The Golan الجولان


علينا أن نبني المؤسسات فهي الطريقة الوحيدة

بقلم نبيه عويدات - مجدل شمس

(كتبت هذه المقالة قبل عدة أشهر، ولكنها لم تنشر عندها لأسباب لا مجال لذكرها هنا)

لفت نظري مقال بعنوان إفلاس العقلية الفردية، كانت جريدة السفير اللبنانية قد نشرته، قبل أيام، للدكتورة بثينة شعبان وزيرة المغتربين السورية. فنحن في الجولان شريحة من المجتمع العربي الكبير، نعاني ما يعانيه هذا المجتمع من مشاكل، ونتّبع نفس الأساليب في إدارة أمورنا- هذه الأساليب التي أثبتت فشلها الذريع، وأوصلت العرب إلى أقصى درجات الذل والهوان، والإفلاس على كافة الصعد.

لعل أهم ما جاء في المقال نقطة أساسية، تلامس وضعنا في الجولان، وتتطلّب من العديد من الشخصيات القيادية "الوطنية"، أن تعيد حساباتها وسياساتها من جديد. (أقتبس من المقالة) : "علّ أهم درس يمكن لنا جميعاً أن نتعلمه من الدول المتقدمة عدا عن العلوم والفنون والاقتصاد هو أن المؤسسة هي الأهم من كل الافراد وأن مجموع المؤسسات تشكل وطنا يزدهر وينتعش، بينما تستمر حركة الأفراد بعضهم قادم والآخر مغادر في حركة سلسة وطبيعية تتحكم بها قوانين البقاء للأوطان والمساواة في الفرص والتمييز في الكفاءة وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب واعتماد أسلوب التقييم العلمي لكل جهد بعيداً عن أي معيار آخر يتكئ على الوصاية أو الأهداف الأنانية الصغيرة. وعلّ العقبة الأساسية التي تقف في وجه هذا التفكير هي العقلية المطلقة التي تصنف الآخرين إما مع وإما ضد وتصنف الثقافات إما صديقة وإما عدوة دون العمل على الاستفادة مما يمكن لنا الاستفادة منه، والوقوف في وجه ما قد يهدد هويتنا أو ينال من كرامتنا. هذه العقلية التي أصبحت اليوم تتمسك بمقاليد الأمور في مناطق عدة في العالم هي التي تغذي عن قصد أو غير قصد عقلية العنف والإرهاب والتعصّب وهي التي تجعل الحلول المرضية للجميع أبعد منالا". (نهاية الاقتباس).

لا بد لأي مجتمع، يريد التطور والتقدم والازدهار، ويريد أن يحقق لأبنائه طموحاتهم وأحلامهم، ويريد أن يحفظ لهم كرامتهم، من أن يعتمد على المؤسسات، والمؤسسات المجتمعة هي المجتمع المنظّم، الذي يعتمد الأساليب العلمية والقدرات الدفينة فيه، ليسخّرها للهدف المبرمج والمدروس في خدمة أبناء المجتمع ومستقبلهم.

نحن، وللأسف، لا زلنا نعتمد النخوة العربية في تسيير أمورنا، فنشحذ همم النشامى عندما تحل بنا أزمة تهدد كياننا ومصيرنا. فمجتمعنا هائم على وجهه بدون قيادة تسيّر أموره اليومية وتخطط لها، بدون هيئة مؤهلة، تعتمد الكفاءات المهنية، تخطط لمستقبله ومستقبل أبنائه، فكيف لهذا المجتمع أن يكون مجتمعاً سليماً وعصرياً، وأن يواكب المجتمعات المتطورة الناجحة، وأن يلبي لأبنائه طموحاتهم!!!

تقول الوزيرة بثينة في مقالتها (اقتباس): "أن ما مرّ على العرب في السنوات الأخيرة جدير بوقفة جادة مع الذات وجدير بمراجعة حقيقية شاملة لأسلوب عمل قد أثبت إفلاسه وتوضّحت نتائجه المدمّرة، إذ أنّ المكابرة على الخطأ والاستمرار في تجاهل الواقع سيقود إلى التهلكة. والعبرة الأولى والأهم هي أن العقلية القبلية قد أثبتت إفلاسها وأنه لابد للجميع من وضع أسلوب عصري لبناء الأوطان يعتمد التجارب الناجحة في العالم ويبني على ما حققته حتى اليوم وليس في هذا غضاضة على الإطلاق لأن التجارب البشرية تتلاقح وتتقاطع دائماً لما فيه خدمة المسيرة الانسانية وتطورها". (نهاية الاقتباس).

إن المجتمعات المتحضّرة تبذل الجهد والأموال الطائلة لتعليم أبنائها، ليكونوا رافداً لها، ولكي تستفيد هذه المجتمعات من خبراتهم، فيقود هؤلاء الأبناء هذا المجتمع للارتقاء به إلى الأفضل، فماذا نفعل نحن بأبنائنا المتعلمين؟

إن في مجدل شمس 1700 أكاديمي من أصل الـ 9000 نسمة الذين يعيشون فيها- وهي نسبة تطمح إليها المجتمعات الأوروبية، فهل نستغل نحن خبرتهم ومعرفتهم، حتى ولو المهنية منها؟ وأين يأتي دورهم في خدمة المجتمع، إذا كانت القيادة التقليدية تستبعدهم من المشاركة في تسيير أمور المجتمع وتقرير مصيره؟ وتصل الأمور أحيانا، إذا تجرّأ أحد على طرح فكرة جريئة، إلى حد اتهامه بـ "الخيانة" أو "التآمر"، فأصبح هذا الأمر يردع الكثيرين عن مجرّد التفكير في طرح الأمور.

إن إحدى أهم المشاكل، التي ستشغلنا في القريب، هي هجرة أبناء الجولان المتعلمين، الذين يرون مدى سوء الأمور ورداءتها. هؤلاء، الذين لا يقبلون أن يستمر هذا الضياع. أنا أعرف شخصياً عن عشرات طلبات الهجرة المقدّمة إلى سفارات كندا وأوستراليا، وقد قدمها أشخاص من خيرة أبناء هذا المجتمع، فهل لنا أن نتوقف ونتساءل: ما سبب تفكير هؤلاء بالهجرة؟ مع العلم أن أمورهم المعيشية ممتازة، وهم ناجحون على صعيد مهني!

إنني لا أضع اللائمة على الزعامة التقليدية وحدها، فهؤلاء يظنون أنهم على حق، وهذه هي معرفتهم وطريقتهم في إدارة الأمور، بل ألوم الجيل المثقف الجديد، الذي انشغل بتحسين حياته المعيشية الشخصية، تاركاً الهم الجماعي، الذي هو بنهاية الأمر هم شخصي لكل واحد منّا. أليست إدارة أمور بلدتنا تهمنا؟ أليست مدارسنا التي تعلّم أبناءنا تهمنا؟ نحن نشكل حوالي 50% من سكان البلدة البالغين، وباستطاعتنا أن نغيّر الكثير من الأمور، فلماذا نتقاعس عن ذلك?

تقول السيدة بثينة أن العقلية القبلية قد أثبتت إفلاسها، وأنه لا بد للجميع من وضع أسلوب عصري لبناء الأوطان، وتقول أيضاً، أن العقبة الأساسية التي تقف في وجه التطور هي العقلية المطلقة التي ترى الأمور من جهة واحدة، وأنا أؤيّد الوزيرة فيما تقول، لأنه الصواب، فعقلية المشيخة والزعامة قد أعلنت إفلاسها، والمجتمعات القبلية أصبحت على هامش التاريخ... فإذا أردنا التقدم والارتقاء بمجتمعنا إلى مصاف المجتمعات الراقية، علينا أن نبني المؤسسات فهي الطريقة الوحيدة الكفيلة بذلك.

nabeeh@jawlan.org

:أرسل تعقيبك على البريد الالكتروني