The Golan الجولان


التمزق الأخلاقي

بقلم  د. مجيد أحمد قضماني - مجدل شمس

بمقدور الفرد، عندما ينضج اجتماعيا ، ان يوجه نشاطه ، ويجعل المهمات التكتيكية تابعة للخطط الاستراتيجية، ويتعلم التصرف حيال الظروف الاجتماعية العينية التي يحياها ومع ذلك بمقدوره ان يحافظ على " اناه"، دون الذوبان في الظروف الجارية... ولكن الحاجة الى النشاط تتشكل عند الإنسان الاجتماعي، لا في سياق التطور الفردي وحسب، بل ايضا في سياق التطور التاريخي.... وليس دائما عادات "التعميم" و "المشاعة" و "الاغتراب" تعطيه الاتجاه الصحيح... فالإنسان المدرك لوضعه بصفته عضوا في وحدة بشرية معينة وفي ظروف اجتماعية محددة، يعتبر قد نضج فعلا وارتفع الى حد ان يفهم ان حياته  لا تجري "كما يحب" او "كما يجب" بل تجري "كما يمكن" ..والناس الفعليين لا يعظون باخلاق مجردة عامة... وهم لا يتقدمون من الناس بطلب "اخلاقي": احبوا بعضكم بعضا، مثلا او "لا تكونوا انانيين، والخ.. وهم  يعرفون جيدا ان هذه الوصايا كاذبة منافقة...... فالعلم الديالكتيكي يقول ان كل ظاهرة للأخلاق، كل معيار، كل فضيلة، انما هي في حركة دائمة– تولد وتتطور وتموت.... ولا وجود للأخلاق المطلقة او  خارج العملية التاريخية الملموسة... نعم، يعيش الإنسان ويعمل بدافع كثرة من الحاجيات. وفوق الحاجات الحيوية المألوفة، هناك حاجات روحية اكثر تعقيدا... ولكن توجد أيضا عند الإنسان حاجات اجتماعية عليا ولكنها لا تتواجد فيه منذ ولادته... و القيم "الإنسانية"  لا تجري بفعل النضوج البيولوجي (وان تكن ترافقه) بل تجري في سياق التفاعل الاجتماعي...  فالعقيدة المادية العلمية تنطلق من الفهم الاجتماعي التاريخي لجوهر الإنسان، وتراه في تغير ذاتي دائم، في نشاط الإنسان الاجتماعي.  ان جوهر الإنسان لا تقرره طبيعته البيولوجية الفيزيولوجية، ولا تمنحه اياه قوة خارقة الطبيعة، ولا وجود لنماذج جاهزة من التاريخ يتم إسقاطها قسرا على مراحل مختلفة من التطور الإنساني... فالتاريخ والحياة الاجتماعية، والحركة الاجتماعية وبحث الإنسان عن "الإنسان بداخله" يتم في سياق عملية نشوء وصيرورة... والعالم الموضوعي المحيط بالإنسان موجود بغض النظر عن إدراكنا له.. ولكننا واهمون بأننا مستقلون عنه وخارج سياقه... أقرَ "كانت" أن الإنسان في ميدان الأخلاقية "يخضع لقانونه الخاص وكذلك للقانون العام"، ولكنه لم يعط تفسيرا لهذا الواقع الأساسي، لانه لم يتعامل مع علاقات أخلاقية فعلية، بل مع متطلبات مجردة، مع الشعارات المتسامية...، فالأخلاق ليست الا أحد أشكال الوعي الاجتماعي وتفهم على ضؤ مفهوم تاريخي فلسفي معين. والمثالية كتيار فلسفي ترى مصدر الأخلاقية في مجال الروح الذاتي او الموضوعي الذاتي.. وتربطه في نهاية المطاف بما هو أشبه بـ "وصايا الله" ...انها،  أي الأخلاقية المثالية، تظهر من مكان ما في الخارج... وهذا ما يكشف لا علمية المثالية وأحيانا كذبها السافر في تفسير الأخلاق... فالأخلاق عند المثاليين  خارج الناس، لا من حيث اصلها، بل من حيث وضعها الفعلي، فهم، أي المثاليون، يضعون القيم الأخلاقية  ارفع من الإمكانيات الفعلية لدى الناس الفعليين وقد صور هؤلاء المفكرون الأخلاق بصورة امل، امل مغر، ولكنه موهوم. أما المادية كفكر فلسفي فهي تنزع عن الأخلاق كل مسحة صوفية، فهي تعتبر المثل العليا والمعايير والفضائل القائمة بوظائفها في المجتمع انعكاسا للعلاقات الفعلية (القيمية) بين الناس وتعبيرا عن المصالح، وبمثابة مطالب فئات اجتماعية في ظروف اجتماعية محددة... و الأخلاق التي تظهر منعزلة عن الواقع المعاش والتي تدعو إلى "القيم الخالدة" و "المقدسة" يفسره التمزق الأخلاقي الفعلي الذي يعاني منه المجتمع أو الفرد المنظر لهذه الوصايا...

 

nabeeh@jawlan.org

:أرسل تعقيبك على البريد الالكتروني