The Golan الجولان

...رسالة شوق وحب

قصة للأطفال

إلهام أبو صالح\سيد أحمد

:بقلم

لبراعم وأشبال الجولان منِّي أغلى وأرق السلامات.

أحنُّ إلى خبز أمِّي، كانت أغنية الفنَّان العربي الكبير مارسيل خليفة، وأنا أقسم أنِّي أحنُّ لتلك اللقاءات التي كانت تجمعني بكم أحبَّائي، براعم وأشبال بلدي الغالي، أحنُّ لتلك الجلسات تحت سماء جولاننا الغالي، وفي أحضان طبيعتنا الخلاَّبة.. نحمل في داخلنا كلَّ الشوق والحنين، وبين خبايا صدورنا الأمل بالنصر والتحرير.. فكانت كلماتنا وعباراتنا تشعُّ إشراقاً وتنطلق كالسهم باتجاه ذلك الأفق الواعد.

أحبائي، وها أنتم تدخلون أبواب الحياة، بصورها المختلفة، لتشقُّوا من بين صخورها دربَكم الذي حلِمتم به.. أقولها والشوق والفخر يعتريني.. كم أحنُّ  إليكم، وكم أفتقدكم جميعاً.

فما زالت عالقة في مخيلتي تلك الذكريات، المفعمة بالحياة، فأغمضُ عينيَّ لأرسمَ صوركم، وأسمعَ أصواتكم، تنشدون نشيد الحريَّة، نشيد حُماة الديار.. ثمَّ أسمعكم تحاورون وتناقشون مسائل عديدة، اجتماعية ، دراسية، تربوية، ووطنيَّة، تعانون منها، أنتم وشريحة كبيرة من أبناء جيلكم كنتم تحددون المسائل، وتضعون أسبابها ونتائجها، ثمَّ تضعون الحلول المختلفة، وبعدها تبادرون لنقل ما توصلتم إليه، لمجتمعكم ولأبناء جيلكم، بأشكال وإبداعات خارقة، تدلُّ على الفكر الناضج السليم والواعي، المتمسك بحبه لمجتمعه ولجيله ولمستقبله.

هل ما زلتم تذكرون: يا نرجس ويا ياسمين- هذه اللقاءات، وأنتم اليوم تجلسون على مقاعد الدراسة، في كليات جامعة دمشق العريقة. وأنتم: يا صالح وباسل ويا طارق، ولن أنساك: يا ديانا وتغريد وليزا وجيانا وروز وأريج- الهادئة الساحرة، والتي كانت تخفي خلف هذا الهدوء الكثير الكثير من القدرات والمهارات.. وأمَّا طفلتنا المميزة: ياسمين التي رافقتنا بكل رحلتنا التي دامت لأكثر من سنتين، وهي ما زالت دون الخامسة، فتمكنت من نقل أفكارنا وطموحاتنا واقتراحاتنا بجرأة وعناية للآخرين. فغنَّت معنا ورسمت ومثَّلت وانطلقت لتشقَّ بين الحضور درب الحرِّية..

وأنتم يا أروع براعم نبتت فوق أرضنا المقدَّسة، وقد اخترتم هذا العنوان، لأنَّكم آمنتم رغم صغر سنِّكم  بقضيَّة مقدسة، هي قضيَّة أمتنا العظيمة، فأنشدتم لها أناشيد الحريَّة.. منطلقين من (حُماة الديار) (ل بلاد العرب أوطاني)، ثمَّ تحديتم الاحتلال، وأنشدتم مع جوليا بطرس (بنرفض نحنا نموت، قولولن راح نبقى) وأكبرتم في صوت سميح شقير أغانيه، وغنيتم (يا جولان ويلي ما تهون علينا) وبعدها قرأتم وبحثتم في كتب التاريخ، فاكتشفتم القائد العظيم (صلاح الدين) والنصر الأكيد الذي حققه. وقدَّستم (جول جمَّال) والشهادة التي سعى إليها. وما نسيتم إكبار وإجلال العزَّة والقوة والإيمان في شهداء الحق والحريَّة من (سناء محيدلي و ابتسام حرب، لمالك وهبي وخالد أكر وناجي العلي ويحيى عيَّاش والعظيم غسَّان كنفاني) الذي ما زال فكره يشعُّ إشراقاً ونوراً في أدبنا القومي.

فهل ما زلتم تذكرون عندما كنا نتحدَّث ونحاكي هؤلاء الأبطال، وهم كالشموع الساطعة، الذين قضوا لنحيا نحن في حرّيّة وأمان. أما زلتم تذكرون يا  (عامر ورولان ويا ياسمين ونادين.. وأنت يا ميس وخولة وشادية وأريج وميرا ونشوة) أتذكرون عندما كنَّا نتحدَّث ونقول أنَّ الأديب الفلسطيني الكبير غسَّان كنفاني  حارب بقلمه وأفكاره الاحتلال فأغاظهم وقهرهم. لهذا سعوا وبإصرار للخلاص منه. ولكنه باقٍ وما زال يحيا في النفوس بعزٍّ وفخار. فأدبه ما زال المنبع الصافي الذي نستقي منه القيم والمثل.

 أحييكم مرَّةً أخرى، وأتمنى لقاءكم من جديد مع أمنياتي القلبية في استمرار هذا النشاط مع مجموعات أخرى، على أن تعملوا أنتم أيضاً على متابعة فعاليات كهذه في المستقبل، لعلنا نُبقي أجيالَنا في تواصلٍ مع الكلمة والأدب والمحبة.

أحبائي: لقد شغلني ولمدة ليست قليلة، البحث في أدب الأطفال عن بعض القصص التي يمكن أن تخرجنا من إطار القصص المتكررة على الدوام، من أمثال (سندريلا– وليلى الحمراء- وبيضاء الثلج.. وغيرها) فوجدت الكثير من القصص الرائعة في أدبنا العربي، والتي تُغْنِينا بالقيم والمثل والمبادئ العليا السامية، مثل: رائعة الشهيد غسَّان  كنفاني (القنديل الصغير) التي كتبها لابنة أختهِ محافظاً على وعدهِ بأن يقدِّم لها في عيد ميلادها كتيباً صغيراً مزيناً برسومٍ خاصة به. لقد فرحت كثيراً بهذه القصص بعد أن كنَّا نعتقد أنَّ أدبنا يفتقر إليها. وقد وجدت من المناسب في هذه العجالة أن أقدم قصَّة من خلالكم لأطفالنا الصغار للأديب السوري الكبير المعروف (زكريا تامر) من بين قصصه الكثيرة للأطفال والتي تغرس فيهم القيم وتركِّز على حب الأسرة والمجتمع، وتهدف لبناء إنسان ناهضٍ متفائلٍ وطموح، يسعى دائماً لرفع شأن أمته، وإعلاء كلمتها. فمن خلال قصصه نلمس المكانة العالية التي يوليها الكاتب للأطفال في تعويدهم على الحرية، وبالإحساس بقضايا شعبه ومعاناة أمته، فيجعلهم في شموخ دائم، وفي أنفة مترفِّعة، رافضين الذل والمهانة، تلامس جباههم العز والفخار ، وذلك بأسلوب خاص ومميز.

وهذا نص القصة وهي بعنوان:

القفص الذهبي

صفاءُ فتاةٌ صغيرةٌ، ذهبتْ وحدها إلى الحقولِ كي تتفرَّجَ على الأشجارِ الخضراءِ والأزهارِ الملوَّنةِ، وقد فرحتْ كثيراً، ولكنَّها عندما أرادتِ العودةَ إلى البيتِ اكتشفتْ أنَّها لا تعرفُ كيفَ تعودُ، فتلاشى فرحُها، وبكتْ

وفجأةً سمعتْ صفاءُ صوتاً رقيقاً يقولُ لها بحنو: "لماذا تبكين"؟

فالتفتتْ صفاءُ نحوَ مصدرِ الصوتِ، فألفتِ المتكلِّمَ هوَ العصفور

قالَ العصفورُ ثانيةً: "لماذا تبكين"؟

قالتْ صفاءُ: "أنا أبكي لأنِّي لا أعرفُ كيفَ أعودُ إلى البيت"

قالَ العصفورُ: "لا داعي للبكاءِ. أنا سأرشدُكِ إلى البيت"

وتولَّى العصفورُ إرشادَ صفاءَ إلى بيتها. وعندما اقتربَ منها ليودِّعها سارعتْ إلى الإمساكِ بهِ ووضعتهُ في قفصٍ ذهبيٍّ وهيَ تقولُ لهُ: "لقد أحببتكَ ولذلكَ فأنا منذُ اليوم سأقدِّمُ لكَ كلَّ ما تحتاجُ إليهِ من طعامٍ وماءٍ، وسأجعلُ حياتَكَ مليئةً بالسعادة"

قال العصفورُ بصوتٍ باكٍ :"أنا لستُ بحاجةٍ إلى حبِّكِ الغريبِ الذي يحرمني من حريتي"

فلم تأبه صفاءُ لكلامِ العصفور

بعدَ أيامٍ تنبهتْ صفاءُ إلى أنَّ العصفورَ كفَّ عن الغناءِ، وأصبحَ شديدَ الكآبةِ، هزيلَ الجسمِ، فسألتهُ: "ما بكَ؟  هل أنتَ مريض"؟

قال العصفورُ: "أنا فعلاً مريضٌ جدَّاً"

قالتْ صفاءُ: "سآخذكَ إلى الطبيب فوراً"

قال العصفورُ: "أنا أعرف الدواءَ الّذي يعيدُ إليَّ قوتي وفرحي"

قالت صفاءُ: "وما هو اسم ذلك الدواء؟ تكلَّم وسأسارع إلى شرائه"

قال العصفورُ: "افتحي باب القفص، وعندئذٍ سأخبركِ باسم الدواء"

ففتحتْ صفاءُ باب القفص.

غادرَ العصفورُ القفصَ وهو يقول: "الحريَّةُ وحدها تعيدُ لي قوَّتي وفرحي" ونظرتْ صفاءُ إلى العصفورِ الذي كان يطيرُ سعيداً، وعرفت آنذاك أنَّ الذي يحبُّ العصفور َ، يجبُ ألاَّ يسجنهُ في قفص.

 

مع تحيات

إلهام

 

 

 

nabeeh@jawlan.org

:أرسل ملاحظاتك على البريد الالكتروني