أيمن أبو جبل

ألبوم صور من المسار


رحلة في أحضان الجولان

كتبه أيمن أبو جبل

غريب جداً أمرنا نحن الجولانيين، يجوب معظمنا الأرض غرباً وشرقاً، شمالا وجنوبا، بحثا عن المتعة والهدوء وجمال الطبيعة، ويعود إلينا يصف جمال تلك البلاد التي زارها، ويبرز أمامنا بزهو ونشوة صوراً تذكارية لتلك الأماكن التي قضى فيها بعض الوقت، وحين يصادف أن ينضم إلى رحلة صغيرة ينظمها عددا من المتطوعين الشباب في رحاب الجولان السوري، يبهره هذا الجمال، ويتأسف على تبذير ماله ووقته في أماكن أخرى من العالم، ويقول مستغرباً:" لدينا هنا، وعلى مقربة منا، بقعة صغيرة من الجنة، تتجسد فيها كل آيات الجمال والروعة، فلماذا لا نعرفها، ولماذا لم نشارك من قبل في هذه الرحلات والمسارات القريبة والمحيطة بنا!".

هذا ما شكاه لي أحد الشباب الذين شاركوا يوم أمس في مسار المشي إلى "بركة المسدسات" في الجولان.

قبل أسبوع كانت الفعالية الأولى لهذا الموسم، كما يحبذ أن يسميها أحد المنظمين الشباب. كانت شيقة ومتعبة ورائعة جداً، رغم قلة عدد الذين شاركوا بها. ولكننا لم نتفاجأ على الاطلاق، في الفعالية الثانية يوم السبت الأخير. فرغم هطول المطر الشديد طلبنا باصاً آخرا ليقل الجميع إلى مسار المشي، بعد أن امتلأ الباص الأول. لقد تجاوز العدد الـ100 شخص من الشباب والشابات، الذين اجتمعوا من كافة قرى الجولان المحتل.

" لقد اعتقدوا أنهم يستطيعون تفريقنا وتشتيتتنا عن بعضنا البعض. اعتقد أنهم سيتافجأوون حينما يشاهدوننا نسير يداً بيد وكتفا بكتف، شباباً وصبايا، مغامرين صغار لم تتجاوز أعمارهم الثانية عشر، ومغامرين شباب
تجاوزوا الخامسة والأربعين من عمرهم، من كل قرى الجولان. كانت التجربة شيقة"- يصف محمود هذا المسار، رغم انه اشترك فيه من قبل في إحدى رحلات المخيم الصيفي، لكنه هذه المرة ممتع أكثر. فاليوم ترى المحيط مختلفاً، والمشتركين كانوا أكثر حساسية لهذه المناظر الخلابة. ورغم متعة هذا اليوم إلا أن غريزة المغامرة قد أحدثت بعض الإصابات، جراء السقوط والتدحرج، والتعب والإرهاق الذي أصاب البعض. فليس سهلاً أن تستمر في السير في الطبيعة والتلال والوديان دون أن تصاب بجروح هنا أو هناك، أو وخزة شوكة ، أو أن يصطدم رأسك بغصن قديم متدلي بين الأشجار.

ولكنها اللذه تعوضك عن الألم، وروعة اللقاء حول موقد شواء البطاطا، ودفء "الموقدة"، والمعظم يلتف حولها لينال قسطاً من الدفء الإنساني، الذي ميز هذه الفعالية، في الوقت الذي فعلت بيئة المكان فعلها في رسم لوحة فنية من الجغرافية الجولانية.

وبجانب هذا الدفء والطمأنينة أثناء تناول البطاطا المشوية، بينما يلامس رذاذ حبات المطر وجوه المشتركين، كانت لحظات خوف ولهفة... "إحدى المشتركات وهي تصعد إلى صخرة عالية فوق بركة المسدسات، وتقفز بعد ترددها وتشجيع بعض المشتركين لها وارتطام وجها بقوة فوق سطح المياه، وخروجها سالمة تماما وسط القليل من خوف المنظمين، وسعادة المغامرين من الشباب والصبايا الذين اشتركوا أيضا في مغامرة القفز والسباحة من علو يبلغ حوالي 15 مترا...".

وتستمر هذه المغامرة وسط تذمر المشتركين الذين أنهكهم التعب والسير المتواصل، وانتظار وصول آخر المشتركين في الصفوف الخلفية .

وما بين طلائع السائرين في الامام، وآخرهم في نهايته، كانت ارض الجولان ذاك اليوم تئن بوجعها. فالأبناء هنا يتحدثون بهمس. ربما هنا كانت قرية سكنها أشخاص من شعبنا.. وهناك كان رعاة الغنم والماعز يرتادون ذاك المكان، يغنون الدلعونا والميجانا.. وربما هنا بالذات نظم أحد الرعاة قصيدة عشق وغزل في محبوبته التي
انتظرته عند المساء أمام مدخل قريته، التي كانت هنا في هذا المكان الذي يبكي ماضيه...

بدأ المسار حين طلب أحد المنظمين من سائقي الباصات التوقف، وأمر المشتركين بالنزول، مع بعض التعليمات الضرورية. كان ذلك قرب قرية قصرين العربية، التي أقيمت على أنقاضها مستعمرة" كتسرين"، كبرى المستعمرات الاسرائيلية في الجولان، حيث نزل المشاركون ليلامسوا وديانها وسهولها التي كانت الحياة تدب فيبها يوماً، ليصلوا بعدها، مشياً على الأقدام، إلى قرية خسفين، التي تبعد 4 كلم، قاصدين بركة المسدسات، هذه التحفة الفنية التي صنعتها الطبيعة على مر العصور. لم يستطع المشاركون هنا إلا وأن يستحضرهم المكان والزمان معاً. حين توقف المسار هنا، كان البعض يستحضر في مخيلته بعضا من حياة الأشخاص الذين سكنوا هنا، وعاشوا هنا، وشرّدوا أيضاً من هنا. كيف تكون الحياة جميلة دون هذا الجمال الرائع، فالشلال الذي يرتفع حوالي40م، وتنبسط أمامه برك وتجمعات مائية، تفي لأغراض السباحة وبعضا من اللهو، رغم برودة الطقس، وتساقط القليل من حبات المطر، إلا أنهم استجمعوا بعض من العزيمة لجمع الحطب وإشعال النار، قبل تغريمهم بمخالفة مالية لتجاوز قانون "سلطة حماية الطبيعة" الإسرائيلية، القاضي بمنع إشعال النار تحت أي ظرف ولأي سبب كان. لكن الأهم من دفع فاتورة المخالفة أن حبة بطاطا واحدة على الأقل معشقة برائحة الحطب وصلت الى كل مشترك، وطبعا لم تغادر منظمي الفعالية رغبتهم في تناول الحديث والكلام، بأسلوب يحمل بعض الوجع الاجتماعي، عن أهمية هذا اليوم، وانعكاساته على صعيد التواصل بين الأجيال، وتواصل هذا النسيج الاجتماعي بين شباب وشابات قرى الجولان، وخاصة مع الجيل الناشئ، وما يلاقيه من إهمال وتقصير ونسيان إلى درجة ضياعه في المجهول الغامض. هذا الجيل الذي لا مستقبل له ولا عنوان، في ظل هذه الفوضى الاجتماعية والسياسية التي نعيش، وفي غياب سلطة وطنية ترعى شؤونه وتوجهه.

أحاديث كثيرة احتضنها المكان بذكرياته، فهل تحتفظ بها ذكريات المشاركين بعد عناء اليوم الطويل?
 

  عقب على المقالة
 

عدد التعقيبات على هذه المقالة هو 3

رحلة الى الجولان
المرسل : مرام
بتاريخ : 06/04/2006 00:00:57

انا مواطنة من عرب ال 48..بالمدرسة الاعدادية وكل رحلنا فقط الى الجولان ورحل بياتي ايضا..مناطق كتير حلوة..والان اريد تقديم وظيفة عن هذه المناطق..

عنجد منشكر يلي عملو هالمشروع
المرسل : مواطنة
بتاريخ : 06/12/2005 18:09:41

عنجد كثير حلوه هالفكرة وكثير مسليه وبنفس الوقت مفيده للتعرف اكثر على الوطن وبلدان الوطن وشباب وصبايا بلادنا اتمنى ان ينجح المشروع وهي كمان رحله مش بس ترفهيه كمان ثقافية لكل انسان يعرف وين الله حاططنا ويعرفو انه ما بهمونا الصهاينه وانه الكل بالمسار يساعد بعض وبيتعرفو على بعض وبتمنى من كل قلبي اني يستمر هالمشروع ومرى ثانيي بشكركون من كل قلبي وبقلكوانو مسارات ناجحين %100 واحلى تحياتي الحارة الى ايمن ابو جبل.

حبذا.....
المرسل : اليسار
بتاريخ : 04/05/2005 22:19:27

حبذا لوتكون هناك مره قادمه في القريب العاجل...حيث كان توقيت الرحله مبكر قليلا ,نظرا للاحوال الجويه في ذاك اليوم .