سميح شقير كنتُ وسأبقى... مجرّد ثائر!
  16/11/2016

سميح شقير كنتُ وسأبقى... مجرّد ثائر!

| بيروت - من فاطمة حوحو |

تجربتي لم تُربَط بلحظة الثورة... بل سابقة لها وحين انطلقت صارت أغنياتي امتداداً لها

قد يكون الحزن متجذراً في بعض أغنياتي ولكنها مع ذلك قادرة على الاستنهاض

لا بد للفنان أن يُخرج رأسه من المأساة كي يمكنه أن يراها جيداً ويعبر عنها إبداعاً

لم أقتنع بالأجساد السياسية المعارضة... لأنها تتوج فشلها بإهمال الثقافة والفنون


المعارض يطمح إلى السلطة... بينما الثائر حالم دائماً لا يشغله إلا تحسين شروط الحياةمن أغنية «يا حيف» إلى أغنية «إن راح البلد»، يستمرّ الفنان السوري سميح شقير بإعلاء الصوت متمسكاً بوطنه وثورة شعبه، محاوِلاً في زمن القتل والعنف التمسك بالتغيير الديموقراطي أو التعبير عنه، ومعلناً إيمانه بأهمية الحراك المدني من خلال انتمائه إلى «حركة ضمير»، لا الانتماء إلى حزب سياسي معيّن، وبأهمية دور هذا الحِراك في التعبير عن رفْض الاستبداد، على رغم أشكال العنف المستخدَمة والتي أخضعت المثقفين السوريين إلى واقع لا يُحسدون عليه بسبب عدم قدرتهم على التأثير فيه أو السيطرة عليه ولا الخروج منه.

يعيش شقير اليوم مع عائلته في باريس، وهي متنفس له للتعبير الحر ولتطوير التجربة، هو الذي تحدى الظلم بأغنياته الثورية وتركيزه على تقديم الأغنية السياسية منذ بداية انطلاقته الفنية في العام 1982. وبإمكانات متواضعة، عرفت أعماله شهرة واسعة في أوساط المثقفين السوريين والعرب، لا سيما القوى اليسارية، حيث تحول صوت السجناء السياسيين والمعتقلين وصرخة في وجه الاحتلال.

لم يقدم شقير الأغنية السياسية فقط في أعماله، وإن كانت الأساس في انطلاقته، بل تجاوزها إلى الأغنية العاطفية. كتب أغنياته ولحّنها ووضع الموسيقى التصويرية للعديد من المسلسلات والمسرحيات، وكان لفلسطين وبيروت حضورهما القوي في أعماله.

لاقتْ أغنياته الرواج بين الشباب العربي الطامح إلى التغيير، وكثيرون رددوا معه «رجع الخي» و«رمانة» و«بيدي القيثارة» وغيرها من الأغنيات المشهورة، التي قدمها في حفلات خاصة وبمناسبات مختلفة وفي أكثر من دولة عربية وأجنبية.

في غربته، لا يبتعد سميح شقير عن وطنه، وهو يبقى حاضراً في كل حراك مدني وفاعلية لدعم ثورة الشعب السوري، ويدعو الجميع إلى التوحد وإبقاء عيونهم على البلد ليبقى، مندداً بجرائم الحرب وداعياً إلى كشفها ومحاكمة مرتكبيها ورافضاً أيضاً الإرهاب والتعصب كما «الاستبداد وبطش النظام»، وكل ما يحرّض على القتل وإدخال سورية في الجحيم والنار.

على صفحته على «فايسبوك»، ينشر سميح قصائده المعبّرة التي تحكي عن الوجع السوري، عن الأطفال وعن الوطن البائس، عن السجن والقصف والقتل، عن البحر الذي يخطف الباحثين عن الحياة، عن هجرات الموت، عن العشاق المفترقين، عن الألعاب المحطمة، عن دم الأطفال واختناقهم، عن الطائرات المرعبة، عن البسمات والزفرات.

مع سميح شقير كان لـ «الراي» هذا الحوار:

• المعروف عنك في العالم العربي أنك أحد أركان الأغنية السياسية الملتزمة في سورية، وقد عرفتْ أغنياتك شهرة واسعة نتيجة التزامها خط القضايا الكبرى: فلسطين، الديموقراطية، الحرية، التي كانت تشعل الشارع. لكن هذه الأغنية تراجعت كثيراً مع حجم الانكسارات والهزائم، ثم عادت مع الربيع العربي ولكن بشكل مختلف، أغنية حماسية تحاكي الشارع... سميح شقير اليوم بقي يعمل على تقديم أغنيته الملتزمة نفسها وهذا يتجلى بالأغنيات التي قدّمْتها بعيد انطلاقة الثورة السورية. فهل تظن أن هذه الأغنية التي قَدِمت عادت إلى موقعها؟


- لا يمكنني تقدير موقعها لأعرف إن كانت قد عادت إلى مكانتها. فأغنيتنا غير المكرّسة في الإعلام العربي الرسمي وحتى الخاص، من الصعب تقدير مدى انتشارها. وفي الحقيقة إن موضوع الموقع والمكانة لم يأخذ كثيراً من تفكيري يوماً، إذ لديّ نهج في العلاقة مع النص والموسيقى وتقديم أغنية تستلهم موضوعاتها ومشاعرها من هموم الناس وآمالهم. وفي أغنياتي منذ البدء دعوة لتغيير الواقع، ولذلك لم تُربَط تجربتي بلحظة الثورة، إذ هي سابقة لها. ومنذ انطلاق الثورة، باتت أغنياتي امتداداً لها وللحلم الذي تعبّر عنه وتتوق إليه.

أما عن عموم الأغنية التي أنتجتْها الثورات، فيمكن تَلمُّس حالة الغياب التي شكّلتها غالبية التجارب التي كانت مرجعاً وإرثاً للفن الثوري، تاركة سؤالاً معلقاً في قلوب محبيهم من الثائرين عدا حالات نادرة بالطبع. وفي الوقت نفسه، رأينا ملحاحية الهتاف يفوق الحاجة للأغنيات، ولمسْنا كيف لوَّن الثوار ساحات الاحتجاج بالرقص والغناء متكئين على تراثٍ تم تحميله نصوصاً جديدة تُكتب في الشارع وتحتضنها التظاهرات ولا تبالي كثيراً بالمستوى الفني، إذ إن همّها المشاركة في التعبير وتحقيق المشاركة. ومع دخول أصواتٍ تملك موهبةً ما إلى المشهد، أحسسنا بشيء من الأمل، ولكن بعد سنوات عدة من هذا الواقع لم نشهد تطوراً أو مقاربة عميقة من جانب الأغنية تحديداً. وبالرغم من أن انعدام الإمكانات وإهمال دور الثقافة والفنون من قِبَل المعنيين هو أحد أسباب عدم الارتقاء، ولكن يبقى السؤال مطروحاً حول عدم ظهور ملامح فن جديد يرقى فوق مباشرة الخطاب أو فجاجة التعبير المنتشر عموماً. وربما يكمن الجواب في تعثر الانتقال من البُعد السياسي إلى البُعد الاجتماعي لهذه الثورات، بل وارتكاسها تبعاً لطغيان الخطاب الديني والطائفي وانتشاره في مناطق سيطرة هذه التيارات أو من خلال الإحباط الذي مسّ الثوار ذوي التوجه السلمي والديموقراطي مع ظهور ما يمكن تسميته بالثورة المضادة وغياب علم الثورة ومفرداتها الأولى.

• في المقابل نلاحظ أن الحركات الإسلامية استطاعت الترويج لأغنياتها مقابل الأغنية التقدمية إذا صح التعبير. فمَن يستمع اليوم إلى أغنيات الثورة السورية، لا سيما تلك التي تُبث عبر وسائل الإعلام المختلفة، يلاحظ أنها استطاعت أن تَعْبر أكثر إلى الجمهور السوري وتؤثر به، إذ ارتبطت بالواقع التراثي واللغوي وطرحت نفسها كبديل للأغنية السياسية الملتزمة والمتقيدة بشروط فنية معينة؟

- في رأيي أن الأغنية الدينية التي ظهرتْ كان غالبيتها مدعوماً في الإنتاج وفي النشر. ومع ذلك، ولكونها لا تعبّر عن حقيقة الشخصية السورية، فإن الشعب لم يختزن تلك الأغنيات ولم يرددها طواعية، وإن شكلتْ حضوراً سمعياً مرافقاً لمَشاهد الفيديو الحربي الذي انتشر بكثرة. ولكن في النهاية، مع وجود نتاج ولو محدوداً من فنانين متمكّنين، فإن الأغنية السياسية صمدت ببنيتها المعروفة بوجه الأغنية الأيديولوجية الصاعدة بل وتفوّقت في أوقات عديدة.

• كثيرون يطلقون عليكَ لقب صوت الثورة، لا سيما بعد إطلاقك أغنية «يا حيف» التي أشعلت الشارع في درعا. أين أنت اليوم كفنان ملتزم مما يحصل في سورية؟ هل ما زال الشارع السوري يوحي إليك بأعمال جديدة، أم تشعر بالإحباط مثل كثير من المثقفين السوريين اليوم؟


- لم أغب ولم أتوقف عن تقديم أعمال جديدة تحاول أن تكون شاهدة على فظائع المقتلة السورية وخذلان العالم لهذا الشعب ولثورته، ليضاف خذلاننا لأنفسنا وفي ما بيننا وجعاً آخر نحياه. أنا لم أغب، بل ألّفتُ الكثير، لكنني مررتُ بأصعب أوقات حياتي من الناحية المادية ولا سيما مع ندرة الحفلات في المناخ الجديد عربياً وفي المَهاجر أيضاً، فقاربتْ إمكاناتي لإنتاج أغنية الصفر، فيما لم يبرز أي اهتمام من الهيئات أو من أشخاص بدعم وجود مثل هذه الأغنية.

• الواضح أن أغنيتك تميل إلى الحزن وتعبّر عن الألم أكثر مما تحفز على الثورة، بمعنى أنها لا تشبه أغنيات مارسيل خليفة مثلاً أو الأغنية الثورية الأخرى. لماذا؟ وهل هو حجم الفاجعة السورية؟

- صحيح أن الحزن متجذر في العديد من أغنياتي، ولكن مَن قال إن هناك شكلاً محدداً للأغنية القادرة على الاستنهاض؟ ومن قال إن نموذج فنان ما هو المعيار في القدرة على التحفيز؟ وحتى «النشيد» ليس بالضرورة أن يتفوق في التأثير وإثارة الحماسة. ثم من خلال الواقع وما حدث يمكنكِ أن تجدي الإجابة في قدرة أغنية مثل «يا حيف» على تهشيم هذه الصورة النمطية للأغنية الثورية حين استنهضت الملايين بصدقها وملامستها الحقائق الجارحة وليس بإيقاعاتها ولا في الطباق والجناس ونبر القوافي.

• هل نحن اليوم في رأيك أمام فن عربي جديد موازٍ للحراك السياسي، وأين أنت منه على صعيد تطوير تجربتك الفنية لحناً وغناءً؟


- ذكرتُ قبل قليل أنني لم أتلمس حتى الآن بروز تيار جديد في الأغنية يتجاوز المنجز السابق. ولكن علينا ألا نستعجل هذا المتغيّر الآتي لا محالة، فلا بد للفنان أن يكون قادراً أن يُخرج رأسه من المأساة ليستطيع أن يراها كما يجب وليعبّر عنها ويكتشف إفرازاتها، وهذا يحتاج إلى الوقت في كثير من الأحيان.

• هل ما زلت تفضّل أن تكون مستقلاً عن الأحزاب السياسية أم أنك وجدتَ وسيلة للتعبير عن أفكارك من دون الارتهان لأحد، وهل ما زلت في حركة «ضمير» وكيف تقوّم هذه التجربة؟

- نعم وسأبقى مستقلاً، وهذا ما ينسجم مع تجربتي في التعبير الذي لا يخضع لأي سلطة أو أيديولوجيا. ولكنني في «ضمير» لأنها رابطة تجمع المتطلعين في بلادي، على اختلاف ميولهم، إلى بناء سورية الجديدة الحرة والعادلة.

لماذا لا تولي المعارضة وأجهزتها الفعاليات الثقافية الاهتمام الكافي في رأيك، ولماذا إهمال المهرجانات والنشاطات الفنية من جانبها؟ وأليس في ذلك إضعاف لروح الثورة ولقدرة الأغنية السياسية على لعب دورها؟

- هناك فارق يمكن تَلمُّسه بين المُعارِض والثائر. فالمُعارض يهدف في النهاية إلى حصة في السلطة بعد تقليم أظافرها. وبالرغم من معارضته لها، فهو سيكولوجياً يعيش في فلكها، ولذا يأتي في كثير من الأحيان «مقلوب السلطة»، ولكنه لا يقطع معها ومع سلوكياتها. أما الثائر، فجذري وغير ذي مطامع في السلطة، وهو مُضحٍّ وحالِم، وما يشغله هو تغيير الحال إلى شرط إنساني يستحقه فحسب، ولذلك لا أعتبر نفسي معارضاً ولم أجد ما أقنعني في «الأجساد السياسية» المعارِضة، تلك التي يأتي إهمالها للثقافة والفنون في معركة الحرية تتويجاً لفشلها عموماً ولعدم إدراكها أين عمق النهر، ولذا كنتُ وسأبقى مجرّد ثائر.