The Golan الجولان

نافذةُ عبورٍ من  حاضرٍ مؤلمٍ لكنٍز مشعٍ كي ينير...

إلى "سَعادة" في ذكرى استشهاده!!!  8/تموز / 1949

إلهام

:بقلم

ظلامٌ دامس يخيم في سماء أمتي، وحوش الغاب تلتذُّ على رائحة  الدم والعذاب داخل المعتقلات والأقبية، أرض  تُسلب، بيوت تهدم فوق سكانها، طفل يُشرَّد، وأم ثكلى تنتحب فوق رؤوس الشهداء.

          ويل يجره ويل يسيطر على حياتنا منذ عقودٍ، حتى بات الخوف مزروع بالقلوب، والقلق سرق منا النوم والهدوء، والعالم العربي بحكامه وحكوماته يتفرج ثم يستنكر ويشجب ويتوعد بانتظار الوقت المناسب، أما دعاة السلام والديمقراطية في العالم أجمع يستبعدون شاشات التلفزة من أمامهم  كي لا يتأثروا أو يتألموا!!!

فآه يا  زمان .. ألم تحن ساعة الصفر؟؟؟

لتقرع في سماء أمتي أجراس  الحرية وأصوات الحق... 

لتبعث في النفوس الهدوء والاطمئنان وليحيا أبناء هذه الأمة بسلام.

آه يا زمان من أين يأتي هذا الويل وهذا الشؤم؟ لبلاد أحبت ولقرون الحياة وعشقت الحرية لها ولكل آدمي...

فموت قاتل هذا الذل والخنوع، واشارات الاستعباد التي تتعرض لها بلادي من بحرها غرباً إلى جبالها شرقاً، تجعلني أقف وقفةَ المستغيثِ، لأطلق في كل الجهات صرخة المقهور وأنادي...

أين أنت يا "هانيبال"البطل المقدام، فأبواب روما ما زالت ترتعد بذكر أسمك!!!

أين أنت يا بطل صور وقرطاجه تتحدى الرومان في مضجعهم فالتاريخ يذكر  كيف ارتعدت روما وحكامها خوفاً من سيفك وجيشك الجبار الذي حاصرها طلباً للحرية والاستقلال.

أين أنتِ يا "زنوبيا" صانعةَ الأمجادِ وأم الشهداء فالتاريخ  يذكر بطولاتكِ وقد قُدتِ جيشكِ للحرية متحدية أقس الطغاة مؤمنة بالنصر والخلود لشعبكِ وأرضكِ. فذاكرة الشعوب الحرة ما زالت تذكر الحكمة والأباء، القوة والإصرار التي ميزتكِ عن غيرك من بين العظماءِ .

وقولك الشهير الذي أصبح كعقد الماس يزين تاج الأحرار حين أعلنتِ هذه العبارات:

بئس تاجٌ على رأس خانعٍ ذليلٍ               ونعم قيدٌ في ساعدِ حرٍ أبيٍ

أين أنتَ يا "سلطان" الوطن؟؟؟ لتبث العزيمة في الرجال وتنادي أحرار بلادي للجهاد في سبيل عزة الأرض والإنسان.

أين أنتَ فيلسوفي العظيم "سعادة" الشهيد!!! وقد اخترت الشهادة لأنها طريق الحياة مؤمناً وزارعاً فينا أسمى القيم والمثل الإنسانية معلناً:"إنّ الحياةَ وقفةُ عزٍ فقط".

 

 أين أنت معلمي ونحن بأمسِّ الحاجةِ لوجودكَ المدرحي بيننا وللعقيدة القومية الاجتماعية التي وضعت، والتي بها وحدها نصر أمتي وعزة شعبي.

لذلك وجدتُ بهذه السطور سلوى، علَّها تخفِّف من ألمي وقلقي فتبعث فيّ الاطمئنان والثقة بالفجر والغد الذي إليه نتطلع، فنحن مؤمنون بأننا سنلاقي أعظم نصر لأطول صبر في التاريخ.

قد يستنكر أحدكم هذا الكلام، لهذا أدعوكم لقراءة هذا الفكر وبعدها لا يهم إذا تمكنتم من ذلك!!! فإذا عدنا بالتاريخ لأيام "أنطون سعادة" ووضع وحال هذه الأمة منذ أن وضعت العقيدة القومية السورية حتى الآن لم يتغير حالها إلا إلى الأسوأ بسبب بعدها عن حقيقتها وعن جوهرها وقوتها الحقيقية. فكثرٌ هم الذين حاربوا هذا الفكر ومؤسسه وتبنوا أفكاراً وعقائدَ أغلبها مستورد وغريب عن بيئتنا وتاريخنا وعالمنا، لهذا وبعد أكثر من خمسين عاماً لم تزدنا هذه الأفكار والعقائد إلا تفسخاً وتشتتاً وزاد حال أمتنا تدهوراً وشبابنا اغتراباً، فسعادة نادى أبناء أمته قائلاً: "لم آتيكم بالمعجزات بل أتيتكم بالحقيقة التي هي أنتم".

فنحن اليوم كأمةٍ سوريةٍ عاث بها الفساد، واستوطن النفوس الحقد والضعف، وتشتت شملنا فتحولنا إلى شُعبٍ وطوائفَ وفئاتٍ وأحزابَ، وكلما غزانا محتل جديد يقسِّم بلادنا، ويفرق شعبنا فنندد ولكن بعد أيام قليلة جداً بالنسبة لتاريخ الشعوب تُمحى خريطة الوطن من ذاكرتنا فنحمل السلاح وننادي الى الجهاد والكفاح لنصرة هذه الفئة أو تلك فتضيع راية الوطن لتصبح من محتويات  المتاحف إن وجدت!!!!.

فبالأمس كانت "سايكس بيكو"، رفضناها بدايةً لكن سرعان ما أصبحنا ننادي أنا سوري، وأنا لبناني، وأنا عراقي،وفلسطيني وأردني ولي علمي ونشيدي ولي تراثي وتاريخي ولي حدودي التي يصعب على أبناء جيراني اختراقها, واليوم ننادي بعدما نسينا حيفا وعكا ويافا والقدس ونابلس باستقلال غزة واريحا،مع شكر للعالم على هذا الإنجاز! ومع مرور الأيام سوف يأتي يومٌ - والمؤشرات كثيرة على قربه منا - سوف ننادي ونطالب باستقلال النجف وبغداد وكربلاء وبعدها نتسابق لحمل الرايات بألوان مختلفة وننشد أناشيد البطولة للنصر العظيم الذي تحقق! لهذه الدويلات المولودة من رحم الظلام والاحتلال، فالمحتل يخطط ونحن ننفذ  ما نسج وخطط بإحكام وتقنية.

          ليتنا هنا نتذكر ونستفيد من حِكم العباقرة الذين ولدوا في هذه الأمة العظيمة علَّنا نستنير ونثق بقدراتنا فنبدأ المشوار المجدي الذي به نرتقي، فبالأمس القريب علمنا وبث فينا الفيلسوف والمفكر الاجتماعي "جبران" هذه العبارات وقد حفظنا منها ما حفظنا ولكن دون تمثل ودون إقتداء، وهذا ما قاله "جبران":

 - "يا أصدقائي ويا رفاقي، ويلٌ لأمة تَكثرُ فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين.

 - ويلٌ لأمة تستقبل حاكمها بالتطبيل وتودِّعه بالصفير، لتستقبل آخر بالتطبيل والتزمير.

 - ويلٌ لأمة مقسمةٍ إلى أجزاء وكل جزء يحسب نفسه فيها أمة".

هذه الحقائق هي أمرُّ ما في واقعنا. فكثيرةٌ هي الطوائف بأنواعها وقليل جداً فينا الأيمان بالذات والأرض والإنسان والتاريخ والمستقبل. 

من هنا أناديك معلمي لتقف وقفتك المعهودة،  وتنادي أبناء أمتي للعودة للتاريخ وللحقيقة العظيمة التي بداخلهم، لعلهم يكتشفون قوتهم.

"فسعادة" الذي انطلق بمبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي من المبدأ الأساسي الأول معلناً "إن  سوريا للسورين والسوريون أمة تامة"، مستنداً بذلك لإثباتات تاريخية واجتماعية، إلى المبدأ الأساسي الثامن، "إن مصلحة سوريا فوق كل مصلحة"، قد غذَّى النفوس والعقول بكلِّ مثلِ وقيمِ الحق والخير والجمال، ليبعث فينا العزيمة والقوة والثقة بالذات، وليؤكد لنا ، نحن أبناء هذا الوطن الجريح الممتد فوق أرض الهلال السوري الخصيب وقد حدد حدوده مستنداً  لركائز وأسس علمية تاريخية جيولوجية اجتماعية، بأن لنا ماض عريق وأصيل أعطى الإنسانية جذور التقدم والارتقاء في مجالات متعددة، فجعلنا نقدم على دراسة التاريخ لنكتشف حقيقتنا ومثلنا التي عليها تربى الأجداد، فصنعوا الأمجاد بوضعهم لأسس العلم والحضارة، فوصلنا بالبحث والتنقيب أبواب أوروك حيث جلجامش  العظيم يتبختر في شوارعها يرعد ويزمجر كالليث متحدياً الأقدار والصعوبات طلباً للمجد والخلود ليعمِّر بلاده ويرفع شأنها بين الأمم، وبفعل هذا الوجدان القومي الحي عنده ما زالت ملحمة جلجامش نصاً شعرياً يتغنى به الشعراء والكتاب.     

وقبل عبورنا بلاد الشام علينا أن لا ننس المشرع القانوني الأول "حمورابي العظيم" الذي وضع أسس الشريعة والقانون المدني والجنائي والتجاري وعليه ترتكز معظم قوانين العالم، وبوصولنا لبلاد الشام نقرأ التاريخ المحفور على  الجدران وأروقة المعابد فنصل إبلة وأوغاريت  وعمريت ورأس شمرا أرض الأبجدية الأولى والتي باكتشافها واختراعها حدثت الثورة المعرفية الأولى بالتاريخ الإنساني والحضاري ليبدأ عصر الفكر والتنوير.

هذه الحقائق وكثير غيرها تجعل المؤمن بالعقيدة القومية السورية متفائلاً مقبلاً على الحياة بعزم

 وإصرار واثقاً بتاريخه وغده. فكل من اعتنق فكر سعادة خرج من البلبلة والفوضى والتفسخ الروحي الذي يسود هذا المجتمع ليؤمن بعقيدة جلية واضحة تؤمن "بأن فينا قوة لو فعلت لغيرت وجه التاريخ"، "وأن الدماء التي تسري في عروقنا عينها ليست ملكاً لنا فهي وديعة الأمة فينا متى طلبتها وجدتها"، "أقوال سعادة"، هنا يكمن سر الحياة وحب الشهادة في النفسية السورية القومية الاجتماعية، حب الشهادة في سبيل نصرة الأمة السورية وبعث النهضة الحقيقية فيها، وليس الشهادة في سبيل نصر فئة أو طائفة أو عقائد غذاها المحتل ونحن اعتنقناها  وبذلك زدنا تفسخاً وتشتتاً.

لقد أكد سعادة على لحمة الشعب والمجتمع السوري في المبدأ الأساسي الرابع الذي ينص على ما يلي: "الأمة السورية هي وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع إلى ما قبل الزمن التاريخي الجلي"، ثم أكد على أن ليس المقصود هنا رد الأمة السورية إلى أصل سلالي واحد معين، بل القصد منه إعطاء الواقع الذي هو النتيجة الأخيرة الحاصلة من تاريخ طويل يشمل جميع الشعوب التي نزلت هذه البلاد وقطنتها واحتكت فيها بعضها ببعض واتصلت وتمازجت منذ أقوام العصر الحجري المتأخر حتى ظهور الكلدان والأمورين والحثين والآرميين والأشوريين والاكادين والفنيقين والعرب الذين صاروا شعباً واحداً متجانساً له غايته وآماله وأهدافه الموحدة وهكذا يتضح أن مبدأ الوحدة  القومية ليس مؤسساً على مبدأ وحدة السلالة بل على مبدأ الوحدة الاجتماعية الطبيعية لمزيج سلالي متجانس الذي هو المبدأ الوحيد الجامع لمصالح الشعب السوري والموحد لأهدافه ومثله العليا والمنقذ الوحيد للقضية القومية من العصبيات الدموية البربرية والدينية والطائفية والعرقية والأنانية الفردية، إن هذا المزيج المتجانس هو سبب من أسباب التفوق السوري  في العصور الماضية وهو الأساس في انطلاقه  نحو المستقبل، لأنه يطهِّر النفوس من كل الشوائب والنزعات الفردية والأنانية، وبذلك قوله: "كل أمة تريد أن تحيا حياة حرة مستقلة تبلغ فيها مثلها العليا يجب أن تكون ذات وحدة روحية متينة"، وهذه الوحدة لا يمكن أن تكون إلا بواسطة مقاييس ومفاهيم ومصالح واحدة في الشعب والأمة الواحدة وبذلك قوله: "إن العالم قد شهد في هذه البلاد أدياناً تهبط إلى الأرض من السماء. أمَّا اليوم فيرى ديناً جديداً من الأرض رافعاً النفوس بزوبعةٍ حمراء إلى السماء ".

          وهذا ما جسَّده كلُ من سار على درب سعادة.

فيكفيها فخراً هذه النهضة أنَّها ما ترعرع بأحضانها إلاَّ الأبطال والشهداء والشعراء والمفكرين والكتَّاب والمؤرخين وأعظم  الموسيقيين والمسرحيين. فعلى الرغم من تعرض هذه النهضة وأبنائها لتحديات وصعوبات كثيرة، مع ذلك بقيت تسير بخطىً واضحة وثابتة نحو مستقبلٍ آتٍ مهما  كان بعيداً. وبذلك يقول سعادة:" ليس عاراً أن ننكب، ولكن العار أن تُحولنا النكبات من أشخاص أقوياء إلى أشخاصٍ ضعفاء جبناء".

          لهذا؛ فالقوميون السوريون  سائرون نحو نصرهم بثقة وأمل، يربُّون أجيالاً وأجيالاً على المثل العليا التي بها ترتقي النفوس، ويرتفع شأن الأمَّة بين الأمم. فقد آمنوا بالارتقاء الأفقي الواعي المتجدد والمتفائل دائماً وأبداً وهذا ما يبعث الأمل بالغد.

 

.....  

nabeeh@jawlan.org

:أرسل ملاحظاتك على البريد الالكتروني