو جبل، ، فايز أبو جبل، فوزي أبو جبل، فارس محمود، نجيب محمود، عارف أبو جبل، نصار العجمي، محمد سماره، أحمد خاطر، وماجد العجمي، عادل حسين أبو جبل،. وجميع هؤلاء العناصر كانوا يعملون تحت قيادة والد الشهيد، شكيب أبو جبل.
أما باقي أعضاء خلايا المقاومة، التي تم اعتقالها ضمن تداعيات استشهاد أبو جبل، فشملت مجموعة المناضل المرحوم يوسف شبلي الشاعر، وضمت كلاً من: فؤاد الشاعر، سليمان شمس، حسين الشاعر، المرحوم هايل الشاعر، محمود حسن الصفدي، هاني شمس، حمود مرعي، سليم مرعي. المجموعة الثالثة وضمت كلاً من: أسعد الصفدي، هايل حسين أبو جبل، أحمد القضماني، فارس الصفدي، إبراهيم نصر الله، محمد مرعي، عبدالله القيش، صلاح فرحات، أسعد عبد الولي، رفيق الحلبي، حمد القيش، جميل البطحيش، وسليمان البطحيش. فايز علي الصفدي. المرحوم أبو خزاعي محمود ملي، أبو عدنان محمود الصفدي، صالح مداح، فايز حمود الصفدي، سعيد أحمد المقت، المرحوم سلمان صالح الصفدي. المجموعة الرابعة وضمت كلاً من: يوسف شمس، عصام الصفدي، حسين الصفدي. ومجموعة أخرى ضمت كلاً من حسن محمود عماشة، حمود هايل عماشة، فارس سعيد عماشة، هايل محمود أبو صالح، عدنان كنج أبو صالح، المرحوم خطار زهوة، وفايز الحلبي.
عمل مميز لخلايا المقاومة

كان عمل المقاومة في الخلية التي انتمى إليها الشهيد عزات أبو جبل مميزا وقد تركز في أماكن ومناطق عدة في الجولان المحتل وخارجه، فقد عمل الشهيد عزات مع رفاقه في الخطوط الدفاعية الإسرائيلية على قناة السويس وخط بارليف، كما عمل مع شقيقه يوسف في خليج إيلات أيضا، وعمل خمسة عناصر آخرين في مراقبة التحصينات العسكرية والدفاعية وقدراتها القتالية، وعدد جنودها ونوعية سلاحها، وكلف اثنان آخران جمع الصحف العبرية والعربية التي تطبع وتصدر في إسرائيل، وأحدهما كان يلبس اللباس العسكري الإسرائيلي، كي يتمكن من شراء المجلات العسكرية «بمحني» التي توزع على الجنود الإسرائيليين، وكانت ترسل الصحف يوميا إلى الأجهزة الأمنية السورية، إضافة إلى الصور والخرائط العسكرية والسياحية.
يقول الصحفي أيمن أبو جبل : لقد كانت شبكات المقاومة ترسل المعلومات التي تجمعها إلى القيادة قبل أي عدوان أو تحرك إسرائيلي في غضون 12 إلى 24 ساعة على الأقل، ليكون هناك استعداد كاف للمواجهة وتجنب الأضرار وإفشال العملية الإسرائيلية. ولعل أهمها ما حصل في 2 نيسان 1972، حين خططت إسرائيل لهجوم مدفعي واسع على سورية ولمهاجمة مواقع الفدائيين الفلسطينيين، وخاصة في منطقة العرقوب اللبنانية، إلا أن تقارير ومعلومات المقاومة الدقيقة جعلت القوات السورية تستبق العملية الإسرائيلية، وتقوم بقصف المواقع ومرابض المدفعية الإسرائيلية قصفاً عنيفاً ومركزاً، أحرق الأرض تحت أقدام قوات الاحتلال، الأمر الذي أدى إلى إلغاء العدوان الإسرائيلي المخطط له.
لقد قدمت المقاومة الوطنية في الجولان المحتل، بعد الاحتلال مباشرة، معلومات تغطي نحو 60 بالمئة من المواقع العسكرية في فلسطين المحتلة، و80 بالمئة من الجولان المحتل وشبه جزيرة سيناء المصرية.
الشهيد عزت أبو جبل
ولد الشهيد في 7 آذار عام1951 في مجدل شمس، وأكمل دراسته الابتدائية فيها. ومباشرة بعد انتهاء العمليات الحربية في الجبهة توجه قاطعاً خط وقف إطلاق النار، لمقابلة ضباط في فرع قيادة الجبهة السورية، ومن ثم التقى والده في دمشق، في محاوله لترتيب عودته إلى الجولان المحتل.
وقد تميز منذ يفاعته بالاندفاع الوطني والحماس، وأعجب بالعمل الفدائي الفلسطيني، إضافة إلى وعيه السياسي، حيث استنتج مبكرا أن أحد أسباب الهزيمة العربية في عدوان حزيران هو نقص المعلومات عن العدو.
وقد زودتهم الثورة الفلسطينية بكاميرا من صنع ياباني تصور على بعد خمسة أمتار حتى بعد خمسة عشر كلم، ومسدس، واستطاعوا إرسال رسالة ملغومة وضعت في بريد كريات شمونة إلى طبيب عميد في الجيش الإسرائيلي، أرسلت إليه من منطقة نابلس، وكان هذا متورطا في قتل عدد من الأسرى المصريين، وهو يهودي متطرف، انفجرت الرسالة في يد ابنته أثناء استلامها وفقدت بصرها.

أدهم الطويل
/صحيفة الوطن