أيمن أبو جبل

أسير سابق
في السجون الإسرائيلية

 

مقالات سابقة للكاتب:

* الأسرى السوريون
* رحلة في أحضان الطبيعة
* المعارضة السورية
* في ذكرى فايز محمود
* هنا رام الله
* نماذج مأساوية
* على أطلال الهزيمة
* إن عشت فعش حراً
  ...

 

في الذكرى الثلاثين للحرب الاهلية اللبنانية
كتبه أيمن أبو جبل

صدمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري في لبنان أعادت إلى ذاكرتنا الحرب الأهلية، وفجرت هذا الكبت الذي يعيشه الأشقاء اللبنانيون بعد ان حصدت تلك الحرب عشرات الآلاف من الأبرياء والمفقودين والمشردين. وكشفت عملية اغتيال رفيق الحريري، ومن قبلها محاولة اغتيال النائب مروان حمادي، والتهديدات التي وجهت الى النائب وليد جنبلاط بالقتل، عن عمق الأزمة التي خلفتها تلك الحرب، وبنفس الوقت عن الرغبة الصادقة في إنهائها وتجاوز إفرازاتها بكل ثمن. فمنذ الثالث عشر من نيسان عام 1975، ولغاية التفجيرات الإجرامية التي استهدفت العاصمة بيروت بعد اغتيال رفيق الحريري وانتهاء المرحلة الأولى من انسحاب القوات السورية من لبنان، ولبنان يحصد أخطاء الآخرين على أرضه وأخطاء أبنائه بحق بعضهم البعض.

إن الحرب الأهلية اللبنانية لم تبتدأ في الثالث عشر من نيسان عام 1975، بعد تعرض تلك الحافلة التي تقل فلسطينيين أبرياء قرب مخيم تل الزعتر، ومقتل 26 مدنيا كانوا في طريق عودتهم إلى المخيم، وإطلاق الرصاص على المتظاهرين في صيدا ومعامل الغندور ومعامل التبغ في النبطية، واقتحام الفدائيين لشوارع الاشرفية وإطلاق النار عشوائيا ردا على جريمة قتل الفلسطينيين، ولم تكن استقالة وزراء الحكومة من مناصبهم، أو استشهاد معروف سعد ، ومحاولة اغتيال بيار الجميل زعيم حزب الكتائب، لكنها ابتدأت فعليا في ذاك الاتفاق الطائفي الذي قسم البلاد إداريا وحكوميا إلى نسب طائفية محددة. إن كل تلك الأحداث المؤسفة التي توالت على اللبنانيين لم تكن سوى الفتيل الذي أشعل البركان اللبناني ليشمل لبنان كله، ويتحول إلى حكم الميليشيات في الشوارع والحواجز والمناطق والمؤسسات الرسمية.

واليوم مع مرور الذكرى الثلاثين لهذه الحرب، يجدد اللبنانيون قسمهم على ان لا تتكرر ماسي هذه الحرب وعلى منعها من دخول شوارعهم وإحيائهم ومدنهم وعاصمتهم بيروت، التي تشهد حالة غليان جماهيري متواصل منذ جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط 2005. غليان يحمله اللبنانيين بصمت مجروح وصوت مخنوق، لم يتبدل الا حين اختلط الحابل العربي بالنابل الدولي على ارض لبنان، وغدا ساحة لمعاركه ومعارك الآخرين على أرضه.

في الذكرى الثلاثين لهذه الحرب تنتهي المرحلة الأولى من انسحاب القوات السورية من لبنان، وتمركزها في البقاع، وبداية المرحلة الثانية من الانسحاب النهائي من لبنان. وتبقى هناك غصة في سوريا ولبنان على السواء، تشتد أكثر حين نقف أمام ذواتنا ونتساءل بكل الم وحزن وحسرة: هل كان بالإمكان تجنب هذه المأساة وإراقة دم الأبرياء في الشوارع والأزقة والحارات؟ هل كان جديرا لنا ان نعيش هذه الجريمة التي اقترفتها أيدينا بحق تاريخنا وحاضرنا وماضينا؟ هل تستحق هذه الحرب ان نخلدها اليوم بشعار يوم الوحدة الوطنية في لبنان ولم شمل الشعب اللبناني من جديد؟ هل حمل اللبنانيون بمختلف فئاتهم وطوائفهم وتياراتهم ارث الآباء المؤسسين وصناع الاستقلال المحتجزين في قلعة راشيا أثناء الاحتلال الفرنسي؟ طبعا لن نتمكن من الإجابة الصريحة والموضوعية على كل تلك التساؤلات، ولن نحمل لقب الحكماء.

تمتد جذور الحرب الأهلية في لبنان إلى سلسة طويلة من الإحداث والتطورات نختصرها في رزنامة لبنانية معمدة بالدم:

جذور الصراع الأهلي اللبناني:

الميثاق الوطني اللبناني لعام 1943: الرئيس اللبناني بشارة الخوري يتفق مع رئيس أول حكومة استقلالية في لبنان على صيغة الميثاق الذي يقسم مسؤوليات الدولة والحكومة ومجلس النواب بين الطوائف اللبنانية المختلفة.

1952: ثورة لبنانية بيضاء تطيح بالرئيس اللبناني بشارة الخوري، ليخلفه بعدها الرئيس كميل شمعون، حيث عمت التظاهرات والاحتجاجات كافة مناطق لبنان بسبب تفشي الفساد ومحاباة الأقرباء في التعيينات الإدارية والحكومية.

1954: معاهدة الصداقة التركية الباكستانية، برعاية واشنطن، التي وضعت حجر الأساس لحلف بغداد بعد انضمام العراق إلى المعاهدة، وإعلان لبنان الموافقة مبدئيا على الانضمام للمعاهدة "حلف بغداد"

1957: لبنان يوافق رسميا على حلف بغداد، والسماح للولايات المتحدة بالتدخل عسكريا إلى جانب أي دولة تطلب منها ذلك لمواجهة النفوذ السوفيتي الذي تضاعف في مصر وسوريا.( مبدأ إيزنهاور).

1957: الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يوجه خطابا إلى رئيس حكومة لبنان رشيد بك الصلح قال فيه: "الوحدة الوطنية عندكم في لبنان قبل الوحدة العربية".

1956/1969: فرض الأحكام العرفية وقانون الطوارئ داخل مناطق المخيمات الفلسطينية في لبنان.

22/12/1969: قوة إسرائيلية تشن هجوما على مطار بيروت وتدمر 13 طائرة لبنانية ردا على عمليات المقاومة الفلسطينية ضد الأهداف الإسرائيلية.

1969: مظاهرات جماهيرية في لبنان من اجل الإصلاحات الإدارية وتعزيز الحريات الديمقراطية. انطلقت من معمل لصناعة التبغ في النبطية ومعامل الغندور، بسبب احتكار 4% من مواطني لبنان الوضع الاقتصادي والدخل الوطني بشكل أساسي، وقوات الشرطة اللبنانية تطلق النار على المتظاهرين وقادة اليسار اللبناني.

1969: اشتباكات مسلحة بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية في نهر البارد، توسعت لتشمل الجنوب اللبناني ومنطقة البقاع، الأمر الذي أدى إلى استقالة رشيد كرامي من رئاسة الوزراء، والجيش السوري يجند منظمة الصاعقة التابعة لحزب البعث العربي الاشتراكي لمهاجمة مواقع الجيش اللبناني على الحدود السورية اللبنانية، وتدخل الرئيس جمال عبد الناصر لنزع فتيل الحرب بدعوته الفرقاء اللبنانيين وقادة المقاومة الفلسطينية إلى القاهرة، والإعلان عن اتفاق القاهرة الذي وقعه العماد اميل البستاني قائد الجيش اللبناني، والرئيس الراحل ياسر عرفات عن منظمة التحرير الفلسطينية.
المعارضة اللبنانية اليسارية طرحت مطالبها في إصلاح النظام السياسي في لبنان، وعلى رأس تلك المطالب إلغاء الطائفية السياسية، والمناصفة في مقاعد مجلس النواب التي كانت موزعة بنسبة 6 مقاعد للمسيحيين وخمسة مقاعد للمسلمين. قادة اليمين اللبناني رفضوا جميع تلك المطالب .

1974: تكرار الاشتباكات المسلحة بين الفدائيين الفلسطينيين وحزب الكتائب اللبناني قرب مخيم تل الزعتر.

1974: مظاهرة نظمها صيادو الأسماك في مدينة صيدا، احتجاجا على قرار الحكومة اللبنانية بمنح شركة "بروتين" حقا حصريا في صيد السمك على طول الساحل اللبناني، والصيادون انتفضوا في سبيل لقمة عيشهم. قوات الجيش اللبناني تدخلت لإنهاء المظاهرة، الأمر الذي ادى الى استشهاد زعيم التنظيم الشعبي الناصري معروف سعد خلال إطلاق النار.

1974: زعيم حزب الكتائب اللبناني الشيخ بيار الجميل يتعرض لمحاولة اغتيال، قتل فيها احد مرافقيه.

13/نيسان/1975: حافلة باص قادمة من مخيم صبرا الفلسطيني الى مخيم تل الزعتر الفلسطيني تتعرض إلى إطلاق الرصاص من قبل مجهولين، قتل في الحادث 26 فلسطينيا . وانفجر البركان اللبناني. المقاومة الفلسطينية واليسار اللبناني يوجهون إصبع الاتهام إلى حزب الكتائب، الذي نفى التهم. العديد من وزراء الحكومة يقدمون استقالتهم احتجاجا على الحادثة، وبات لبنان شبه مشلول حكوميا وإداريا تتقاذفه حركة الميليشيات في الشوارع.

1957: قوات فلسطينية تقتحم منطقة الاشرفية شرقي بيروت وتطلق النار عشوائيا في الشوارع فتشتعل الأحداث عسكريا في لبنان.

الرئيس سليمان فرنجية يعين العميد اول نور الدين الرفاعي على راس حكومة عسكرية في لبنان، التي أيدها مباشرة الكتائب واليمين اللبناني، بينما ثار اليسار ومؤيدوه، الأمر الذي ادخل لبنان في دوامة جديدة من المظاهرات والاضطرابات، فاستقال الرئيس المكلف بعد ثلاثة أيام فقط على تعيينه، وكلف رشيد كرامي بتشكيل الحكومة، في الوقت الذي استمرت فيه الاقتتالات والاشتباكات والاعتصامات في مساجد بيروت وأحيائها الشعبية.

1975: الأمام موسى الصدر يؤسس حركة المحرومين، ويعلن عن حركة أمل ذراعا عسكريا لها.

إن ما حدث ويحدث في لبنان هو بلا أدنى شك انتفاضة حقيقية على الواقع السائد منذ عقود طويلة، وهي وبحق انتفاضة مسئولة وموضوعية، تقودها المعارضة السياسية التي كانت معظم تياراتها حتى الأمس القريب في خصومة سياسية وعسكرية وعدائية طيلة سنوات الحرب التي امتدت خمسة عشر عاما، راح ضحيتها عشرات الالاف من الأبرياء والمفقودين، ودمر لبنان مرة على أيدي أبنائه ومرات على أيدي الإسرائيليين، أثناء احتلال لبنان وجنوبه البطل. ان اللبنانيين اليوم مطالبون بمخاطبة عواطفهم وعقولهم، وحماية هذه الروح الوطنية اللبنانية في وجدانهم، وحماية أولئك الذين صانوا لبنان وصنعوا تحرير جنوبه بمئات الشهداء وعشرات الأسرى والمعتقلين، والاف الجرحى والمصابين. ان لبنان يجسد اليوم وحدته الوطنية في عمقه العربي العميق، وعلاقته المميزة مع سوريا، رافضا في الوقت نفسه بقائه تحت الوصاية والرعاية حتى وان كانت عربية، ويحمل رسالة واضحة في قدرة الشعب اللبناني على صنع تاريخه بيده ، رغم إن جراح الحرب الأهلية لم تندمل تماما بعد، وجراح أزماته الداخلية لا زالت تتأجج اكثر وتنذر بعواقب داخلية وخيمه. ازمات برزت اكثر منذ الاعلان عن نهاية هذه الحرب المشؤومة، وتوقيع اتفاق الطائف في العام 1989 وتمثلت تلك الأزمات بـ:

* أزمة العلاقة بين لبنان وسوريا وما نتج عنها من تدخلات أدت إلى خلق سلطة تابعة من خارج السياق الدستوري اللبناني لا تعبر عن إرادة اللبنانيين.

* أزمة سياسية تتجلى في انهيار نظام القيم وتغليب المصالح الشخصية وتكريس المحاصصة وضرب النظام الديموقراطي ورفض المصالحة الوطنية وتسييس القضاء والجهاز العدلي في لبنان الأمر الذي جعل اللبنانيين يستشعرون خطرها المسلط فوق رقابهم.

* أزمة اقتصادية تتجلى في تواصل انخفاض الليرة اللبنانية، وسيطرة التجار السوريين على 40% من غرفة تجارة لبنان، و50% من غرفة صناعة لبنان، وازدياد حجم العاطلين عن العمل من المواطنتين اللبنانيين .

* وأزمة واجتماعية تهدد، تزداد حدتها في ظل انقسام اللبنانيين بين الموالاة والمعارضة، وتيار الطريق الثالث .

فهل يستطيع الشعب اللبناني دمل جراح هذه الحرب وتخطي ازماته الداخلية؟ وهل يتكمن الشعب اللبناني وتياراته السياسية، من لملمة هذه الجراح نحو لبنان افضل، مبني على الاحترام والتعايش والوحدة الوطنية؟ وهل يتخلى البعض من اللبنانيين اخيرا عن احلامهم الفئوية، الخاصة في ادارة شؤون لبنان بمعزل عن عمقه العربي العميق؟ ايا كانت الاجابات تبقى هناك حقائق لا يمكن تجاهلها: ان لبنان الموالاة والمعارضة مجبر على اعادة الاعتبار لكل اللبنانيين الاحياء منهم والشهداء والمعتقلين.


 

  عقب على المقالة
 

لا توجد تعقيبات حاليا