أين
اختفى عسل جبل الشيخ؟
بقلم نبيه عويدات - مجدل شمس |
يحكى، أن مزارعاً كان يعيش في بلدة نائية، تجثم على سفوح جبل شامخ، إسمها مجدل شمس. كانت الثلوج، في فصل الشتاء، تغطي قمم هذا الجبل، ويغدو كشيخ اعتمر عمامة بيضاء، فأطلق عليه أهله إسم جبل الشيخ.
كان أهل البلدة يعملون في تربية النحل، فيعتاشون من بيع عسله الذائع الصيت، ذي الطعم الفريد.
ويعود سر طعم عسل جبل الشيخ، إلى كثرة أشجار التفاح والكرز فيه، فكان النحل يتغذى على زهرها، فيختلط زهر الكرز بزهر التفاح لينتج مزيجاً له نكهة فريدة، لا تجدها في أي عسل آخر.
وكان أهل البلدة يعملون بجد ونشاط، ليحافظوا على سمعة عسلهم. كيف لا، وهو فخرهم ومصدر رزقهم، فيحرصون على أن لا يتغذى النحل على أي أنواع أخرى من الزهر، غير التفاح والكرز، فيضعونه في أماكن خاصة، في قلب البساتين.
لم يكن منتوج العسل كبيراً، مقارنة مع إنتاج العسل في المناطق الأخرى، ولكن جودته العالية كانت تمكن منتجيه من بيعه بأسعار عالية، فيفوق ربحهم ما كان يجنيه الآخرون.
وتقول الحكاية، أن مزارعاً طماعاً، لم يكن يكفيه ما يجنيه من تربية النحل، فأخذ يفكر في خطة تكسبه المزيد من الأموال، وأقنع الأهالي أن يوكلوا إليه تربية نحلهم. وكان كلامه المعسول، ووعوده المغرية، كافية لإقناع هؤلاء المزارعين بأن يسلموه أغلى ما عندهم، وهي خلايا النحل، التي تعبوا الأيام والليالي في تربيتها، وجعلها نحلات تفوق باقي النحل نشاطاً، و وتنتج عسلاً لا يقدر على إنتاجه نحل آخر.
وانصرف المزارعون إلى أعمالهم وحياتهم اليومية، مطمئنين أن نحلاتهم في أيد أمينة، منتظرين اليوم، الذي سيحصلون فيه على الأموال الطائلة، التي وعدهم بها ذلك المزارع الطماع.
وفي هذه الأثناء، كان المزارع الطماع ينفذ خطته البشعة، فكان يأخذ نحلات المزارعين، الذين أتمنوه عليها، ويضعها في أماكن أخرى بعيدة، لا يوجد فيها لا كرز ولا تفاح، فكانت النحلات المسكينة، الجائعة، تتغذى على ما تيسر لها من الزهر الفاسد.
وكان المزارع الطماع مطمئناً، لأن خطته كانت تقضي أن ينتظر حتى يأتي موسم جني العسل، ويأخذ ما تنتجه هذه النحلات، فيخلطه مع القليل من عسل جبل الشيخ، الذي خبأه من العام السابق، فيحصل بذلك على محصول وفير وجودة عالية.
وكانت فرحة الغشاش كبيرة، عندما جنى محصول العسل، فقد كان المحصول كبيراً جداً، بل أكبر مما كان يتصوره.
إلا أن الشكوك بدأت تساوره، عندما بدأت تفوح من العسل رائحة غريبة وكريهة. فقرّب أنفه أكثر واشتمه ثانية، ليتأكد عندها أن رائحة العسل بالفعل فاسدة. ثم قرب أنفه من العسل، الذي خبأه من العام السابق، واشتمه، فكانت رائحته عطرة، كما هي رائحة عسل جبل الشيخ دائماً.
وقال في نفسه:بعد قليل سأخلط العسل بعضه ببعض، فأحصل على كمية كبيرة من العسل. وستغلب رائحة عسل جبل الشيخ على رائحة العسل الآخر، فيشتريه الناس على أنه عسل جبل الشيخ، وأجني بذلك الكثير من الأموال.
ولكن فرحة الغشاش الطماع لم تدم طويلاً، فبعد خلط العسل، تبين له أن رائحته كانت فاسدة أيضاً، فخسر بذلك العسل كلّه...
ولم يدر الطماع ما يقوله للمزارعين، الذين ائتمنوه على نحلاتهم، فما كان منه أن جمع حاجياته وغادر البلدة، تحت جنح الظلام، إلى جهة غير معروفة.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد عسل جبل الشيخ ذلك العسل المميز، ولم يعد أهله يفخرون به، حتى أنهم أصبحوا لا يعبؤن بتربية النحل...