ماذا
يستطيع الفلسطينيون فعله بعد اليوم؟
فها هي قياداتهم تُغتال الواحد بعد
الآخر، ولم يعد أحد مستثنى من قبل
إسريكا (إسرائيل + أمريكا)، إذ جميعهم
تحت مرمى الطيران الإسريكي بمن فيهم
رئيسهم عرفات، القابع محاصراً في مقره
في المقاطعه منذ ثلاث سنوات. فقد أعلن
السفاح الإسرائيلي، سيد العالم شارون،
وبكل وقاحة، أن عرفات غير مستنثنى من
خططه الجهنمية. وشريعة الغاب، التي
فرضتها إسريكا، أصبحت القانون الوحيد
الذي يحكم العالم، وما يحق لإسريكا لا
يحق لأحد، فهي فوق القوانين والشرعية
الدولية، ومن يتجرأ على قول كلمة حق
يصبح إرهابياً ودمه مهدور.
إن
ما تفعله إسريكا اليوم ليس عاراً على
العرب فحسب، بل هو عار على العالم
أجمع، فرغبات إسرائيل ونزواتها هي
التي تسيير وتحدد أولويات السياسة
الخارجية الأمريكية، وعدو إسرائيل
يتحول لعدو لأمريكا، فتجد أمريكا
القوة الغاشمة والتبريرات اللازمة
لضربه والفتك به بغير وجه حق، ضاربة
بعرض الحائط بكل القوانين والمواثيق
الدولية، واضعة العالم أجمع على فوهة
بركان متفجر.
إذاً،
وفي ظل موازين القوى الإقليمية
والعالمية، ماذا يستطيع الفلسطينيون
أن يفعلوا؟
الجواب
واضح وضوح الشمس، فلا يستطيع
الفلسطينيون أن يفعلوا شيئاً آخر الآن!
فالعدو من أمامهم، والعدو من خلفهم،
والعدو من فوقهم، وليس لهم سند في هذه
الدنيا، سوى أرواحهم التي ملأت السماء
ودمائهم التي فاضت بها الأرض. ولا
أعتقد أن شعباً آخر في العالم، في
العصر الحديث، قد عانى ما عاناه
ويعانيه الشعب الفلسطيني، فقد فاق حجم
الظلم الذي لحق به أي تصور، وفاق حجم
الإثم الذي لحق العالم المتفرج كل
معيار، وفاق حجم العار الذي لحق العرب
كلّ قدرةٍ لإنسان يعرف معنى الكرامة
على التصور.
لا
يمكننا أن نخرج اليوم وبعد اغتيال
الرنتيسي في مظاهرات استنكار وتنديد!
فقد جربنا هذا السلاح واتضح لنا جلياً
عدم جدواه- فهل ردعت استنكاراتنا
ومظاهراتنا إسريكا؟ أصلاً، هناك خلل
في فهم العرب للتظاهر. فالتظاهر أتى
ليشكل وسيلة تعكس مزاج الجماهير، تشكل
ضغطاً على الحكومات المنتخبة من قبل
جماهيرها لتتخذ (الحكومات) سياسات تخدم
هذه الجماهير، وإلا، فإن مصير هذه
الحكومات معروف. فلماذا نتظاهر إذاً؟
والأنكى أن المسؤولين في دولنا
العربية يشاركون في هذه المظاهرات!
نعم، إلى هذا الحد يستخف المسؤولون في
الدول العربية بعقولنا ومشاعرنا! إن
التظاهر والاستنكار هما مضيعة للوقت،
فلنلتزم بيوتنا احتراماً لذاتنا،
ولنختلي بأنفسنا ولنفكر ماذا عسانا
نفعل مفيداً في هذا الوقت العصيب؟
إن
مفتاح القضية في يدنا نحن الجماهير
العربية، فنحن قادرون على الكثير،
ولكن ذلك يتطلب منا التضحيات الجسام،
ويبدوا أننا غير قادرين على تقديمها في
هذه المرحلة، وإذا أردت أن أكون أكثر
دقة، فإننا، كشعوب عربية، لم ننضج بعد
إلى المستوى الذي يمكننا من إحداث
تغيير. فلكي نستطيع ذلك علينا أولاً
إجراء تغييرات جذرية في بنيتنا
وعقيدتنا الاجتماعية، وهو أمر مستحيل
التحقق في المستقبل القريب، وأنا لا
أريد أن أطلب من أحد ما هو ليس بمقدوره
الآن.
ليس
بمقدورنا، في هذه الظروف الاستثنائية
التي تعيشها الشعوب العربية، المهددة
بالزوال كأمة، أن نطلب من أحد أكثر من
طاقته! ولكننا نستطيع أن نطلب الحد
الأدنى، الذي يتوجب على القادرين
القيام به. وهناك شخصان ما من شك في
أنهما قادران على فعل شيء، هو الحد
الأدنى المطلوب منهما، ولا ينقصهما
لتنفيذه إلا الإرادة، وهما الرئيس المصري
حسني مبارك، والملك الأردني عبد الله
بن الحسين. فهذان الشخصان تربطهما
بإسرائيل اتفاقيات سلام، وعلاقات
دبلوماسية واقتصادية، وحدود مفتوحة.
هذان الشخصان هما الوحيدان القادران
الآن على القيام بشيء وجب عليهم القيام
به منذ ثلاث سنوات. فالاستنكارات غير
مطلوبة منهما، بل الأعمال. عليهما
فوراً تعليق اتفاقيات السلام مع
إسرائيل، وإغلاق الحدود، وقطع
العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية
معها. فمصر والأردن ليستا من جمهور
المتفرجين، بل هما طرف في الصراع، إلا
إذا أراد أحد إقناعنا بأنهما ليستا
دولتين عربيتين، فهذا هو السبب الوحيد
الذي يعفيهما من المسؤولية...