نبيه عويدات

 

 

 

 

عندما تنفقد العقلانية وتسيطر العنجهية

كتبه: نبيه  عويدات

لكن العرب كانوا بحاجة لخمس سنوات فقط، كي يستجمعوا قوتهم ويلقنوا الإسرائيليين درساً لن ينسوه إلى الأبد، ليدخلوا إلى كتب التدريس، في الكليات الحربية في العالم، أساليب جديدة في اختراق الخطوط الدفاعية، وعمليات الإنزال المعقدة في قم الجبال...

يذكرني مسلسل الرفض الإسرائيلي، الذي نشهد حلقاته في الآونة الأخيرة، بذلك المشهد الشهير من مسرحية ضيعة تشرين، حين يرد "المختار" على كافة أسئلة موفد لجنة تقصي الحقائق الدولية بجوابه الشهير "NO"، بشكل تلقائي، ودونما فهم أوتفكير. وليعذرني المرحوم نهاد قلعي على هذا التشبيه بينه وبين مجرم الحرب أريئيل شارون، ولكن شدة التشابه بين المشهدين هائلة لدرجة أنه يصعب تجاهلها.

ربما يكون الفارق الرئيسي بينهما، وهو فارق ظاهري فقط، وهو أن "المختار" كان يجيب بنفسه على كل الاسئلة، بينما في المثال الإسرائيلي ينضم كافة الوزراء الإسرائيليون إلى رئيسهم، ليشكلوا معاً جوقة واحدة، يتسابقون فيما بينهم ويتفننون  في طريقة الرفض.

أما أشد وجوه التشابه فهو الغباء السياسي الذي اتسم به "المختار" في المشهد المسرحي، ورئيس ووزراء الحكومة الاسرائيلية في الواقع. هذا الغباء الذي أحرج إسرائيل دولياً وعراها من كل الأكاذيب، لتظهر بصورتها الحقيقية الرافضة لأية تسوية مع سوريا، ولتبين لمن لا زالت لديه الشكوك من دول وشعوب العالم، أن إسرائيل هي العقبة الوحيدة أمام التسوية السلمية في الشرق الأوسط- أللهم إلا الولايات المتحدة، التي أصيبت على ما يبدو بداء الكلب الإسرائيلي، ولا تبدو في الأفق أية وسيلة لعلاجها.

لقد برهنت الحكومة الإسرائيلية، وبشكل جلي، افتقاد السياسة الإسرائيلية، والساسة الاسرائيليين، إلى أبسط أساسيات البروتوكول السياسي، ناهيك عن قصر النظر الاستراتيجي، في معالجة قضية مصيرية كقضية تسوية الصراع العربي الاسرائيلي.

إذ يبدو أن حالة النشوة العارمة، والعنجهية، التي تعيشها الدولة العبرية، نتيجة الظروف السياسية العالمية المواتية لها، والدعم الأمريكي الأعمى لسياساتها العدوانية، والإعلام المسيطر عليه صهيونيا، الذي قلب الضحية إلى إرهابي والإرهابي إلى مدافع عن الحضارة والانسانية، قد أعمى بصيرة قادتها عن أن الوقت الحالي هو أنسب الأوقات وأفضلها، لمصلحة إسرائيل، أن تعقد سلاماً مع العرب، وتنهي بذلك الصراع بينها وبينهم بأبخس الأثمان وأقل التكاليف. فالأمة العربية اليوم تعيش أسوأ لحظاتها، ولا أعتقد أن يوماً سيأتي أسوأ من من هذه الأيام.

بدلا من ذلك تضع إسرائيل شروطاً تعجيزية لاستئناف المفاوضات. فماذا يعني أن تضع شرطاً أن يتخلى عدوك عن سلاحه قبل بدء المفاوضات معه؟ أنه يعني أنك تطلب منه أن يستسلم، ولا أعتقد أن سوريا تضع هذا الخيار في قائمة خياراتها المستقبلية. وإسرائيل تدرك ذلك جيداً، وهي تقصد من وراء ذلك أمرين: الأمر الأول هو التهرب من استحقاق استئناف مفاوضات السلام، الذي أصبح مطلباً دولياً ضاغطاً. والأمر الثاني هو إهانة الطرف السوري، في إطار حرب نفسية، وذلك من خلال طرح الشروط بطريقة عنصرية استعلائية، تفتقد إلى الحد الأدنى من اللباقة الدبلوماسية.

لو كان في السياسة الاسرائيلية بعض من العقلانية والمنطق لسارعت اليوم من تلقاء ذاتها لاستئناف المفاوضات، وعقدت السلام مع سوريا ولبنان والفلسطينيين، لأن المنطق يقول أن أفضل اللحظات لإنهاء الحرب عندما تكون متفوقاً على عدوك، لأنك عندها تستطيع فرض الشروط التي ترغب بها والخروج بأقل الخسائر- وفي حالة إسرائيل بأكثر المرابح، لأنها ربحت الأرض ولم تخسر شيئاً.

يدهشني ضعف الذاكرة الإسرائيلية! فبعد هزيمة عام 1967 صرح وزير الحربية الإسرائيلي وقتها، موشي ديان، أنه لن تقوم لهؤلاء الهمجيين (العرب) بعد اليوم قائمة، وأن أمام الإسرائيليين عدة عقود من الرخاء والهدوء. لكن العرب كانوا بحاجة لخمس سنوات فقط، كي يستجمعوا قوتهم ويلقنوا الإسرائيليين درساً لن ينسوه إلى الأبد، ليدخلوا إلى كتب التدريس، في الكليات الحربية في العالم، أساليب جديدة في اختراق الخطوط الدفاعية، وعمليات الإنزال المعقدة في قم الجبال..

ربما غاب عن ذهن الإسرائيليين أن المجتمعات البشرية في حالة تغيير دائم، نزولا أحياناً وصعوداً أحياناً أخرى، فتسود شعوب وتبيد شعوب أخرى، وتخلق امبراطوريات وتزول امبراطوريات أخرى، وأن العرب قد وصلوا الآن إلى أسفل المنحدر، والخطوة الحتمية التالية هي في اتجاه الأعلى، أما الإسرائيليون فهم الآن في القمة، والخطوة الحتمية التالية هي الانحدار في اتجاه الأسفل.