بين
الجولان ولندن مسافات
بقلم
أيمن أبو جبل |
في
تعليق أوردته صحيفة القدس العربي
الصادرة في لندن، كتبه الأستاذ عبد
الباري عطوان تحت عنوان "ماذا تريد
سورية "، يستعرض فيه الكاتب الموقف
السوري فيما يخص استئناف المفاوضات مع
الدولة العبرية، وجملة التصريحات
الصادرة عن المسؤولين السورين مؤخراً،
المتعلقة باستئناف المفاوضات
الاسرائيلية السورية.
إن
مراجعة سريعة للمواقف السورية الرسمية
لا تدع مجالا للشك، او التفكير، أن
سوريا معنية جدا بإنجاز صفقة سياسية،
تكلل بتوقيع
اتفاق سياسي مع الدولة العبرية، يضمن
المصالح الوطنية السورية في الجولان
المحتل، وأهمها اعادة الجولان كاملا
الى السيادة السورية أرضا وشعبا وهوية وخيرات
طبيعية، وعلى هذا وافقت
سوريا منذ مؤتمر مدريد، على البدء
في محادثات
ثنائية رسمية مع
الحكومة الإسرائيلية، قبل اكثر من عشر
سنوات، وكانت نتائجها المراوحة
والفشل، ورفض اسرائيل الانسحاب من
الجولان. واللافت أن الموقف السوري لم
يتبدل، ولم يتغير، منذ مؤتمر مدريد،
ولم تتبدل التصريحات السورية،
باستثناء موافقة سوريا على الحل
السياسي، الذي يرضى به شعبنا في فلسطين
المحتلة، في
اشارة الى اتفاقيات اوسلوا،
التي
تفردت بها القيادة الفلسطينية، آنذاك،
وبموجبها تم إنشاء السلطة الوطنية
الفلسطينية في الداخل الفلسطيني، وهذه
الموافقة أعتبرها
تراجعا سياسيا سوريا في العملية
التغاوضية العربية الاسرائيلية.
لقد
أختصر الأستاذ
عبد الباري عطوان، في مقالته الواردة
في تاريخ 15/1/2004، الموقف السوري من
القضايا الوطنية
والعربية، رغم الاتفاق الكامل معه في
ضرورة ثبات الموقف السوري أمام الهجمة
الأمريكية الإسرائيلية على وطننا
العربي، تحت يافطة محاربة قوى الشر
والارهاب في المنطقة، لبسط الهيمنة
وتكريس الاحتلال واحتكار خيرات المنطقة، لأنها
الصوت العربي الرسمي الأخير، الذي
يواجه الطاغوت الأمريكي الإسرائيلي في
وقتنا الراهن. وأتفق تماما مع الاستاذ
الكريم في ضرورة صون وتعزيز الجبهة
الداخلية السورية، لجعلها
قوية
ومتينة، تضمن المصالح الوطنية
السورية، حربا أو سلما، ومواجهة أي خطر
أو أي غزو
أجنبي لسوريا كوطن عربي عزيز وغالي على
قلوب أحرار العرب. إن المتتبع لتاريخ
الشعب السوري منذ القدم، يسلم بحقيقة
لا يمكن الجدال فيها، وهي أن هذا الشعب
لن يقبل ابد التفريط بأي
شبر
من أرضه، كما
لن تقبل الأجيال القادمة
مؤامرة سلخ لواء الاسكندرون من حضن
الوطن آلام سوريا، الذي لا يزال وهجا
في وجدان وذاكرة الأحرار السورين
.
إن
إفرازات الحرب على
العراق واحتلاله أمريكيا،
وتداعيات هذه الحرب الإجرامية ضد
أحرار الأمة العربية والإسلامية، هي
بلا أدنى شك ناقوس خطر يهدد كافة نظم
الحكم العربية، وما المصير الذي آل
إليه رئيس نظام عربي احتلت ارضه، ومصير
رئيس عربي ثوري آخر،
تسابق جاثيا
على ركبتيه يطلب الرضى والغفران من
زعيمة الإرهاب العالمي المنظم امريكا،
وبالتالي الرضوخ والاستسلام لها،
الا دروسا
وعبرا لكل
عربي في هذا العالم،
رئيسا كان ام مواطناً بسيطاً.
ما
استغربه حقاً، أن يعتقد الاستاذ عبد
الباري عطوان، بأنه ملم بتاريخ هذه
المنطقة وجغرافيتها، وطبيعة سكانها،
خاصة وانه وجه
ندائه إلى "الأهل في هضبة الجولان
المحتلة"، بضرورة أن يعلنوا رفضهم
للمحتل الاسرائيلي، الرابض على ارضهم
منذ اكثر من ستة وثلاثين
عاماً، ويعلنوا الانتفاضة في الجولان
المحتل، بدءً من الحجارة وصولا
الى العمليات الاستشهادية، "لفرض
موازين سياسية جديدة على اسرائيل
واجبارها على طلب الصلح والسلم
والمفاوضات مع حكومة الجمهورية
العربية السورية"، ويسهب استاذنا
الكبير عبد الباري عطوان في هذا
السيناريو النضالي، ويستند الى تجربة
الانتفاضة الفلسطينية وانعكاساتها
على الشعب والحكومة في اسرائيل،
وضرورة إسقاط تلك التجربة على الساحة
الجولانية، وكأن الجولان وسكانه
السوريين، ينتظرون الدعوة لبدء
النضال والمقاومة لتحرير أرضهم من
المحتل الغاصب .
يؤسفني
هنا أن أتناول هذا الجانب من الحقائق
التاريخية التي يتجاهلها البعض من
كتابنا، بقصد أو غير قصد، وأتمنى ان
يكون أستاذنا الكريم قد أسقطها سهوا،
لما له من معزة واحترام وآذان صاغية في
ساحتنا الجولانية .
فمن
أجل التاريخ والحقيقة، لابد من قول
كلمة حق لأستاذنا الكريم، قبل أن تصبح
دعواته النضالية من
المسلمات البديهية لفكره ونهجه
وأسلوبه. إن الجولان السوري المحتل
بسكانه السبعة عشر ألف مواطن، هم عرب سوريون قدموا الغالي
والنفيس، منذ اللحظات الأولى لدخول
الغزاة المحتلين ارض الجولان، أسوة
بباقي الأراضي العربية التي اغتصبت
بعد عدوان حزيران عام 1967. ولأحرار
الجولان، خاصة، الفضل الأكبر في إفشال
كبرى المؤامرات الإسرائيلية، التي
استهدفت سلخهم عن انتمائهم الوطني
والقومي، من خلال إفشال مخططات
الدويلات الطائفية، "الدرزية
والشيعية"، في
الجولان وحوران والجليل وجنوب لبنان،
في بداية سنوات السبعين
من القرن الماضي. ويسجل التاريخ الوطني
والنضالي العربي لأحرار الجولان
مساهمتهم ودورهم البطولي، من خلال
خلايا المقاومة، التي مهدت عمليات
عبور القوات المصرية لخط بارليف،
وعبور القوات السورية لخط ألون في
الجولان، في تشرين من العام 1973، بعد أن
استطاعت، هذه الخلايا، اختراق أهم
المواقع العسكرية الإسرائيلية،
وتزويد القوات السورية بادق المعلومات
والتفاصيل عن التحصينات والدفاعات
الإسرائيلية على الجبهتين، قبل الحرب،
من مرصد جبل الشيخ العسكري في الجولان
وحتى خط بارليف على السويس. وربما لم تتوفر
لأستاذنا الكريم إمكانية قراءة
التاريخ والجغرافيا السورية في
الجولان، ولم يدرك أن الجولان ساحة
عربية نضالية حرة، وأدت البرنامج
الإسرائيلي في فرض التجنيد والتجنيس
والتهويد، في اكبر انتفاضة عربية
شعبية، في حينه، استمرت
اكثر من ستة اشهر متواصلة، في
الثمانينات من القرن الماضي،
تخللتها عمليات قمع وبطش وتخريب
وحصار مطبق، وبناء معسكرات اعتقال
للمدنيين العزل، وحرب تجويع منظمة،
قامت بها حكومة المحتلين الغزاة، ولم
يكن عددهم السكاني، آنذاك، أكثر من
ثلاثة عشر
ألف مواطن، تحيطهم الأسلاك الشائكة
والألغام وجنود الغزاة من الجهات
الأربع .
لم
ارغب في تناول هذه اللفتة المقتضبة جدا
من تاريخ الجولان النضالي، لولا رغبتي
في حث الأستاذ عبد الباري عطوان
على
مراجعة معلوماته، تخليداً لشهداء
الجولان السبعة والثلاثين، وإنصافاً
لمعتقليه داخل السجون الإسرائيلية،
التي ما فرغت يوما واحدا من أسرى
ومعتقلي الجولان المحتل.
رغم
امتناني الشديد لهذه اللهفة الوطنية
التي تحدث بها إلينا أستاذنا الكريم مشكورا، فليتها تسهم في ذكر
الحقائق، قبل ذكر الرغبات والأهواء، التي
تخلو من قراءة واقعية وموضوعية
للتاريخ، ومن عودة حقيقة
للمواطن البسيط الذي أنهكه قمع
واظطهاد الاحتلال، وتجاهل البعض من
كتابنا لواقعه المرير والقاسي، الذي
يعيشه على مدار الساعة داخل الأرض
المحتلة، هذا الواقع تغيبه، على ما
يبدو، حياة الرفاهية والطمأنينة
والهدوء المادي والمعنوي والنفسي،
الذي توفره عواصم الغرب إلى كتابنا
الأعزاء