تميز
القرن الماضي بكثرة النظريات التي
عالجت التربية وبحثت بالأسس القوية
والمتينة لتشكيل شخصية قوية متماسكة
قادرة على التكيف مع الذات والمجتمع
.
النظريات
كثيرة ومختلفة المنشأ لهذا علينا
كأفراد في المجتمع الذي ننتمي إليه أن
نختار ما يناسبنا ويناسب مجتمعنا من
أجل ضمان التكيف والنجاح الذاتي
والاجتماعي , وهذان شرطان أساسيان في
نجاح الشخصية .
فعلينا
كأبناء هذه البلدة أن ننمي عندنا وعند
أبنائنا المقدرة على النقد البناء لكل
ما يصل إلينا , وهذه المهارة النقدية
تمكننا من اختيار ما يناسبنا ويسعى بنا
للارتقاء . لأن أصعب ما يواجه الشخصية
الضعيفة هو عدم مقدرتها على التمييز
بين ما هو إيجابي وما هو سلبي وبهذا فهي
تتبنى كل ما يعرض أمامها بصرف النظر عن
فائدته أو مضاره .
من
هنا ننطلق بسؤال هام جدا وهو
:-
ما
هو السبيل للتربية السليمة ؟؟؟
أول
الشروط للتمكن من العطاء والبناء من
خلال التربية هو بناء علاقة ثقة بين
الأهل والأولاد, هذه العلاقة تكون
نتيجة لعلاقة أسرية طويلة ارتكزت على
الحب والتقدير, على الحوار والمشاركة,
على التفاهم والتفهم, وعلى الثبات في
سلوك الوالدين تجاه مواضيع خاطئة
يسلكها الأولاد, هذه العلاقة هي تربة
خصبة للعطاء ُتمكن الأهل من زرع كل
القيم التربوية والاجتماعية
والأخلاقية في نفوس أولادهم، وبذلك
يضمن الأهل تشكل شخصية قوية معطاءة على
الصعيد العائلي والاجتماعي والوطني
.
هنا
لابد من تفسير مصطلح الثبات في سلوك
الأهل تجاه سلوك الأبناء الخاطئ, فهذا
الثبات هو الذي يدعم شخصية الطفل
والمراهق ويجعله يتقيد بقوانين وقيم
الحياة. ويمكنه من تشكيل شخصيته
بالصورة السليمة, هذا السلوك لا يعني
كبت الأولاد أو التقليص من حريتهم أو
المساحة التي يمكنهم من خلالها التحرك
بحرية. فالعلاقة
الأسرية المبنية على الحوار والمشاركة
كفيلة بإعطاء الأهل والأبناء الحرية
في التصرف لكن ضمن حدود تضمن عدم الضرر
بشخصية ومستقبل الأولاد.
سنعرض
مثالا لموقف من مواقف الثبات حول
القرار السليم لسلوك الأهل :-قد يتوجه
الابن أو الابنة أبناء التاسعة أو
العاشرة أو جيل المراهقة إلى الأهل
بالأسلوب التالي:
أمي,
بعد أسبوع عيد ميلادي وأريد أن أدعو كل
أصحابي وأريد منك ومن البابا عدم
التواجد بالبيت أثناء الحفلة لأننا
نريد أن نأخذ حريتنا بالرقص والغناء
واللعب.
هذا
السلوك قد يكون هو الشائع بالمجتمع
ولكن علينا أن نتوجه لأنفسنا ونسأل هل
هو سلوك سليم تربويا أم لا؟ هنا
فائدة تشكل مهارة التوجيه الذاتي
والتوجيه النقدي, على الأهل هنا التصرف
بشكل منفرد منطلقين من مصلحة الأبناء
بغض النظر عن سلوك الآخرين. فنحن نعلم
بأن ترك الأولاد بحفلة يمرحون ويلعبون
كما يرغبون دون تواجد الأهل من حولهم
فيه الكثير من المخاطر على الأولاد.
لهذا على الأهل أن يرفضوا هذا الطلب
ويوجهوا الأولاد لشكل الاحتفال السليم
تربويا واجتماعيا.
ردة
فعل الأولاد ستكون متشابهة عند الأغلب
وهي الغضب.. الدخول للغرفة الخاصة بهم,
ضرب الباب بقوة, الصراخ وترك بعض
الكلمات هنا وهناك...
" انتوا ما بتحبونيش .. كل الأهل بحبوا
أولادهم أكثر منكم ." ويكررون " كل
الأولاد هيك بيعملوا.. وكل الأهل هيك
بيعملوا إلا انتوا ".
الأولاد سيحاولون مرارا إقناع الأهل,
ويركزون على أنهم لا يريدون أن يكونوا
مختلفين عن الآخرين .
على
الأهل هنا الإشارة إلى أن من طبيعة
الناس والمجتمع الاختلاف والتشابه
فنحن نشبه الآخرين بأشياء ونختلف عنهم
بأشياء أخرى. نشبههم ونقلدهم بالأمور
الإيجابية ونختلف عنهم بالأمور
السلبية
.
على
الأولاد الوصول لقناعة بأننا علينا أن
نكون مع المجتمع بأشياء وضده بأشياء
أخرى هي الأشياء السلبية
.
على
الأهل عدم القلق من هذا السلوك لأن
الأولاد بحاجة لهم، وهذا لن يشكل عندهم
كما هو الاعتقاد السائد عقد نفسيه، على
الأهل التأكد من أن الأولاد بحاجة لهم
لأنهم هم مصدر الأمان والحب والرعاية
وإشباع حاجاتهم ورغباتهم.. قد يغضب
الابن لكنه بالنهاية وبعد مرور
الوقت
ينضج ويتأكد من أنه أخذ الرعاية
الكافية من الأهل لأنهم دربوه وعلموه
كيف يسلك السلوك الصحيح ويبتعد عن
السلوك الخاطئ دون التمثل الأصم لكل ما
يعرض أمامه .
إذا
لابد من التأكيد بأنه علينا كأهل أن
ندرب ونعلم الأولاد السلوك الحسن
والسليم وعلينا عدم الخوف من رفض
السلوك الخاطئ لأن هذا هو الأسلوب
التربوي السليم لخلق شخصية متوازنة
.
أكدنا
سابقا بأنه علينا ولكي نتمكن من العطاء
التربوي وتعليم الجيل أن نبني علاقة
ثقة بين الطرفين, أما إذا لم تكن موجودة
هذه العلاقة فالحياة بين الوالدين
والأبناء سيسودها التوتر والقلق, فإذا
كانت الحياة الأسرية تخلو من الحب
والتقدير.. تخلو من الحوار والتفاعل
فأن الأولاد لن يتقبلوا الأهل
وإرشاداتهم، وفي الأغلب يتصرفون عكس
ما يرغب الأهل . لهذا فبناء علاقة الثقة
أمر ضروري لنجاح الرسالة التربوية
.
فعندما
نقارن بين الأولاد وأخوتهم أو بينهم
وبين أبناء الجيران.. هذه المقارنة
تشعر الابن بعدم احترام الأهل له، وعدم
محبتهم واعتزازهم به وبشخصيته, فيبدأ
بالمشاكسة والتصرف عكس ما يرغب الأهل
وبذلك نسهم في تشويه شخصيته داخليا
وخارجيا .
الأهل
الذين يهملون أطفالهم , فالطفل أو
الابن سوف يهملهم وسوف يضرب نصائحهم
عرض الحائط, لأنه يشعر بأنه لا يساوي شي
بالنسبة لهم, فهم لا يحبونه ولا
يقدرونه لهذا فهو يتجه بنفس الاتجاه.
لتفادي
هذه النتيجة المقلقة علينا منذ
البداية احترام أولادنا وعلينا
الاعتزاز بصفاتهم وقدراتهم وعدم
مقارنتهم بغيرهم من الأولاد. فكل نفس فيها من الجميل الكثير
الكثير وفيها من القوة والأدب ما يبعث
على الاعتزاز والاحترام والتقدير.
فعلينا كأهل أن نشعر الطفل بمحبتنا له
وبتقديرنا له ولجهوده وحثه على متابعة
المشوار لكي يصل لمستقبل ونتائج أفضل
.
علينا
التأكيد بأنه على الأهل منذ البداية
عدم السماح للسلوك الخاطئ بالتشكل,
فالطفل الخلوق المهذب المبدع المحاور
والاجتماعي يبدأ بتلقي التربية
السليمة منذ الطفولة المبكرة
من حياته ،
لهذا على الأهل إتباع السلوك التربوي
السليم والواضح والثابت منذ الطفولة
المبكرة.. فهناك صفات أو نزعات غرائزية
تولد مع الأولاد على الأهل تهذيبها منذ
الأشهر الأولى, مثل النزعات العدوانية
أو الأنانية فعلى الأهل تهذيب هذه
النزعات منذ الطفولة لتساعد الطفل على
تشكيل شخصية إنسانية اجتماعية مهذبة
ومتكيفة مع الآخرين وبذلك ترتقي شخصية
الطفل الذاتية والاجتماعية
.
هناك
سلوك تربوي شائع في مجتمعنا ولكنه خاطئ
تربويا وهو يعمل على تشكيل شخصية
فوضوية وغير نظاميه, هذا السلوك يقول
ويطرح ما يلي :-
على
الأهل إعطاء الحرية بالتصرف للأطفال
لكي تتشكل شخصيتهم بشكل سليم. إعطاء
الحرية للطفل بالتعبير بالطريقة التي
تناسبه دون قيود ودون مراقبة. هذا
المفهوم خاطئ لأنه سوف يعوِّد الطفل
على العمل العشوائي والفوضوي
.
التربية
السليمة صحيح أنها تشجع الأهل على
إعطاء الفرص للأطفال لكي يختبروا
العالم جيدا ولكن عندما يقوم الطفل
بسلوك خاطئ علينا إرشاده للسلوك
السليم لكي يسلكه. هنا لابد من الإرشاد,
فنقوم كأهل بالتحدث للطفل وتعليمه
السلوك السليم وفائدته.. وبذلك نبعده
عن السلوك الخاطئ الفوضوي. مثال على
ذلك الكتابة أو الخربشة فالطفل ابن
السنتين بحاجة لاختبار هذه التجربة
فيمسك القلم ويبدأ بالخربشة حيث من
طبيعته إتباع الأثر المتبقي من وراء
القلم، هذه التجربة
ضرورية للطفل ولكن الخطأ الدارج عندنا
هو إعطاء القلم للطفل فيبدأ بالخربشة
هنا وهناك على الحيطان والأثاث
واليدين والوجه، هذا التعلم هو تعلم
خاطئ فالأهل بهذا السلوك ينمون لدى
الطفل الفوضى والعشوائية
وتشجعه على عدم التقيد بالأنظمة
والقوانين. لهذا على الأهل منذ البداية
إحضار القلم وشرط أن يكون غير مؤذي
للطفل مع الدفتر أو الورقة وإرشاد
الطفل إلى أن الكتابة والرسم تكون
بالقلم على الدفتر أو الورقة. فنكون
كأهل ساهمنا بتشكل سلوك متعلم سليم عند
الطفل.. وأرشدناه إلى وجود قواعد
وأنظمة لكل سلوك من سلوكياتنا
.
هذا
مثال من أمثلة كثيرة.. مثل جلوس الطفل
على الطاولة.. هذا سلوك غير سوي.. علينا
كأهل مباشرة إرشاده إلى أن الجلوس على
الكرسي.. والطاولة لأهداف أخرى
...
هناك
صفتان لا بد للأهل من غرسها وتعليمها
للأطفال منذ الصغر لتفادي مشاكل في
المراهقة والرشد .
الصفتان
هما :-
* السيطرة الذاتية .
*
احترام
الآخرين .
لماذا
السيطرة الذاتية؟ لأنها تمكن الفرد من
السيطرة على نوازعه الداخلية
والمثيرات الخارجية وبذلك يتمكن من
التفكير بهدوء وعقلانية وموضوعية أمام
كل سلوك يقوم به .
هذه
المهارة علينا تعويد الأولاد عليها
منذ الصغر, فالطفل الذي يحترم موعد
النوم لأن الأهل أرشدوه إلى أن النوم
ضروري لبناء الجسم والعقل ويساعده
بالتركيز والتحصيل الدراسي يذهب للنوم
بالموعد المحدد متجاهلا التلفاز
والمثيرات الجذابة حوله, فهذا السلوك
يعبر عن قدرة
هذا الشخص بالسيطرة الذاتية على
نوازعه والمثيرات الخارجية ويعبر عن
قدرة تربوية عالية عند الأهل استطاعوا
زرعها عند الطفل فتشكلت عنده السيطرة
الذاتية التي تجعله يختار ما هو
لمصلحته العقلية والجسدية
والاجتماعية .
هذا
الطفل سيتمكن بالمستقبل من ضبط نفسه
بشكل جيد وعندها سيختار المناسب له
ولكن هذا لا يبعد المسؤولية التربوية
عن الأهل فعليهم في المراهقة متابعة
المراقبة الغير مباشرة لأن هذا يضمن
سلامة المشوار خاصة أن الحياة العصرية
مليئة بالمخاطر والمخاوف التي يضعف
أمامها الكبار أصحاب العلم والمعرفة
والخبرة .
إذا
لابد من التوجيه والمراقبة المباشرة
بالبداية ومع تشكل السيطرة الذاتية
والتوجيه الذاتي لدى الفرد تتحول
المراقبة التربوية لتكون غير مباشرة
.
الصفة
الثانية وهي :- احترام الآخرين
:-
احترام
الآخرين .. احترام حقوقهم وشعورهم هذه
الصفة تضمن تشكل شخصية اجتماعية ناجحة
بالمستقبل .. قادرة على التكيف مع
الآخرين
.
فكيف
لي كأم أن أنمي هذه الصفة عند ابني ؟؟
متى
عليَّ البدء بتعليم هذه المهارة أو تلك
؟؟
كما
أسلفنا سابقا أن تعليم المهارات
والأنظمة وتلقي كافة الدروس التربوية
والفكرية والسلوكية تبدأ مع بداية
حياة الفرد , فآداب الحديث والاستماع
للآخر مثلا نعلمها للطفل منذ أسابيعه
الأولى .. فعندما تقوم الأم بالتوجه
للرضيع وتتواصل معه بصريا ولفظيا يبدأ
الطفل بالاستجابة لها ويصدر بعض
الأصوات عندها على الأم أن تصمت ليقوم
الطفل بدوره بعد أن يتوقف الطفل تعود
الأم للتفاعل اللفظي وبذلك تتبادل
الأدوار مع الطفل ويتعود الطفل على
سلوك جيد وهو الإصغاء ثم المشاركة
.
بعد
هذه التجربة تستمر التربية السليمة
والتي تهتم بزرع القيم والقوانين عند
الطفل .. يبدأ الطفل باللعب والمشاركة
الحركية مع اخوته في البيت أو مع أطفال
آخرين .. في هذا الجيل تكون لدى الطفل
نزعته الأنانية في أوجها لهذا على
الأهل التنبه لهذا والعمل على تهذيب
هذه النزعة .. من أجل إكسابه قدرة على
احترام الآخرين وحاجاتهم ورغباتهم ..
مثال على هذا .. نورد هذا المثال الشائع
.. عندما يجلس الأخوة مع بعض .. وكل منهم
يلعب بلعبة مختلفة .. يبدأ أحدهم
بالصراخ راغبا بالحصول على لعبة يلعب
بها أحد اخوته .. هنا يمكن للأهل أن
يغرسوا في نفسية الطفل أول القيم
الأخلاقية وهي احترام حق الآخر .. إضافة
إلى أن سلوك الأهل الإيجابي والسليم
يعوِّد الطفل على إمكانية تهذيب
غرائزه ونزعته وتعوده على إمكانية
تأجيل تلبية حاجاته .. ولكن كيف يمكننا
أن نصل لهذه النتائج
الجيدة ؟؟
يتم
الوصول لهذه النتائج عندما لا نلبي
رغبة الطفل ونقوم بنزع اللعبة التي
يطلبها من أخيه أو من صاحبها بل نعمل
بعكس هذا التصرف .. نجلس بجانب الطفل ..
ونتحدث إليه .. وإخباره بأن اللعبة التي
بحوزته هي من حقه الآن أما الأخرى فهي
من حق الآخر وبعد قليل سيتم تبادل
الألعاب .. وبذلك يمكنه أن يلعب بها كما
يشاء .. بهذا التصرف نقوي لدى الطفل
صفتان هامتان وهما سيطرته على ذاته ..
ورغباتها .. واحترامه للقوانين والقيم
.. التي تضمن له احترام الآخر ورغباته
...
علينا
أن نركِّز .. بأن على الأهل عدم
الاستجابة للطفل عندما يبدأ بالبكاء
والصراخ طالبا الحصول على اللعبة التي
بحوزة الآخر .. بل المتابعة بالحوار
والشرح حتى تصل إليه الفكرة وعليه هو
أن يستجيب للمنطق السليم .. إذا ضعفت
الأم أمام هذا الصراخ فهي تشجع الطفل
على هذا
السلوك فيبدأ بالصراخ والبكاء والغضب
كلما أراد الحصول على شيء , ولكن إذا
قامت الأم بهدوء بإقناعه وبأنها
لن
تستجيب له إلا إذا سلك السلوك التربوي
السليم الهادئ والمؤدب .. فيقوم بطلب
اللعبة من صاحبها بهدوء فإذا سمح له
بها يمكنه اللعب بها أما إذا رفض فعليه
انتظار دوره وهكذا نسهم في بناء شخصية
سليمة .. قادرة على احترام حق الآخر ..
قادرة على المشاركة والحوار .. قادرة
على السيطرة على غرائزها ونوازعها
الداخلية .. فتتمكن بذلك من التوازن
والتكيف الذاتي والاجتماعي . أما إذا
لم يتمكن الأهل من تعليم أبنائهم هذه
الصفات فهم يسهمون في تشكيل شخصية
فوضوية غير متكيفة مع الذات أو مع
الآخرين لأنها لا تأبه بحق الآخر .. ولا
تتقيد بقانون أو قيمة تربوية أو
اجتماعية .. لهذا علينا كأهل أن نكون
على درجة من الوعي .. لكي نتمكن من فهم
وتبني الأسس السليمة للتربية الصحيحة
لكي نسهم في بناء شخصية ناجحة ومتكيفة...