The Golan الجولان

شبابنا إلى أين؟

إلهام أبو صالح \ سيد أحمد

:بقلم

أهلنا الأعزَّاء، مرحباً:

 

قرأت في أحد الكتب التربوية عبارةً للرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغن، تحت عنوان:

"القيم في المدارس". تقول العبارة ما يلي: "نحن لا ننتظر أنْ يكتشف أطفالنُا مبادئ التكامل والتفاضل بأنفسهم، ولكن أحداً لا يرشدهم عندما يتعلق الأمر بعلم الأخلاق والقيم"، وهنا الخطورة!!!

ثم عقَّب محرر المقالة قائلاً:

"نحن في حماسنا للتخلص من الدين داخل المدارس, إنما نتخلص أيضا من المبادئ الأخلاقية"، وهنا تكمن الخطورة القصوى!!!

هذه العبارة شدت انتباهي كثيرا وجعلتني أقف وأسأل نفسي: إذا كانت أمريكا العظمى، التي تتحكم سلبا وإيجابا بالعالم اليوم، يقف رئيسها وينشد بالشعب والحكومة الأمريكية التركيز والاهتمام في البيت والمدرسة بعلم الأخلاق والقيم وتعليمها ونقلها للأطفال بأفضل الأساليب، أما نحن، أقصد أبناء هذه القرى الصغيرة المنتشرة على سفح الهضبة، نتغنى بالمبادئ والقيم، وما أكثرها في آدابنا وعادتنا وتاريخنا، ونؤمن كل الإيمان بأن ليس لنا من درع يحمينا شر الأعداء إلا التمسك بها، ولكن الواقع والسلوكيات اليومية التربوية والاجتماعية للأهل وللناشئة وللشباب، تؤكد بأننا نسير باتجاه معاكس 180 درجة لما نؤمن وندَّعي. فنحن كآباء ومرشدين ومربين نزرع بأبنائنا، وعن طريق اعتماد أساليب تربوية خاطئة، نماذج لشخصيات فاشلة جدا على الصعيدين الاجتماعي والفردي.

الطفل، في بداياته المعرفية، بحاجة لأن يتعلم مُثُلاً وقيماً أخلاقيةً أساسية، لحياته الفردية والاجتماعية والوطنية، تساعده في نجاحه واستقراره مستقبلا.

قد يسأل البعض: ولم العجلة؟ فالطفل يحتاج أولا للعب والترفيه، ثم يتمكن لاحقاً من اكتساب القيم والمُثل. هذه واحدة أساسية من مفاهيمنا الخاطئة جداً، وهي التي أوقعتنا وما زالت في هذا الضياع والاغتراب عن مجتمعنا وأخلاقنا. فالطفل الذي يتعود منذ اشهره الأولى على الفوضى واللامبالاة، والاستهتار بكلام الأهل ومشاعرهم وإرشاداتهم، ينشأ على هذا. ومثلُنا العربي الأصيل يؤكد على هذا: "من شبّ على شيء شابَ عليه".

كثيرة هي المُثُل والقيم التي علينا نقلها وتعليمها لأطفالنا وأهمها الصدق, الإخلاص, الانتماء والتعاون والمشاركة، احترام الذات والآخرين، تهذيب الروح واللسان، حب المثابرة والجهاد، وإلى آخره من صفات وقيم...

أعرف أن بداخل كلٍ منا العديد من إشارات الاستفهام والاستنكار والتعجب من هذا الكلام، فنحن نفتخر بأننا نربي أطفالنا على هذه المثل وكثير غيرها تعتبر الركيزة في تربيتنا لأطفالنا. أتمنى أن تكون هذه هي الحقيقة التي بداخلنا وليس مجرد إدّعاء أو إحساس أو هروب من تحمل المسؤولية.

والآن دعونا نسأل أنفسنا بعض الأسئلة. فالإجابة الواضحة والصريحة عليها تفيدنا في تجنب الكثير من العثرات. سنجيب على بعضها في هذا المقال ونترك البعض الآخر للإجابة عليه بصورة فردية...

الأسئلة هي:

 

-         لماذا علينا أن نعلِّم أطفالنا القيم الأخلاقية ؟

-         متى يجب أن نعلِّمهم إيّاها ؟

-         من المسؤول عن تعليمها لأطفالنا , البيت أم المدرسة أم الحياة ؟

-     كيف نعلِّمها لأطفالنا؟ وهل هناك أساليب تربوية حديثة تسهم وتساعد في نقلها لأطفالنا بأفضل شكل ووسيلة لتصبح جزءاً من شخصية الطفل والراشد ؟

 

دعونا الآن نجيب على بعضها:

إذاً لماذا علينا أن نعلم أبناءنا القيم الأخلاقية؟

لأن في القيم الأخلاقية سعادة لأطفالنا.

فالتجارب الفردية والاجتماعية تؤكد بأن السعادة والاستقرار والنجاح الفردي والعام يرتبط بالسلوك الذي تحكمه قيم أخلاقية. فهناك علاقة ترابط تاريخية بين الأخلاق والسمو والارتقاء, واللاأخلاقية والانحطاط على الصعيدين الفردي والاجتماعي. يؤكد هذه النظرة التربوية قول الشاعر ما يلي :

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت                فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

أما متى نعلِّم أطفالنا القيم، فأبحاث تربوية طويلة تؤكد على أهمية غرس القيم والمبادئ في نفوس وعقول الأطفال في سنواتهم الأولى، أي الخمس سنوات الأولى من حياة الشخص. فقد دلت أبحاث تربوية عالجت التربية والرعاية الوالدية المتساهلة والمستهترة، أنتجت جيلا من اليافعين حطم جميع الأرقام الخاصة بتعاطي العقاقير والمخدرات والكحول، في جيل المرهقة الوسطى والمتأخرة ولاحقا في عدم الاستقرار العائلي.

واحد من مبادئ التربية المتساهلة تترجم بالتربية الحرة وهي عدم إرشاد الطفل أخلاقيا وتربويا ودينيا حتى يصبح في سن يتمكن هو بنفسه من اختيار قيَمِهِ ومُثُلهِ ومبادئهِ التي يرغب. هنا تكمن الخطورة القصوى, فالطفل والمراهق بحاجة دائما للإرشاد والتوعية لكي يتفادى ارتكاب الأخطاء التي تعود عليه بالخسارة النفسية والجسدية. فالحرية بالتربية لا تترجم بعدم إرشاد الطفل بل بطريقة الإرشاد. فالتربية الحديثة السليمة تدعونا لإعطاء الفرصة لأطفالنا بأن يعبروا عن رأيهم، وأن نعطيهم الكثير من وقتنا للحوار والتفاهم والنقاش، ونبني سويا القيم والمثل التي تسهم في بناء صحة نفسية وجسدية واجتماعية لأطفالنا. فالتحديث بالتربية يعني التحديث بالأسلوب وليس عدم نقلها وتركها حتى يتمكن وحده من معرفتها .

 

أما السؤال: "من المسؤول عن نقل القيم الأخلاقية لأطفالنا ؟"، فجوابه قصير جداً: هو الأسرة والبيت فقط.

 

والآن دعونا نشرح لماذا علينا تعليم أطفالنا بعض هذه القيم المشار إليها في المقالة:

من الصفات السامية والراقية التي علينا أن نعلِّم ونعوّد أطفالنا عليها هي الصدق.

لماذا علينا أن نرسخ الصدق عند أطفالنا؟

لأن الصدق راحة واستقرار واطمئنان داخلي عند الفرد, عكس الكذب الذي يترك الفرد بعد أن يسلكه، إنساناً قلقاً خائفاً متوتراً، تنتابه حالات كثيرة من الخوف من المجهول نتيجة لترقب العقاب السلبي لما أقترفه. فالصدق هو طريق الأمانة والاستقرار والسعادة والهدوء النفسي والجسدي للطفل. فما هو الصدق؟

هناك أشكال للصدق:

- الصدق مع الذات

- الصدق مع الآخرين

- الصدق مع المجتمع

فالطفل الذي تعوَّد الصدق بكلامه وأفعاله منذ حياته الأولى ينشأ واثقا من نفسه، ومن المحيطين به، ويتميز بالشجاعة في مواجهة أمور الحياة دون خوف أو ارتباك. فكل منا قد يتعرض نتيجة لتفاعله الدائم بالحياة لارتكاب الأخطاء, والشخص الصادق هو الذي يواجه هذه الأخطاء ويفهمها ويتفهمها، فيعرض أسبابها يناقشها ويحللها، ويكتشف العثرات ونقاط الضعف ويحاول التصحيح والمتابعة.

أما الشخص الكاذب فيتجاهل هذه الأخطاء، ويحاول جاهدا إبعادها عن ساحة النقاش والشعور، محاولا إقناع نفسه بعدم وجودها، وهكذا تتراكم المشاكل المكبوتة داخلياً والمتروكة دون علاج حتى يصل لدرجة يكون فيها غير قادر على التحمل أكثر، فينهار صحياً ونفسياً وبالتالي اجتماعياً.

 

الصدق يساهم في بناء شخصية شجاعة متزنة واثقة من ذاتها، أمَّا الكذب فيُسهم في بناء شخصية انهزامية فاشلة مرتبكة .

 

أما الانتماء، فهل من الضروري أن نعزِّزه في أطفالنا بأشكاله وأنواعه؟

الانتماء للذات والأسرة والمجتمع بماذا يفيد ؟

 

أولاً: انتماء الشخص لذاته يجعله يسعى دائما وبإصرار لتحقيق الرضى عن ذاته داخليا، يعزز هذا الشعور ثقة ومحبة الآخرين واحترامهم له. فحب الإنسان لذاته بدرجة الاعتدال ليست من الأمور السلبية أو المرَضِيَّة المعروفة بالأنانية أو النرجسية، فمحبة الشخص لذاته تولِّدُ دافعاً قوياً، يحثُّه دائما على التطور والتقدم والارتقاء فكرياً، ومعرفياً، واجتماعياً، وعلمياً.

أما الانتماء للأسرة فهو أمر بغاية الأهمية، لكبح وتهذيب غرائز ونزعات الفرد الذاتية، كالأنانية والعدوانية، فتبعده عن الاستهتار بأمور كثيرة تجعله واعياً وواثقاً من نفسه يرغب دائما بالعمل والمثابرة من أجل الوصول للنجاح، فهو يهتم بسعادة أهله وراحة فكرهم ويريد دائما أن يكافئهم على ما قُدِمَ له من رعاية واهتمام.

هذا الشخص يتميز بثقته بنفسه وإدراكه لكل خطواته فيسعى دائما لتطوير مهاراته وقدراته ليضمن النجاح والفخر والمحبة والمكانة الاجتماعية له ولأسرته.

        أما بالنسبة للانتماء للمجتمع فنحن بأمس الحاجة للتمسك به واعتناقه كأهم المثل والقيم الأخلاقية والوطنية والتربوية، وهذا ما دفعني أكثر من أي سبب آخر لتحرير هذه السطور على أمل لفت النظر لبعض القضايا، علّنا نتمكن من تفاديها مستقبلاً.

 

لماذا الانتماء للجماعة والمجتمع أمر في غاية الأهمية؟

 أولا وقبل كل شيء لأن الفرد كائن اجتماعي، وإذا خرج من المجتمع أصبح دون قيمة وأهمية. فالإنسان خُلق ليعيش ويتعاون ويتشارك مع أخيه الإنسان, وبفعل هذا التعاون كان التقدم والارتقاء في المجتمع الإنساني. هناك علاقة تصاعدية واضحة بين من ينتمي لشخصه ولأسرته مع الانتماء للمجتمع والوطن.

لماذا هذه الأهمية للمجتمع ؟

الانتماء للجماعة يجعل الفرد ذا أهمية على الصعيد الاجتماعي، فيسعى دائما للحصول على الرضى والقبول الاجتماعي، هذا الرضى يأتي من خلال قيامه بسلوكيات وأفعال إيجابية تخدم البلد وأبناء المجتمع. هذه السلوكيات تحكمها قيم ومثل أخلاقية يعتز بها المجتمع ككل، وهذه ركيزة أساسية في الارتقاء الفردي والجماعي. فلكي يصل الفرد لهذا المستوى عليه دائما تطوير وتثقيف نفسه، ويفسر ذلك بالطموح العلمي عنده فهو يريد أن يرتقي ويزداد معرفة وعلماً من أجل تطوير مهاراته التي تسهم في خدمة مجتمعه.

هذا الشخص المنتمي لمجتمعه وأسرته يتصف بأجمل وأروع السمات الإنسانية،  كالضمير الحي الواعي والصادق، الذي يبعده عن ارتكاب أي من الأخطاء الاجتماعية حتى ولو كان بعيداً عن الأنظار، وهذا ما نحن بأمس الحاجة له، لنكوِّن أشخاصاً طموحين علميين وأخلاقيين بدرجةٍ سامية.

فما أكثرها تلك المشاهد الحية التي نراها يوميا،والتي تؤكد الفراغ الأخلاقي والتربوي، والاغتراب عن المجتمع في سلوكيات شبابنا ذكوراً وإناثاً. فهناك مظاهر واضحة تؤكد بعد شبابنا عن كل انتماء.

وتثبت حالة الاغتراب التي يعيشها هذا الجيل مظاهر عدة، فعلى سبيل المثال لا الحصر منها مثلاً:

1. اغتراب في المظهر الخارجي لشبابنا وصبايانا عن ما هو مألوف اجتماعياً وما هو مريح للعين وللنفس. فعند التمعن بالمشاهد الكثيرة التي تعبر أمام العين يومياً، من تسريحات الشعر إلى نماذج الألبسة و... إلخ، ينتقل الشخص في خياله مباشرة إلى أحد الشوارع المظلمة في إحدى المدن التي تعمها الفوضى والنزاعات الفردية.. هذه الشوارع الموبوءة مرضياً وفكرياً وتربوياً والتي يتفق العالم التربوي أجمع على إنها في طريقها للانحلال والزوال. قد يقول البعض هذه قشور ولا تؤثر على الجوهر!! ولكن داخل كل منا تيقن واضح بان القشور هي مرآة للنفس والروح والعقل والضمير، لهذا تجتهد دول غربية كفرنسا وأسبانيا وبريطانيا العظمى ومنذ سنوات طويلة، وما زالت تؤكد على هذا الأمر في اعتمادها لباساً موحداً في مدارسها، يرتكز على الألوان الهادئة المتناغمة والمتناسقة، لقناعة تربوية جمالية بأنَّ لهذا اللباس والمظهر تأثير إيجابي في تنمية الذوق والحس الرفيع، وفي تهذيب النفس والروح بشكلٍ غير مباشر. فالنظام والترتيب الداخلي يعطيان نظاماً وترتيباً خارجياً والعكس صحيح. فمن زار أيٍ من الدول الأوروبية الراقية، وشاهد بالصدفة مجموعة من الطلبة يمرون أو يعبرون الشارع أو إحدى الحدائق العامة، يظن أنهم فرقة موسيقية ذاهبة لتقديم أفضل المعزوفات، وأرقى الرقصات في أفخم وأرقى المسارح، فتنشرح النفس وتبتهج العين بما ترى، وبتلقائية واضحة ترتسم البسمة على الوجوه، ويصيبنا الذهول والغصة بالقلب، ونسأل: أين نحن من هذا؟

2. اغتراب شبابنا عن الموسيقى الأصلية التي تهذب النفس والروح والأذن.. وترفع بالفرد لأسمى درجات الإبداع. فكثيراً ما تغزو آذاننا من خلال نوافذ المنازل والسيارات أصوات صاخبة غريبة عنا، قد يكون اغلبها بلغات  تسعى جاهدة لمحاربتنا بآدابنا وأخلاقنا وقيمنا ولغتنا وموسيقانا.

 3. اغتراب شبابنا وبشكل شامل عن قضية مجتمعنا الأساسية، وهي القضية القومية والتاريخية والثقافية. فكل هذه القضايا الأساسية والجوهرية بالنسبة لشبابنا أمور في غاية البساطة "التفاهة" ولا تستحق منهم أي لحظة تأمل أو تفكير أو نقاش. وعلى سبيل المثال، كلنا متأكد بأن يوم العز والفخر بالنسبة لنا يوم 14-2-1982، بالنسبة لهم لا يعني شيء سوى أنه بهذا التاريخ 14 شباط هناك عيد عالمي اسمه عيد العشاق،  وللأسف الأهل يعرفون، وكثيرا ما يضحكون ويقولون يا الهي "شو هالجيل".

فاغتراب شبابنا عن هذه المشاعر القومية، والتي هي الزاد الحقيقي لنبع النبوغ والعطاء والكفاح والعلم والثقافة والنشاط والتفاعل والمشاركة، إضافة إلى سمات كثيرة غيرها، تتغذى من نبع  وجذر واحد أساسي، هو مبعث الحب والقيمة والعز، وهو الشعور بمحبة الوطن- الأرض والإنسان, والتفاني في خدمته لكي ينهض ويحقق مكانته بين الأمم. فمن لا يمتلك هذه النعمة لا يمتلك من الحياة سوى القشور، وليس له قيمة في الوجود.

فالعالم الغربي اليوم، المتقدم والمتطور اجتماعيا وتربويا، يسعى دائما لتكريس دروس وطنية في المدارس من الصفوف الأولى حتى الجامعة... لأنهم تأكدوا بأنه من يفقد إحساسه بالوطن والانتماء له ولعلمه، ونشيده الوطني وشعبه هو شخص غير إنساني. لهذا تجتهد هذه الدول لتنمية المشاعر الوطنية في نفوس وعقول شبابها، لكي ينشأ على محبة الوطن والعلم ولغة وتاريخ هذا البلد.

فهذه الدول تعمل على نقل وغرس هذه القيم في شبابها بأحدث الأساليب التربوية المعتمدة على الموسيقى والمسرح والقصة والمشاركة الفعالة، في برامج ثقافية اجتماعية، تبرز محاسن هذا الوطن.

أما نحن، وهنا تقع كامل المسؤولية على الأهل، لأنهم هم الذين تخلوا أولا عن أمور كثيرة هامة جدا وتمسكوا بالقشور والمظاهر الخادعة، فمن يشاهد جولاننا من بعيد يظن بأننا نبني مجتمعا متماسكا يرتكز على العلم والثقافة والمبادئ والقيم إلى جانب التطور والتقدم الخارجي بالمظاهر الخارجية و و... أما نحن والأغلبية منا متأكدة من ذلك فإننا نسير وللأسف باتجاه واحد فقط. لنؤكد للآخرين بأنْ: ليس كل ما يلمع ذهب.  

            وفي نظرة تربوية فاحصة لحياتنا وللأسباب التي أدت إلى هذا الوضع، يمكن أن نعرض هذه النقاط:

1. انشغال الأهل الفعلي بأمور كثيرة ومتعددة خارج البيت، مما أدى لضيق الوقت عندهم للاهتمام الكافي والرعاية الشاملة لأطفالهم تربوياً وعلمياً وأخلاقياً.

2. اعتماد الأهل أساليب تربوية خاطئة وغير ناضجة تعتمد على إعطاء الحرية المطلقة للطفل دون إرشاد. هذا الأسلوب التربوي لم يعطِ عالمياً أو محلياً إلا نماذج وشخصيات فاشلة في كافة المجالات.

3. السبب الأول انشغال الأهل الدائم مع السبب الثاني، أديا إلى هذا التسيب داخل المنازل فظهر واضحاً اجتماعياً ووطنياً.

هذه بعض المواقف البسيطة التي أدت بنا للوقوف عند هذه الحافة! !

لنبدأ بالطفولة المبكرة، فابن السنتين أو الثلاث سنوات يرغب بأمر معين، لعبة شاهدها عند ابن الجيران، فيريد واحدة مثلها، الأهل غير موافقين ولأسباب مختلفة، يحاولون الإقناع، ولكن الطفل يلح في الطلب، وينتهي الإلحاح بالبكاء والصراخ، وبسبب ضيق الوقت، يملّ الأهل من الحوار فيستجيبون لطلب الطفل- وهنا البداية.

بعد فترة يرغب هذا الطفل بأمرٍ آخر أكثر خطورة، ولنفس الأسباب يستجيب الأهل. تتكرر هذه الحالات مراراً وتتفاقم في مرحلة المراهقة، حيث تزداد طلبات المراهق الغير مرضية للأهل، مثل: استخدام مواد التجميل عند الفتاة في عمر البراءة والجمال الحقيقي، أو استخدام مواد كيميائية للشعر.. وأمور أخرى كثيرة، يكون الأهل على قناعة بخطورتها الصحية والنفسية والتربوية والاجتماعية.. ولكن ليس باليد حيلة، فأمام ضغط وإلحاح المراهق يستجيب الأهل قائلين: "كل رفقاته هيك" وهنا تكمن الخطورة باستسلامنا لأطفالنا ومراهقينا.. وتركهم يسيِّرونا تربوياً وإرشادياً.

            والآن علينا التأكيد للأهل بأن تربية الطفل، وتهذيب نزعاته لا تبدأ بسن المراهقة، بل تبدأ منذ الأشهر الأولى والأيام الأولى من حياته، مع الاستمرار والمتابعة حتى سن الرشد. وهناك أبحاث تربوية وعلمية، تؤكد على الاهتمام بتربية الطفل حتى قبل ولادته.. فأين نحن من هذه الحقائق؟

 

.....  

nabeeh@jawlan.org

:أرسل ملاحظاتك على البريد الالكتروني