فكرة الموت

كتبته نسرين الولي، بتاريخ 10\01\2005

الموت هو النهاية التي تتحدى كل القيم وتكذب كل المزاعم وتلقي على المطامح والأحلام ظلال الفناء,  لهذا كان الحلم الأكبر منذ فجر الإنسانية هو التخلص من الموت. إن خوف الإنسان من الموت كان يحثه باستمرار على العمل على إلغائه,  كان أبيقور يقول: " الموت غير موجود بالنسبة إلينا , فطالما نحن أحياء فليس ثمة موت , وحين يجيء الموت , فنحن لا نكون أحياء",  انه يريد بالعقل المجرد أن يلغي المواجهة مع الموت, أن يمحو الفناء كواقعة أليمة لا يستطيع الإنسان تقبلها أو تعقلها,  لأنها هي اللا معقول غير المفهوم. لقد اهتم الناس بتناسي الموت ودفن أفكارهم عنه بشتى الحيل والأساليب التي لا تقل شانا عن الاهتمام بدفن موتاهم, فخير طريق إلى السعادة هو ألا نفكر بما لا حل له ولا علاج.

السؤال الملح دائما:  لماذا نخشى الموت طالما أن حياتنا مليئة بتجارب الموت؟

لماذا يثير فينا كل هذا القدر من الخوف,  ما دام الموت هو نسيج الموجود البشري,  وكل ما في التجارب السلبية يحدثنا عن الموت؟ فالحياة نفسها هي الموت,  لأننا نبدأ  رحلة الموت منذ ولادتنا,  ويمكن أن نقول عن حياتنا أنها المدة التي تستغرقها عملية موتنا, فنحن نموت لأننا نحيا,  وقد نحاول تناسي الموت حين نكون بصحبة الآخرين ,ولكننا ما نكاد ننفرد بأنفسنا حتى تستبد بنا فكرة الموت,فالوحدة تضعنا أمام وجودنا الخاص ووجودنا الخاص هو موتنا, والإنسان يموت وحيدا وليس أقسى عليه من الشعور بأنه سيموت وحده,  وان العالم سيستمر من بعده دون أن يحفل بغيابه,  فالموت واقعه فردية تزيد الوحدة من قسوتها,  وربما كان من           أسباب الخوف من الموت أننا نتصور أنفسنا أننا سنظل أحياء في موتنا نفسه, وكان الموت هو شعور حي بالفناء وليس موتا محضاً.

الموت ظاهرة إنسانية أي خاصة بالإنسان ومختلفة عن فناء الحيوان أو ظاهرة الانحلال الطبيعي, ونحن نجد ظاهرة احترام الموت والموتى عند الإنسان منذ أقدم العصور, ممتزجة بالفزع من هول الموت نفسه,  تتجلى بطقوس الدفن والاحتفال بأعياد الموتى,  وكأنها تمثل إصرار الإنسان على الاعتقاد بان الميت ليس شيئا أو موضوعا أو فكرة,  وإنما هو كائن حاضر يدور بين ال "أنا" والـ "أنت".

إن موت الإنسان ينطوي على سر عميق لا يفسره الحديث عن بقاء النوع البشري أو استمراره, فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك يقينا مزعجا عن حقيقة موته, ويبدو أن عقل الإنسان قد انبثق مقترنا بالخوف من الموت,  فأصبح لديه ذلك الشعور بالموت والخوف من الموت.  ويظل الموت سرا  مغلفا بالأساطير والخرافات, وليس الموت بالنسبة للإنسان مجرد مشكلة,  وإنما هو سر,  فالمشكلة شيء يلتقيه الإنسان من الخارج يحول دون تقدمه,  في حين أن السر ينفصل عن صميم وجوده ما دام الوجود زمنيا متناهيا,  وعلى الرغم من أن الموت حقيقة لا شك فيها, اى انه سر ما يزال مستغلقا .

كان باسكال يقول: "كل ما اعلمه  انه قد قضي علي بالموت, ولكن ما اجهله اشد الجهل إنما هو هذا الموت نفسه باعتباره شيئا لا سبيل لي إلى الخلاص منه.."، لا أحدا يستطيع أن يقف ساكنا حيال سر الموت الذي يكمن في أعماق وجوده.

إن فكرة الموت هي اصل كل تساؤل ميتافيزيقي,  وهي التي تضفي على شعورنا  بالحياة مل ما له من قيمة وأهمية وحيوية,  فما تكاد فكرة الموت تغيب عن أذهاننا حتى تستحيل الحياة إلى ملهاة أو تسلية,  أي أن الموت هو الذي يدفعنا إلى مواجهة الحياة.

فالموت هاوية سحيقة لا ينال المرء من وراء النظر فيها سوى الشعور بدوار عقلي عنيف, فالموت ليس انتقالا أو تحولا بل هو حضور الغياب ووجود العدم.

حاول بعض الفلاسفة إثبات أن العالم لا يعرف العدم, أو اللاوجود, أو اللاشيء, الذي نتحدث عنه,  بمعنى أن العالم لا يعرف انه يفنى, في حين أن الفرد يعرف انه لامحا ل ميت.  وقد يفسر بعض الفلاسفة أو العلماء واقعة الفناء بالاستناد إلى فكرة التطور, أو ضرورة التجديد, أو شريعة البقاء للأصلح, أي ان الفناء يستلزم اختفاء الأجيال القديمة الشائخة كما تقوم مكانها أجيال أخرى فتية, ولكن هذا لا يبرر موت الشخص الفرد لان الفرد البشري هو حقيقة ذاتية لا يمكن استبدال غيرها بها لأنها نسيج وحدها,  وحزن الأم لموت احد أبنائها لا يعوضه بقاء أبنائها الآخرين أو إنجابها لنسل جديد...

كتبته نسرين الولي، بتاريخ 10\01\2005