الأسيرة آمال محمود والقيد الالكتروني في رجلها

لقاء مع الأسيرة المحررة أمال محمود

أجرى الحوار: أيمن أبو جبل ونبيه عويدات..
الأحد 18\06\2006

حين تستمع إلى أمال محمود التي أمضت أكثر من أربعة أعوام ونصف في المعتقلات الإسرائيلية، فانك تستمع إلى امرأة حولتها تجربة السجن والاعتقال إلى مصدر الهام وأحلام وأماني، تترعرع على صدرها المثقل بالجراح.
هل تنسى أمال رحلة اعتقالها، أم هل تغفر عذاباتها، وهل ستتجاوز التجربة بكل تفاصيلها بما حملته من شوق وحرمان وألم وعذابات نفسية وجسدية، رافقت حياتها منذ أن تم اقتيادها من مركز التحقيق في عكا وحتى موعد انعتقاها المفاجئ من أغلال الأسر وقيود السجانين، الذي تقول عنه آمال:
"صحيح أن موعد الإفراج عني كان مفاجئا، إلا أن الشعور بالحرية أكبر بكثير من المشاعر والعواطف التي بقيت هناك داخل المعتقل، مع أني ما زلت أفتقد أخواتي وزميلات قيدي اللواتي تركتهن خلفي يحاصرهن الرعب والقهر والألم اليومي، نتيجة سياسات القمع الاسرائيلي التي تمارس ضدهن، بدء من التفتيش العاري المهين
والمعاملة الاستفزازية اللا إنسانية، ومرورا بالنقص الحاد في الأكل و"الكانتين"، وليس انتهاء بالأوضاع الصحية والمعيشية الصعبة. فرغم وجود العديد من الحالات المرضية، والتي منها حالات القرحة وألم الظهر (الديسك) وضيق التنفس وغيرها من الحالات التي تحتاج إلى العناية الطبية والرعاية المتواصلة، إلا أن إدارة السجن لا زالت تتعامل وفق سياسة المماطلة والتسويف في تقديم العناية الطبية اللازمة، باستثناء حبة "لدكسامول" أو "الاكامول" مع كأس الماء وهو دواء لكل داء يشتكي منه المعتقلين".

اعتقلت امال محمود في تاريخ 24\12\2001، بتهمة الاتصال مع عميل أجنبي (شقيقها وليد الذي يسكن مع عائلته منذ 20 عاما في دمشق)، والتخطيط لنقل معدات قتالية إلى الانتفاضة الفلسطينية، وقدمت ضدها لائحة اتهام تمهيدا لمحاكمتها. وبهذا تكون أمال محمود أول امرأة عربية سورية من الجولان المحتل يصدر ضدها حكم بالسجن لمدة خمسة أعوام. وعن تلك اللحظات تقول امال:

"حين استدعيت إلى مركز التحقيق في عكا كان برفقتي ابني أمل وأخي قاسم وزوجته. لم أكن أتوقع أن يتم اختطافي واعتقالي بهذه الطريقة وهذا الأسلوب. بعد عدة أسئلة من المحقق اخبرني إنني موقوفة، وسينقلونني إلى مركز التحقيق في "الجلمه". لم أكن اعرف ماذا علي أن افعل. أهلي لا يعرفون ذلك، وهم ينتظرونني في
الخارج. طلبت منهم إبلاغهم، إلا أن المحققين، وكانوا ثلاثة، رفضوا ذلك. أخذوني إلى سيارة خاصة خارج غرف التحقيق، ومن هناك رأيت عن بعيد ابني وأخي، فبدأت أنادي عليهم لأخبرهم بأمر اعتقالي، إلا أن المحققين سحبوني بقوة، ومارسوا عنفا كلاميا وجسديا لمنعي من إبلاغهم. لا استطيع نسيان تلك اللحظات التي لم
يحترموا ويراعوا كوني امرأة أولاً، وكوني إنسانة لها حقوق قانونية أساسية، حتى في العرف الإسرائيلي، إلا أنهم ضربوا بكل ذلك عرض الحائط. منذ تلك اللحظات تأكدت انه يلزمني الكثير الكثير من القوة والإرادة لأتجاوز هذه التجربة، التي اعتبرها إنها كانت صعبة وقاسية. لكني كنت على الدوام، وخلال التحقيق، استحضر إخوتي نبيل ووليد، اللذين كانا معتقلين أيضا داخل السجون الإسرائيلية، واستحضر العشرات من أبناء الجولان الذين كوتهم سياط السجن والاعتقال، ومروا بهذه التجربة، وربما في نفس تلك الغرف التي كنت أمر بها.

اعتقالي كان مفاجئا للجميع، ورغم هذا كان هناك أشخاص لم يستوعبوا أن تعتقل فتاة سورية، وتدخل السجن، أسوة بمئات المناضلين من الأسرى من أبناء الجولان المحتل. لكنني اعتقد، ورغم الجدل الذي حصل سابقا حول اعتقالي بين المؤيد والمعارض والناقد، أن المرأة السورية لها حق وعليها واجب أن تساهم مع الرجل في النضال والمقاومة والاعتقال. تراثنا وتاريخنا يشهدان على العديد من النساء اللواتي حملن الهم والعبء إلى جانب الرجل في النضال ضد الاحتلال والتصدي لمخططاته التي تهدف إلى تذويبنا وسلخ انتماءنا، وتشويه هويتنا السورية، وصولا إلى خوض تجربة النضال والصمود داخل أقبية التحقيق وغرف الاعتقال في السجون الإسرائيلية، وهذا فخر كبير لي أن أكون ممن ساهمن في ذلك"

لم يخطر ببال أم وليد، والدة أمال، ووالدها مصطفى محمود، ولا في بال الكثيرين من الأصدقاء والأقارب إن أمال ستقدم للمحاكمة في إسرائيل وستسجن هذه المدة.
تقول والدتها أم وليد:
"اعتقدنا في بادئ الأمر إن اعتقالها بسبب تخويفها وردعها ومنعها من الاشتراك في المناسبات الوطنية، ومنعها من الاشتراك في المخيم الصيفي الذي كانت تتطوع فيه هي وأختها وأخوها كل عام، واعتقدنا إنها ستخرج قريبا جدا، لكننا كنا مخطئين، وهم لا يرحمون أحدا، ولا يحترمون احدا. قضيت
عمري كله في حمل الهموم، لا أتذكر يوما إنني عشت بدونها. اعتقل الكتائب وجيش لحد العميل في جنوب لبنان ابني قاسم، الذي غادر لينضم إلى الحزب التقدمي الاشتراكي مع وليد بك، وبقى في عذابهم 7 أشهر لا نعرف عنه شيئا. وابني وليد اعتقل لمدة أربعة سنوات ونصف، واضطر إلى الفرار إلى دمشق بعد أن اشتدت علينا الظروف، صونا لحياته ومستقبل أولاده. وابني الأخر نبيل هرب من السجن بعد اعتقاله، وبأعجوبة نجا من الموت، وتمكن من الوصول إلى دمشق. لم أراهم منذ ذلك الحين. عمري الآن 75 عاما وما زالت لدي قوة وإرادة وعزيمة أن أؤدي وواجباتي بأكمل وجه تجاه عائلتي ووطني وشعبي، ولا احتاج إلى منة من احد ولا شهادة أي احد آخر على ما قدمه أبنائي تجاه وطنهم الغالي."

تحررت أمال بعد رحلة اعتقالها، لكنها ما زالت خاضعة للاعتقال المنزلي الكامل (إقامة جبرية) حسب قرار الحكم الصادر عليها في لجنة ثلث المدة، بحيث تبقى رهينة المنزل، بدون السماح لها بالخروج منه تحت أي ظرف من الظروف، إلا في الحالات الاستثنائية (مثل الحاجة إلى نقل إلى المستشفى)، مقيدة بطوق الكتروني في رجلها يرصد كل تحركاتها داخل منزلها على مدار الساعة، ويمنع عليها حتى الاتصال الهاتفي مع أشقائها الساكنين في دمشق، بحجة أن شقيقها يشكل خطرا على امن إسرائيل، لاعتباره العميل الأجنبي في لائحة اتهام أمال. لكنها وبأعصاب باردة وقوية تقول:
"اجتزنا الأصعب سابقا ونستطيع اجتياز هذه التجربة أيضا. ما يهمني حقيقة إنني سأنفذ كافة الاستحقاقات القانونية والأمنية المطلوبة مني، حتى انتهاء فترة حكمي الكاملة. مهم جدا لي أن ادخل بعض السعادة والهدوء إلى قلب والدتي ووالدي وابني وكل إخوتي. وأنت ترى أبناء مجتمعنا وقفوا معي والى جانبي بمختلف انتماءاتهم وفئاتهم. لا استطيع إلا أن أسجل كل تقديري واحترامي لأبناء الجولان على هذا الاستقبال الرائع الذي يحظى به الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال عند تحررهم، وهو ما يعبر عن أصالتهم ونخوتهم وإخلاصهم لهذا الوطن الحبيب ولشعبنا السوري الخالد، وتقديرهم للقيمة النضالية التي يحملها الأسير.
كنت أتبادل الرسائل مع إخوتي من أسرى الجولان، ونتحدث من خلالها عن ذاك اليوم الموعود الذي سنحرر به من قيود السجن والسجان، ونجتمع معا فوق ربى جولاننا الحبيب وهو محرر، لكنني وبصدق كنت متفاجئة من حجم هذا الاستقبال".

وعن منعها من التحدث مع أشقائها داخل الوطن وليد ونبيل وزوجاتهم وأولادهم فتقول آمال بغصة تتحشرج في حنجرتها:
" إنني أحبكم جدا ومشتاقة جدا للتحدث معكم، وأتوق إلى معانقتكم جميعا، لكن للضرورة أحكام، آمل أن لا تقلقوا عليّ أبدا. انتم مررتم بهذه التجربة الحلوة والصعبة في آن واحد. أتمنى لقاءكم القريب على ارض الجولان، وسأتحدث معكم إنشاء الله حال انتهاء هذه الشروط الصعبة عليّ. فقط اعلموا إنني بألف خير. كنتم معي طيلة هذه الفترة، وقد حملت أمانتكم بكل إخلاص وحب وكنت محل ثقتكم".

يطول الحديث كثيرا مع آمال، ويتوقف هذا اللقاء عدة مرات لتقوم بواجب استقبال المهنئين القادمين إلى منزلها، وفي كل مرة يتجدد عنفوان آمال حين تتحدث عن رفيقاتها الأسيرات الفلسطينيات، اللواتي أعلن منذ يوم الأحد الماضي، أي بعد تحرر آمال بثلاثة أيام، إضرابا عن الطعام، احتجاجا على الانتهاكات المستمرة بحقهن داخل
المعتقل. وتستحضر مع كل وفد جديد بعضا من ذكرياتها الكتابية التي تكونت بالمراسلة مع أسرى الجولان في معتقل الجلبوع، وتلك الأيام القليلة التي قضتها هي وممثلة الأسيرات أمنة منى في ترتيب حديث وحيد وسريع مع الأسير وئام عماشة، المحكوم لمدة 20 عاما، حديث تم عبر الشباك وعلى مسافة بضعة أمتار تفصل بين سجن النساء وسجن الرجال، وهذا كان سبباً لنقل وئام من سجن هداريم".

وعن أصعب لحظات اعتقالها تقول آمال أمام ضيوفها:
"حين انتهت فترة التحقيق دخلت إلى سجن النساء في الرملة. كان معي فتاة تبلغ من العمر 14 عاما وأسيرتين. كان كل شيء جديد علي، كبيئة وواقع وقوانين. استطعت منذ البداية ان أتأقلم معها دون أي مشاكل، وتعرفت على البنات وبنينا شبكة علاقات أخوية. ادركت ان علي ان انسجم جيدا، والا فان عامل الزمن سيفعل فعله في معنوياتي وصحتي. اشتركت معهن في كل شئ ضمن الحياة الاعتقالية المشتركة، لكن أصعب الأيام التي مررت بها حين أدخلوني إلى غرف العزل ووضعوني مع سجينات جنائيات، ليست لديهم لا قيم ولا مبادئ، وما يهمهن فقط هو ذواتهن واحتياجاتهن من مخدرات وتسهيلات. تعبت كثيرا في تلك الايام وطالبت بنقلي، الا ان الاستجابة استغرقت بعض الوقت. لكن الحمد لله تجاوزت ايضا هذه التجربة وعدت إلى بين أخواتي الأسيرات" .

وكلمة أخيرة تقولها أمال عن كيفية احتمالها شروط الإفراج عنها:

" أنا معتادة على ملائمة أوقاتي، وتعبئة برامجي من الناحية الثقافية. كنت أتمنى أن أمارس الرياضة لكن وضعي الصحي يمنعني من ذلك بسبب عملية "الديسك" في العمود الفقري، لكن رغم ذلك أنا ما زلت استقبل الضيوف والزوار، وبقرب والدتي وأهلي وابني، وعشرات المحبين والأصدقاء والأقارب، الذين أتوق إلى لقائهم يوميا، للتعويض عن فترة الانقطاع داخل المعتقل. سأستغل هذا الوقت بالتعرف على أمور جديدة لم أكن اعرفها مثل الكمبيوتر والانترنت. هناك متسع من الوقت حتى ينتهي كل ذلك. أتمنى أن ينتهي لأعود إلى ممارسة حياتي من جديد، وأمارس حقي كإنسانة حرة دون أية قيود تكبلني إلى جهاز الكتروني أو قيود السجن.

اخيرا انتهز هذه الفرصة لاعبر عن شكري وامتناني لابناء شعبي على وقفتهم مع قضايا الاسرى والمعتقلين، واخص بشكل خاص وشخصي المحامي نبيه خنجر والمحامية ليئا تسيمل على كل ما بذلوه من جهد من اجل إطلاق سراحي. إن الكلمات تعجز عن ترجمة افكاري ومشاعري، لكنني اقول ان القيد علمني اننا في الجولان وفلسطين اصحاب قضية وهم واحد، معاناتنا واحدة واحتلالنا واحد وهدفنا واحد هو كنس الاحتلال واعادة الحقوق الى اصحابها الشرعيين".
 

لتحضير المقالة للطباعة إضغط هنا
عقب على المقالة

عدد التعقيبات على هذه المقالة هو 6

تحيا البطولة
المرسل : بنت مسعدة
بتاريخ : 08/01/2006 2:39:28 AM

الحمدلله على السلامه يا ابطل ومنتمنى الافراج القريب لجولان ونديم ولؤي وقلوبنا معكم

الحمدلله على سلامتك يا بطله
المرسل : محمد العيسمي
بتاريخ : 23/06/2006 5:54:29 PM

نحن في السويداء نفتخر بك وباهلنا بالجولان المحتل ونتمنى لك ان تعوضي كل دقيقه خسرتيها في سجون العدو الغاشم

مجدل شمس
المرسل : من الجولان
بتاريخ : 22/06/2006 11:37:24 AM

الحمد الله على السلامه وان شاء الله الفرج التام اللك ولباقي الاسرى

كل اتقدير لامال
المرسل : جولانيه
بتاريخ : 21/06/2006 9:16:31 PM

صافحت امال بحرارة وعانقتها ,هناتها بعودتها بالسلامه دخلنا غرفة الصالون وكان الزوار رجالا ونساءا يتقاطرون لتهنئتها ومما اعجبني ورايت فيه انجازا بان الرجال يتعاملون مع الموقف على حقيقته ولم اشعر بان هناك دور للفكر التقليدي على اعتبار انه لازال هناك بعض الفروقات التي تمارس ضد المراة في مجتمعنا ,وبان امال استطاعت ان تقوم بدور اي مناضل شاب باقدامها وشجاعتها وايمانها العميق بمبادئها . اواكثر ما اثار المي واستفزازى ذلك الطوق الالكتروني في قدمها والذي يحدد مسافة تحركها في الدار ,لابد ان السيدة امال استجمعت الكثير من قوة الارادة والصبر وسعة الافق لكي تعبر تجربة السجن ,بينما نحن هم الذين خارج التجربه اثار غضبنا بشدة مجرد طوق الكتروني ورايت فيه امتهان شديد لحق الانسان فما بالنا بالسجن الفعلي ؟ ,

تحية للأم العظيمة
المرسل : عاشقة الوطن
بتاريخ : 20/06/2006 4:43:52 PM

أعلم أن الأسيرة العظيمة قد عانت الكثير و ستحتاج للكثير حتى تستطيع نسيان ما فعلوه بها أولئك الأوغاد, و لكنني أود أن أوجه لها تحية احترام و تقدير و اعجاب بشخصيتها ..و أتمنى من الله أن تكون الأيام القادمة أحلى و تحمل لنا حرية أرضنا حتى نقضي ما بقي من العمر هناك على ربوع الجولان الحبيب الذي بات هاجساً لجميع الجولانيين المبعدين و التي أنا واحدة منهم ,,أتوق لتلك اللحظة و الألم في قلبي يزداد يوماً بعد يوم و لكن عندما نرى و نسمع عن شخصيات كشخصية المناضلة آمال نشعر بالأمل و التفاؤل قبلاتي و تحياتي الحارة لك أيتها العظيمة

لا يوجد
المرسل : محمد
بتاريخ : 20/06/2006 3:21:27 PM

يسلم ثمك يا امال..الحقيقة تستحق كل التقدير ولاحترام على قدرتها على مقاومة المعاناة والصعوبات..من العدو الاسرائيلي