طريق الحرية
مهداة إلى هايل أبو زيد

كتبه الأسير المحرر نبيه عواضة - لبنان بيروت

فأمثالك يا هايل ليس مرغوباً بهم لوقت طويل، سرعان ما يتم الانقلاب عليهم لمجرد ما ينتهي موسم الترحيب وتعليق اليافطات. ستجد نفسك بانتظار أصدقاء جدد، لكن سرعان ما ستجد ملاذك في الحديث عن أيام الاعتقال بلغة فرحة لا تخلو من النكات، عندها يكون بقربك من سبقك من الأسرى المحررين.


هي كذلك كل الدروب إليها لا تكون كما ترصفها المخيلة، وهايل أبو زيد الأسير المحرر من قبضة السجان الإسرائيلي بقرار استثنائي من لجنة طبية بسبب تدهور حالته الصحية، يعود اليوم بعد تسعة عشر عاما إلى قريته مجدل شمس في الجولان العربي السوري المحتل، قادماً من مستشفى رمبام في حيفا، يسكن دمه سرطان اللوكيميا وقد ورث المرض من قهر المعتقل، فهو لن يستطيع أن يحتضن من اشتاق لهم طوال سنوات أسره، خوفاً من إصابته بعدوى ما، فهو ممنوع كما بالمعتقل من معانقة ذويه، ولن يستطيع أن يخبر أهله ورفاقه عن لحظة وداعه من تبقى خلفه من المعتقلين، فقد خطفه المرض من بينهم إلى المستشفى فالحرية.
مرة أخرى اعتقال، أيها الصديق هايل... لن تلامس يداك ثلج جبل الشيخ، ولن تستطيع أن تتسلق تلك التلة الجميلة التي سهرت مرة حتى الصباح مع رفاقك الأسرى الأربعة الباقين ترقصون بفرح على مشهد تفجر مستودع ضخم من الأسلحة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وهو أمر لم تفعله أعتى الجيوش العربية ففعلتموه أنتم، لكن نسيت أن أسألك ورفاقك هل عددتم القذائف الألف وخمسمئة التي تفجرت يومها ونزلت كإحدى بنود اتهامك في المحكمة، هل لهذا السبب قضيتم الليل كله تراقبون؟
لن تعاود نشاطك الطبيعي أقله وقت العلاج، لن تزاول مهنة، لن تكون رهن الوقت مرة أخرى، سيكون لك متسع لا بأس به للتأمل رغم أن عينيك متعبتان أيضا، فلا تخف إن تعرضت لإهانة أو ابتزاز، فالعالم لا ينظر لك إلا بعين الفعل الماضي، فأمثالك يا هايل ليس مرغوباً بهم لوقت طويل، سرعان ما يتم الانقلاب عليهم لمجرد ما ينتهي موسم الترحيب وتعليق اليافطات. ستجد نفسك بانتظار أصدقاء جدد، لكن سرعان ما ستجد ملاذك في الحديث عن أيام الاعتقال بلغة فرحة لا تخلو من النكات، عندها يكون بقربك من سبقك من الأسرى المحررين.
ما أجملك حراً يا هايل لكن ما أصعب هذا الوداع القلق على من تبقى داخل الأسر، ترى هل كتب عليهم انتظار هاوية الموت كي يروا بعضاً من أطياف الحرية؟ فهل سيكون خروجك بهذا الطريقة، آخر دروب الحرية لمن بقي داخل المعتقل ومنهم من أمضى أكثر
من ثلثي حياته بصراع مع المعتقل وأمراضه؟