الجولان بحاجة إلى تدخل رسمي سوري
كتبه نبيه عويدات، بتاريخ
06\01\2005
كثر الجدل العلني في الآونة
الأخيرة عن العلاقة بين الجولان المحتل والوطن الأم سوريا، وعن الأداء الرسمي
السوري وضرورة وفاء الدولة بواجباتها اتجاه هذا الجزء المحتل من الوطن؛ هذا
الجدل الذي كنا نسمعه حتى الآن همساً خجولاً، أو على شكل حوارات شفهية، لم
تخرج للعلن لأن الاعتبار السائد حتى الآن كان: ما دمنا تحت الاحتلال فإنه من
الخطير أن نفتح هذا الموضوع للنقاش، لأن ذلك من شأنه أن يسيء للموقف الوطني
ولصورة الوطن في عيون الأجيال القادمة، معتبرين أن علينا أن نريهم الوطن
بصورته البيضاء الناصعة والتي لا تشوبها شائبة، وأنه بعد أن يتحرر الجولان،
ويعود لأحضان الوطن، فليعبر وقتها كل عن آرائه وليطرح انتقاداته كما يشاء.
يبدو أن 37 عاماً من
الاحتلال ألقت بظلالها الثقيلة على المجتمع الجولاني، فأصبح بحاجة ماسة
لرعاية الوطن الحقيقية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. فالاحتلال عمد مباشرة
بعد سقوط الجولان في قبضته إلى فصله التام عن الوطن الأم، فألغى المناهج
التعليمية واستبدلها بالمناهج الإسرائيلية، وألحق الاقتصاد الجولاني بدائرة
الاقتصاد الإسرائيلي، و أغلق الطريق إلى الشام مانعاً بذلك السكان من التواصل
مع الوطن بأي شكل من الأشكال، ليقع الجولان وسكانه بذلك في القبضة
الإسرائيلية التامة ويرزحوا تحت سياسة الاحتلال التي لا تضمر أي خير لهم بكل
تأكيد.
لقد ألغى الاحتلال، ومنذ
يومه الأول، جميع علامات السلطة الوطنية ومؤسساتها، مستبدلا إياها بمؤسسات
تابعة له وخاضعة لسياساته العدوانية اتجاه السكان، وظف فيها
قلة من ضعيفي النفوس من الذين سقطوا في شباكه. هذه المؤسسات أصبحت
فيما بعد الوسيلة التي يكافئ بها الاحتلال أزلامه، فيوظفهم فيها، مشكلاً بذلك
طعماً ووسيلة لإسقاط العديدين من الذين أغلقت بوجههم أسباب المعيشة. وفي نفس
الوقت شكلت هذه المؤسسات بؤراً تحاك فيها المؤامرات ضد المواطنين وضد
انتمائهم للوطن الأم. وأغرب ما في الأمر أن سلطات الإحتلال لا تمول هذه
المؤسسات من ميزانياتها، وإنما تمول من جيوب
المواطنين الذين يجبرون على دفع الضرائب الباهضة لها، دون تلقي أية خدمات
تذكر مقابل هذه الأموال، فتكون هذه المؤسسات بذلك مجرد وسيلة لتأمين عيش
المتعاونين معها.
في هذه الظروف أصبحت هناك
حاجة ماسة لوجود مؤسسات وطنية بديلة لمؤسسات الاحتلال، تشكلها وتديرها
الأغلبية الوطنية في هذا المجتمع، تحافظ على مصالحه وانتمائه الوطني الحقيقي،
وتعطل مخططات الاحتلال الرامية إلى تجهيل الأجيال القادمة وسلخها عن انتمائها
الوطني والقومي، وتحمي الأرض المحتلة من السلب وتبرز
هويتها العربية السورية، وتلبي احتياجات هذا المجتمع التربوية والاجتماعية
والاقتصادية. هذه المؤسسات التي من شأنها أن تؤمن الوظائف للمواطنين، ساحبة
بذلك البساط من يد الاحتلال في التلاعب في لقمة عيشهم واستدراج ضعيفي النفوس
منهم، وتؤمن لهم الخدمات الضرورية لتطورهم وبقائهم.
هناك عدة أسباب وراء غياب
هذه المؤسسات الوطنية، منها الشخصية المتعلقة بالتركيبة الاجتماعية للمجتمع
الجولاني، وأخرى الموضوعية المتعلقة بالعلاقة مع الوطن الأم سوريا:
المجتمع الجولاني لا يزال
مجتمعاً عشائرياً (عائلياً)، يكن أفراده الولاء أولاً وقبل كل شيء للعائلة،
ولا تزال الأمور تدار على هذا الأساس، فتشكل القيادات وتتخذ القرارات بناء
على كبر العائلة ووزنها وليس بناء على كفاءة الأشخاص، ويتخذ بعض الأفراد أدواراً لا تتناسب مع مصداقيتهم
الاجتماعية، الأخلاقية، أوالوطنية، دون أن يتمكن أحد من الاسئناف على ذلك.
هذه العقلية المسيطرة تحارب قيام المؤسسات بكل ما أوتيت من قوة، لأنها ترى
فيها عدوها الأول الذي سيسحب البساط من تحت أقدامها، ويجعل القرارات تتخذ
بناء على المصلحة العامة وليس بناء على مصلحة شيخ هذه العائلة أو تلك. ولذلك
حاربت هذه القوى، العائلية والرجعية، قيام المؤسسات في الجولان واستخدمت كافة
الوسائل، بما فيها توجيه تهمة الخيانة الظالمة، وتأليب المجتمع الجولاني
والوطن الأم سوريا على المبادرين لتأسيسها. وفي نفس الوقت هناك قصور كبير في
أداء الأفراد الذين تحرروا من الذهنية العشائرية، وهم ليسوا قلة،
ويريدون للجولان أن يكون مجتمعاً مدنياً عصرياً، فهم غير قادرين حتى الآن على توحيد صفوفهم، والاتفاق
فيما بينهم على صيغة لتشكيل أطر تضمهم، ليتمكنوا من العمل من خلالها للتأثير
على اتخاذ القرارات في المجتمع، وقد فشلت كل المحاولات على هذا الصعيد بالرغم
من إدراك الجميع لأهميتها.
لقد استجابت الحكومة السورية
للعديد من الطلبات التي
قدمها سكان الجولان
المحتل، بدءاً من فتح أبواب التعليم الجامعي أمامهم، مروراً بتعويض المعلمين
المفصولين من قبل الاحتلال الاسرائيلي، وانتهاءاً بالموافقة على بيع التفاح
الجولاني في الأسواق السورية- بالرغم من ما سببه هذا من إحراج سياسي للحكومة
السورية. ولكن هذه الاستجابات كانت دائما عاطفية ولم تعتمد الآليات
السليمة لتنفيذها، وبالتحديد لأنها نفذت، وعلى طرفي خط وقف إطلاق النار، من
خلال أشخاص لهم اعتباراتهم الشخصية وانتماءاتهم السياسية وليس من خلال مؤسسات
حكومية أو أهلية ذات مصداقية شعبية. ولا يسعني هنا إلا أن ألقي
بجزء من اللوم علينا نحن سكان الجولان الذين لم نرق بعد
للمستوى المطلوب من التنظيم والوعي، واستغلال هذا التجاوب لسوريا الرسمية مع
معظم الطلبات التي نقدمها لها.
ما ذكر يبرز الحاجة إلى جهة
تمتلك القدرة على توجيه المجتمع والتأثير على أفراده، وخاصة المستأسدين منهم
بعائلتهم الكبيرة أو انتماءاتهم السياسية أو مراكزهم الاجتماعية.
ومن غير الحكومة السورية يمكن أن يلعب هذا الدور؟! فهي الجهة الوحيدة الملزَمة بذلك والتي تمتلك كامل المصداقية، ولا يمكن لأحد أن يشكك بنواياها اتجاه
مواطنيها الرازحين تحت الاحتلال، وتمتلك المقدرات والمؤهلات اللازمة للعب هذا
الدور. ومن المهم هنا أن يتم التعاطي مع الموضوع من قبل مؤسسات وطنية
سورية مدنية، تعمل بالتشاور والتعاون مع كافة الفئات الوطنية في الجولان،
وبغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية، من أجل تبني مشروع
وطني واضح، وقيادة وطنية موحدة تستطيع تحمل أعباء الجولان وتنظيم العلاقة مع
الوطن الأم، هذه العلاقة التي لا تلبث تثير لغطاً متجدداً، حول مستحقات على
الحكومة السورية أن تؤديها اتجاه مواطنيها الواقعين تحت الاحتلال.
يتساءل العديد من
الجولانيين، وبحق، عن سبب غياب وزارة، أو مؤسسة حكومية مدنية سورية، تعنى بشؤون
الجولان المحتل وتسهر على تنظيم أموره والتخطيط لمستقبله، أو مؤسسات خيرية
تتبنى مشاريعاً تنموية في الجولان وتقدم العون للمواطنين، وعن ضرورة أن تكون
العلاقة بين الحكومة والمواطنين منظمة بشكل سليم، تحكمها مؤسسات الدولة
وسياساتها المدروسة والمتبناة اتجاه الأرض المحتلة، التي من شأنها أن تنقذ
الجولان من حالة الفوضى والضياع الاجتماعي التي
يعيشها، خاصة وأن أحداً لا يعلم كم من الزمن يسدوم هذا الاحتلال...
كتبه نبيه عويدات، بتاريخ
06\01\2005
|