أيمن أبو جبل

 

 

 

 

نجحوا في الاسكندرون لكنهم فشلوا في الجولان

كتبه أيمن أبو جبل

وبشكل خاطئ اعتقد حكام إسرائيل أن سكان الجولان الباقين في قراهم الست، هم مجرد أرقام وتجمعات بشرية، تخلو من أي نسيج وارتباط أخلاقي، فكان الجواب، من مجدل شمس إلى بقعاثا إلى عين قنية إلى مسعدة، واحدا موحدا: ارحلوا من هنا، ارحلوا عن جذورنا العربية السورية، التي تمتد في أعماقنا منذ بدء التاريخ.

هنا وفي مساحة جغرافية تبلغ قرابة ألـ: 1680 كلم مربع، بسط المحتلون الإسرائيليون سيطرتهم، على هذه المنطقة التي قد يطويها النسيان السياسي، في ظل هذه الأجواء السياسية التي تعصف بنا وبعالمنا اليوم، نتيجة التفرد والهيمنة والسيطرة الأحادية الأمريكية الإسرائيلية على العالم، وتحت شعار "محاربة الإرهاب"- محاربة الحقوق المشروعة لأولئك المنكوبين والمظلومين، الذين يتوقون إلى العيش بهدوء وسلام ودفئ إنساني، في حلم أوطانهم،  التي حلموا بها في أن تكون مستقلة ذات يوم...

بين الزمان والمكان علاقة رحم عضوية، لا يمكن لها أن تنتهي. وبين الجولان والإنسان  حكاية عشق قديمة، كقدم التاريخ والحضارة فينا، وكما يخبرنا التاريخ، إن فكرة الوطن ابتدأت  بحلم شاعر بسيط، وقلم كاتب،وإصرار مقاتل، ونبوءة حكيم، جبلته حياة هذه الأرض، وروى خضارها بعرقه ودمه.

قد يكون الجولان المنطقة الأكثر استهدافا إسرائيليا، بين الأراضي العربية المحتلة، بعد  القدس الشريف، وذلك لأهمية موقعه الاستراتيجي في الذهنية الاستعمارية العسكرية الصهيونية، ومخزونه الجوفي من المياه، وأهميته كمنطقة سياحة واستجمام يدر الملايين سنويا، وهذا ما عبر عنه زعماء الحركة الصهيونية،
منذ القدم.

"بن غوريون" أحد زعماء هذه الحركة قال في العام 1919: "إن حدود دولة اليهود يجب أن تضم النقب ويهودا والسامرة والجليل وسنجق حوران وسنجق الكرك  وجزءً من سنجق دمشق" ( اقضية القنيطرة، ووادي عنجر وحاصبيا). أما زعيم الحركة الصهيونية  حاييم وايزمن فقد عبر في رسالته عشية مؤتمر سان ريمو، إلى لويد جورج، رئيس الوزراء البريطاني: "لقد حددت المنظمة الصهيونية منذ البدء الحد الأدنى من مطالبها الأساسية لاقامة الوطن القومي اليهودي، ولا داعي للقول أن الصهيونيين لن يقبلوا تحت أي ظرف  اتفاقيات خط سايكس بيكو، حتى كأساس للتفاوض، لان هذا الخط لا يقسم فلسطين التاريخية، ويقطع عنها منابع المياه فقط، بل يفعل اكثر من ذلك، انه يحرم الوطن القومي  بعض أجود مناطق الاستيطان في الجولان وحوران، التي يعتمد عليها المشروع الصهيوني". أما أحفاده من قادة الدولة العبرية، وبعد احتلال الجولان في العام 1967، فقد باشروا في تنفيذ هذه الأطماع الاستعمارية، والتي كانت  أساسا لقانون ضم الجولان والحاقة بالدولة العبرية في العام 1981،  بدءً من مشروع يغال ألون في عام1976،  ومشروع حزب مابام، ومشروع حزب الليكود، الذي أعلن في برنامجه الانتخابي إن "إسرائيل لن تتخلى عن الجولان ولن تزيل أية مستعمرة أقيمت فيه".

أما "مناحيم بيغن" رئيس الوزراء الإسرائيلي في الأعوام (1977-1938 ) فقد قال: "لن نجد في بلدنا أو خارجه رجلا جادا درس  تاريخ ارض إسرائيل، في وسعه أن يحاول إنكار إن هضبة الجولان، كانت على مر أجيال كثيرة جزءاً  لا يتجزأ من ارض إسرائيل".
إن الذاكرة العربية مزدحمة ، بالمؤامرات ومشاريع التصفية، والاستهداف، والتاريخ العربي مليء بالشواهد والتجارب والذكريات الأليمة والموجعة، وللشعب العربي السوري نصيبه من تلك الأوجاع القومية والوطنية، التي ما زالت تتربص في الوجدان والذاكرة والواقع. والجولان ليس وحده الذي عانى ما عاناه، فالتجارب الوطنية والقومية التاريخية ما زالت تتوهج في حاضرنا، كشعب أعزل، لا يملك من مقومات الصمود والرفض سوى الأيمان والإرادة.

حين باشرت إسرائيل، وعلى ارض الواقع في ، في تغير الحقائق، وتشويه وتزوير التاريخ والتراث والواقع في الجولان، كانت فرنسا  في ماضيها الاستعماري الأسود، قد سبقتها بأكثر من خمسين عاماً، في سلخ بقعة جغرافية غالية على العرب والسوريين خاصة، وتواطأت بتلاقي مصالحها الاستعمارية مع الدولة التركية الفتية، في مصادرة  هوية شعب عربي، وواقع انتماء ارض إلى أمة عريقة  في القدم والعطاء.

 
الاحتلال والاستعمار واحد، والضحية واحدة، لكن الواقع مختلف، بكل تشعباته الجغرافية السياسية،  والتاريخية والدولية. فماذا حدث هناك؟ وماذا يحدث هنا؟ سؤال مشروع تحمله أمانتنا الوطنية في عنق الأجيال. كيف حدث هناك؟؟ وكيف يحدث هنا؟؟ أسئلة مشروعة تتسائلها الأحداث، فكيف حدث ذلك هنا في الجولان، وفي لوائنا الضائع هناك؟؟

في التاسع والعشرين من شهر نوفمبر من العام 1937، هناك في أقصى الشمال الغربي من الوطن السوري، اسقط  غدراً العلم العربي السوري من سماء انطاكية، واسكندرون، وبقية مدن اللواء العربي السوري، الذي تقدر مساحته بـ 18 ألف كلم متر مربع، وبتعداد سكاني، وفق الإحصاء السكاني عام 1938، يقارب الـ 220 ألف نسمة، فيما يبلغ عدد سكانه اليوم، وفق أسوأ التقديرات  والإحصائيات التركية، حوالي أربعة ملايين عربي، يتوزعون على مدن عنتاب، ونصيبين، وادنا، وارورفة، ومارسين، وغيرها من مدن اللواء الضائع، حيث ما زالوا يقبعون في نسياننا الوطني والقومي، يتعرضون إلى  اعتي وأقسى أنواع القمع والاظطهاد  القومي الثقافي، بمنعهم من حقوقهم اللغوية والثقافية  وغير الثقافة، حيث  تعتبرهم حكومة تركيا  أتراكا في الواجبات، واقلية أجنبية عدائية في الحقوق، معتبرين إن كل كائن حي يدب فوق أراضى تركيا عليه التكلم والاندماج بثقافة الأتراك المعاصرين، هذا القمع  يطال جميع القوميات العرقية الأخرى التي تسكن اللواء من غير الأتراك. وللوقوف لحظة قصيرة، أمام الأحداث التي عصفت بتلك البقعة الغالية المغتصبة من وطننا الحبيب سوريا، لا بد من استعراض ابرز المحطات التي سبقت اغتصاب اللواء وسلخه عن وطنه:
في 29-5-1937 تبّنى مجلس عصبة الأمم تقريراً، دعا إلى إقامة نظام خاص بلواء الإسكندرون. وفي ظل هذا الواقع، من احتدام المصالح الدولية، كانت القوى الإقليمية (فرنسا وبريطانيا) عاجزة عن فرض السيطرة السياسية على اللواء. ولكن الحكومة السورية حاولت حسم الخلاف مع تركيا، حتى بتقسيم اللواء، على أن تكون مدينة الإسكندرون في القسم التركي وانطاكيا في القسم السوري، وأن يتم تبادل السكان العرب والأتراك على هذا الأساس، ولكن تركيا رفضت ذلك بشدة.
وفي 15-7-1938 اجتاح الجيش التركي حدود اللواء، واحتل مدن الإسكندرونة وبيلان وقرقجان، فيما رابط الجيش الفرنسي في انطاكيا. وفي ظل هذا الاحتلال المزدوج، التركي  الفرنسي، جرت الانتخابات التشريعية في اللواء، التي حددتها فرنسا، بتاريخ 23-7-1938 ففاز الأتراك! وهكذا سلخت تركيا، بالتواطوء من المحتلين الفرنسيين لواء الإسكندرون منذ 23-7-1938،  وجرى تتريكه، بعد اتباع سياسة
تهجير واقتلاع  لمعظم سكانه العرب السوريين، واطلقت عليه اسم  "هاتاي".

لقد تعرض اللواء المسلوب، في شمالي الوطن السوري، إلى الاقتلاع من جذوره العربية السورية، وضمه إلى دولة أجنبية، طامعة في ثرواته، وخيراته وموقعه الاستراتيجي، ولم يكن وطننا الحبيب قد انتزع سيادته واستقلاله بعد، ولم يكن المحتلون الفرنسيون قد مضوا إلى غير رجعة بعد.

بين اللواء الضائع والجولان مسافة زمنية طويلة، ومساحات جغرافية شاسعة،  تتلاقى في حضن وطن واحد، وعلم عربي واحد، كان محط أطماع وكمائن ومؤامرات. فسوريا التاريخية والطبيعية والجغرافية، كانت دوما تفرض معادلاتها على الخارطة السياسية، بدءًا من حضارة اوغاريت العظيمة، ومروراً بوضع أسس التقدم والحضارة والعمران والعلم والفلك، وركائز النهضة الإنسانية، وصولا إلى ثوراتها التحررية ضد المستعمرين، ووضع أسس الحرية والعدالة والاستقلال العربي، وليس انتهاءًا في دورها المميز في احتضان ثقافة العمل العربي المقاوم، في تلك الأجزاء العربية الغالية، التي ابتليت بمحن الاستعمار والاحتلال، والاظطهاد الأجنبي والعربي على السواء.

اليوم تستحضرنا  الذكرى الـ 65   لسلخ لواء الاسكندرونة عن وطنه الام سوريا، التي تصادف الذكرىالـ 57  لقرار مجلس الأمن رقم (181)- تقسيم فلسطين  التاريخية كجزء من سوريا الطبيعية في29-11-1947، والتي تصادف أيضا مرور 23 عاما على قرار حكومة إسرائيل  في ضم مرتفعات الجولان العربية السورية إلى كيانها في تاريخ 14\12\1981. وسنحاول أن نغوص خلف أبعاد هذا القرار، بشهادات  من عايش تلك الأحداث، بتفاصيلها وأيامها والالامها، لنقدم صورة لنا وللأجيال، على أمل أن تساهم في بقاء الحق ساطعا، في الوجدان والذاكرة والواقع. عل تلك الشهادات تبقى حية من اجل منع تكرار مأساة السلخ والضم والإلحاق، وبذات الوقت نحن لا نبكي على أطلال  ماضي شعبنا، لأنها أطلال لم تزل تشع في ذاكرة الأجيال، رغم جراحها القديمة، في زمن غدت فيه الجراح صفة لكل المقهورين والمسلوبين
.

 

دخلت إسرائيل الجولان العربي السوري المحتل، كقوة عدوانية غازية، في التاسع من حزيران عام  1967، وسيطرت عليه بالكامل في العاشر من حزيران المشؤوم. فابتدأت أولى خطواتها العدوانية، في عزل وفصل الجولان عن ارتباطاته، الإدارية والقضائية والمدنية والخدماتية، عن وطنه الام سوريا. فالغت مناهج التعليم، وفصلت خيرة المربين من  عملهم، والغت النظام المالي والاقتصادي السوري في الجولان، وصادرت كل الأملاك والمزارع والمحلات التجارية، التي اضطر سكانها إلى الرحيل هروبا من قذائف المحتلين، وأعلنت الأحكام والأحوال والقوانين العسكرية، من خلال سلطات الحكم العسكري، الذي فرضته على الأرض، وعلى من تبقى بها من السكان. وقد أعلن عن الجولان منطقة خاضعة لنفوذ الحكم العسكري الذي تعاقب عليه كل من:

"عكيبا فاينشتين"- أول حاكم عسكري في الجولان، ثم تلاه لاطول فترة الجنرال "شموئيل دوتان"- وهم من اليهود السوريين. جاء بعده "عكيبا دان"، ثم الحاكم العسكري ،اليهودي سوري الأصل، "موسى عطار"، الذي انتهى بعهده الحكم العسكري في الجولان، في الأول من نيسان عام 1982،( موسى عطار، أبعد عن منصبه قبل انتهاء ولايته، بسبب الفشل الكبير الذي تعرضت له سياسة اسرائيل في الجولان في تلك الفترة)، ليخضع بكامله إلى الحصار العسكري، وبدء تطبيق القانون الإداري والمدني والقضائي الإسرائيلي.

إن الغباء عادة يتميز بها المغفلين والبسطاء، لكنه كان أسلوبا سائدا لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، فأنك حين تغير الأسماء فانك لن تستطع تغير المكان، وان محوت التاريخ فانك لن تستطع محو الجغرافيا، وان حاولت تدمير الوقائع والأحداث فانك لن تستطع تدمير ذاكرة الإنسان. لقد مارست إسرائيل ضد  مواطني الجولان كل ذلك، إضافة إلى استهداف مستقبل سكان الجولان وحاضرهم، لكن، دوما كانت الأرض هي العنوان. لقد قبضت إسرائيل على أرزاق واعناق الناس في الجولان بقبضة حديد، لكنها حولتهم، دون وعي وإدراك منها، إلى أشخاص بصلابة الفولاذ- هذه قوانين الفيزياء والطبيعة، وقانون الإنسان العربي في الجولان.
وبشكل خاطئ اعتقد حكام إسرائيل أن سكان الجولان الباقين في قراهم الست، هم مجرد أرقام وتجمعات بشرية تخلو من أي نسيج وارتباط أخلاقي، فكان الجواب، من مجدل شمس إلى بقعاثا إلى عين قنية إلى مسعدة، واحدا موحدا: ارحلوا من هنا، ارحلوا عن جذورنا العربية السورية، التي تمتد في أعماقنا منذ بدء التاريخ.

لقد اختارت إسرائيل التوقيت الدولي المناسب، وفق منظور حكامها، لضم الجولان السوري، حيث كانت تتجه أنظار حكومات العالم وشعوبها إلى متابعة حدثين اثنين هامين: الأزمة البولندية في اوربا، وتطبيق المرحلة الثانية من اتفاقيات كامب ديفيد المصرية الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد اعتقد حكام إسرائيل، إن العالم لن يترك قضية بولندا، في الوقت الذي اكتسحت فيه حركة "التضامن" بقيادة المنشق الشيوعي " ليخ فالينسا" حركة الاحتجاجات العمالية، ضد النظام الاشتراكي الشيوعي، الذي دعمه الاتحاد السوفيتي، فيما تجند الغرب كله إلى جانب مطالب العمال في حركة "التضامن"، كجزء من الحرب الباردة وتغير موازين القوى العالمية،  بين معسكر حلف وارسو الاشتراكي "الشرقي"، وحلف الأطلسي "الغربي".  لكن الرياح كانت بما لا يشتهي حكام تل أبيب، حيث احتل الجولان عناوين القضايا العالمية الرئيسية لوكالات الأنباء العالمية، وتحولت الأنظار من الأزمة البولندية إلى الأزمة السياسية، التي  أحدثتها إسرائيل في معادلات الشرق الأوسط، وهذه المرة  كان الجولان السوري المحتل هو العنوان.