The Golan الجولان

 

إلى الأخ فاضل كاتب قصة "عسل ونحل جبل الشيخ" الخاصة بالأطفال

.

إلهام أبوصالح\السيد أحمد

:بقلم

تحية وسلام وبعد..

أسعدني كثيراً اهتمامك بالبيئة وبالأطفال، وحرصك على أرضنا نظيفة نقية، طاهرة، وهواء جولاننا يبقى كما عهدناه يشفي العليل ويرد الروح. فكما في ذاكرتك، ما زالت تلمع مثل البرق، هذه الصور الريفية الخضراء المزركشة بكافة ألوان الحياة، فما زال عالق بذاكرتي أيضاً تلك الأشجار التي كانت تزين الحدائق والحواكير بين البيوت الريفية البسيطة، وتلك المصطبات والشرفات التي تحدثت عنها، وتحيطها أمهاتنا بأجمل باقات الزهور والعطور. أمَّا أشجار الزيزفون فمن منَّا يتمكن من نسيان عطرها الذي ينعش النفس ويبعث بها الراحة والاطمئنان، ويجعلنا نُقبل على الحياة والكفاح بفرح وتفاؤل.

ما زلت أذكر يا فاضل أشجار الجوز البلدي والتوت الشامي أمام بيوتنا في نفس الحارة، وتلك الشجرة الأصيلة شجرة التين التي ضمت في أحضانها كل أطفال حارتنا، فهل ما زلت تذكر ذاك الكوخ الصغير الذي بُني بأيديكم في قلب تلك العملاقة الحنونة؟

كل هذه الذكريات التي تحب، ما زلنا نعشقها ونتوق إليها، ولكن مع هذا فقد أثَّرت فيَّ كلماتُك، وجعلتني أشعر بالتعاسة والإحباط بعد أن أقدمت على قراءتها فَرِحةً مُتفائلةً، بانتظار الكنز الذي سأقرأ ، ولكني فوجئت بما قرأت! أقولها وبصدق يا ابن حارتي

 صحيح بأنَّ الجولان الذي أحببنا قد تغيَّر، وطبيعتنا اختلفت، ولكن إذا كنا سنحاكي المستقبل في جيلنا الجديد، علينا نقل الماضي والواقع إليه بأبسط صورة. فنحلُ الجولان لم يهرب منه بسبب الفلاح، وأشجارنا المثمرة والتي تعتبر من أغلى الكنوز عندنا، لأنَّها وبفضلها تمسَّك الأجداد بترابنا الغالي، وظلُّوا شوكة في وجه الاحتلال، ليؤكدوا للأمم بأنَّ هذه الأرض الطاهرة لن تكون إلا جزء من الوطن السوري الغالي.

فعلينا جميعاً عندما نبحث ونكتب، وخاصة للجيل الجديد أن نكون أكثر موضوعية، ونكتب الحقائق دون انفعالات، فكنت أنتظر أن أقرأ الإكبار والإجلال للفلاح الذي حرث بأصابعه صخور الجبال، وزرعها ليحميها من ثعابين الاحتلال.

كنت أنتظر منك أن تغرس في نفس أطفالنا احترامهم. لهذا الفلاح الناسك المتعبِّد الذي يسعى مع بزوغ الفجر ليعود بعد توديع الشمس إلى بيته فرحاً بعبق الأزهار والأشجار التي تنفّس، وببقايا التراب التي ما زالت تدغدغ أحاسيسه من تحت الأظافر حيث علَّقت.

هذا ما انتظرته منك يا جاري ويا ابن بلدي، فنحل جبل الشيخ قد رحل إلى بساتين التفاح واللوز والكرز، التي غرسها الآباء والأجداد هرباً من نيران المحتل التي تنشب مع إطلالة الربيع لتقتل في جبلنا الأشم كل نبته وكل ما يطمح للحياة وللشموخ.

ولكن أبناء هذه القرى الأبرار علَّموا المحتل بأنَّهم سوف يزرعون فوق الأكف الأشجار والأزهار، لتبقى جذورنا غائصة في أعماق أرضنا المقدَّسة، وجباهنا شامخة تطاول السماء.

وعندما تأتي لزيارة القرية اسأل المهندسين لماذا ابن الجولان يقتلع الأشجار من حول البيوت ليزرع مكانها بيتاً يسكنه، ولو لم يفعل ذلك لسكن في العراء، فنحن جميعاً نعلم وعن كثب خطط المحتل التي تسعى جاهدة لتضييق سبل الحياة في وجه أبناء هذه المنطقة. فإمَّا أن يستسلموا أو أن يرحلوا، وأنت تعلم، أنَّ عدونا لا يخطط إلا لعقود وقرون. وهذا ما جعلنا نرصف المنازل فوق بعضها البعض لتغدوا كأحجار وأبراج القلاع، درعاً في وجه المحتل والمغتصبين. لنؤكد لهم وللعالم بأننا باقون، بأطفالنا، بأشجارنا، بقيمنا وتاريخنا باقون.

نحن باقون بحبنا للأرض للشجر للبلبل وللحسّون. نحن باقون بكل ما حملنا من مبادئ ومثل، نستمدها من تاريخنا المشرق المضيء.

 

 

nabeeh@jawlan.org

:أرسل ملاحظاتك على البريد الالكتروني