The Golan الجولان

 

نص المحاضرة التي ألقاها السيد عصام مخول، في مقر رابطة الجامعيين، في مجدل شمس، بتاريخ 20\12\2003، بعنوان:

سياسة إسرائيل النووية

مساء الخير:

أنا سعيد جدا بوجودي  معكم، في هذا اللقاء، الذي يجمعني وإياكم، في رابطة الجامعيين، هذه الرابطة الوطنية، التي نعتز بها وتجمعني علاقات صداقة ومعرفة مع الكثيرين منكم، ليس بشكل شخصي، وانما العلاقات التي جمعتنا مع أحرار الجولان، الذي لا يستطيع ان يكون منسيا في يوم من الأيام، على الأقل بالنسبة إلينا. وأنا اعتز مع أخواني السوريين، واشكركم على المباركة  بالحارس الشخصي  (توضيح، من موقع الجولان: كان السيد مخول قد تعرض لمحاولة اغتيال  مدبّرة من قبل اليمين الاسرائيلي المتطرف نجا منها بعد أن تفجرت سيارته).

ربما هذه هي الصورة العامة التي نعيشها في هذه الأيام، والتي تجعلنا جميعا، كل واحد في موقعه وزاويته، موجود في خطر ومواجهة معينة، وكلنا يقرر ان يحمل همه، كجزء من الهم العام، وان يتنازل عن البعد الشخصي، في همه، وان يراه في إطاره الشمولي العام.

هناك علاقة كبيرة تربطني بالجولان السوري المحتل، ليس في السنوات الأخيرة ربما.  لقد نشأنا سياسيا، في فترة كان الجولان ،وما يدور عليه، يشكل جزءاً محوريا في المعركة الوطنية في المنطقة، والشرق الأوسط. وكان من الطبيعي ان نرى أنفسنا جزء من هذه المعركة، ونطلب حصتنا من مآسيكم، ومعركتكم النضالية. اذكر دورنا في إطار المعركة الطلابية في الجامعات، كان هذا أحد الهموم الرئيسية، واحد المواقع الأساسية التي نعتز بها، ولا زلنا. ولذلك أنا أتشكركم على توفير الفرصة لهذا اللقاء الهام بالنسبة لي شخصيا.

أنا اعرف ان الهموم كثيرة، والنفايات كثيرة، وموضوع المحاضرة شائك. واعرف ان النفايات الأساسية التي يجب التخلص منها هي الاحتلال. وان هذه النفايات، كل النفايات النابعة من الاحتلال، هي نفايات نناضل من اجل ان نتخلص منها، وهي كلها نفايات ملوثة، حتى ولو كانت بشرية أحيانا، ومن صنع الإنسان. ولكن أريد ان أضع هذه القضية في سياق أوسع على الأقل، هذه تجربتي في إطار الساعات الأخيرة الماضية، خلال لقاءاتي مع الاخوة والرفاق الذين التقيتهم.

أنا لا أتستطيع ان احصر أنفسنا فقط في مسالة النفايات النووية، وهو موضوع يجذبني كثيرا، وكنت أود ان أتركز فيه فقط، ولكن أريد ان أسال أنفسنا، ما هو السياق العام الذي نلتقي فيه في هذه المرحلة الدقيقة والمعقدة من التطور، عالميا،  ومنطقيا. ومن ثم إسرائيليا، ونوويا .

نحن نعيش مرحلة، تريد فيها الإدارة الأمريكية بناء الإمبراطورية الأمريكية على العالم، وان تسميها، أو ان تدعي من خلالها، الحرب على الإرهاب. ونحن نقول: ان هذه الحرب في حقيقة الأمر هي حرب إرهابية على الديمقراطية، وعلى حقوق الإنسان، ليس فقط في العراق وأفغانستان، وفي تهديد سوريا وإيران، وفيما يمارس على الشعب الفلسطيني، وانماهي حربا إرهابية على الديمقراطية وحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، وفي أوربا والعالم. وهناك محاولة للتعامل مع الديمقراطية وحقوق الإنسان كعقبة يجب أزالتها من طريق الاستراتيجية الأمريكية والأهداف الأمريكية، التي تريدها هذه الإمبراطورية، وتريد تحقيقها لتضمن بناء الإمبراطورية.

ان هذا السياق لا ينفصل، في نهاية المطاف، عن المسالة الأساسية الأولى، التي طرحناها موضوعاُ  لهذا اللقاء.  تذكروا معي الأيام الأولى التي وصلت فيها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الى الحكم. ما هي البشارة التي حملها الرئيس الأمريكي؟  تذكروا!  نتحدث عن البيئة! القضية الأولى هي إلغاء موافقة الولايات المتحدة الأمريكية على بروتوكول كويوتو. وماذا يعني هذا البروتوكول؟  بروتوكول كويوتو هو اتفاق عالمي بهدف الحفاظ على توازن معين في البيئة العالمية. إحداث أي تغيير بيئي قد يكون وابلا على البشرية في المستقبل. وما هو الدافع من وراء هذا التنازل، عن هذا البروتوكول. هذا واضح. ان الالتزام في هذا الاتفاق له ثمن سيدفعه، ليس العامل الأمريكي، وليس العاطل عن العمل الأمريكي، ولا الفئات الضعيفة والمستضعفة، وانما أصحاب الصناعات الكبرى، والاحتكارات الكبرى، وخصوصا صناعة السلاح النووي، والترسانة النووية، وما الى ذلك. وكان ذلك مؤشر ومبشر الى اين تمضي هذه الادارة.

القضية الثانية التي شهدناها، والتي رافقت وصول هذا النظام، الذي أراد ان يفرض قواعد لهبة جديدة، على الساحة العالمية والدولية.  قال الرئيس بوش: نحن نلغى الاتفاقيات لمنع التجارب النووية ومنع التجارب في الفضاء، ومنع تطوير أسلحة حرب النجوم، وما الى ذلك من الاتفاقيات التي وقعتها الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي السابق. هذه الإدارة تحرك من جديد سباق التسلح النووي، وقوانين الغاب في الصناعة والتقدم الصناعي والعلمي، لخدمة راس المال الكبير، وكبرى الشركات في العالم.  فالمنطق واحد وواضح. نحن الآن في مرحلة جديدة. الرئيس بوش أعلن عن بدء مرحلة جديدة، أو تطوير جيل جديد من الأسلحة النووية، والان الولايات المتحدة منكبة على إعداد الجيل الجديد من أسلحة الدمار الشامل. جاءوا الى العراق بحجة وجود أسلحة دمار شامل. الولايات الأمريكية، صاحبة الموقف الأخلاقي هذا، تذبح شعب بحجة انه من الممكن ان يكون لديه أسلحة نووية. واتضح انه لا وجود لتك الأسلحة، وقد تذبح الشعب المجاور له الآن، والمجاور للمجاور له، بحجة أسلحة الدمار الشامل. وفي الوقت نفسه، هذه الإدارة تعلن إنتاج جيل جديد من الأسلحة النووية. ما هو هذا الجيل الجديد؟ الولايات المتحدة تلائم أسلحتها وترسانتها النووية للخارطة السياسية الناشئة، في بداية القرن الحادي والعشرين. قبلها كان الاتحاد السوفيتي دولة عظمى في موازة دولة عظمى. الولايات المتحدة توازن القوة النووية والرعب النووي، وما الى ذلك من أسلحة استراتيجية- إذا دمرتني أدمرك. وهذا كان الوضع العام،  متلائم مع الحرب الباردة.

ألان ارتفعت أصوات، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وبعد الاتفاقيات لتقليص انتشار الأسلحة النووية، طرحت أسئلة عديدة. لماذا تحتاج الولايات المتحدة الى تطويرا أسلحتها النووية ألان؟ لماذا تحتاج أمريكا الى نشر ما سمى "قواعد لصواريخ المتنقلة في البحار"؟  لماذا تحتاج أمريكا لاعادة التجارب النووية، من اجل بناء قاعدة صاروخية  في الفضاء الخارجي، في مشروع  "ما سمى بحرب النجوم"؟ فجاء الجواب الأمريكي، مرتبط بظاهرة جديدة، لم نسمعها خلال الحرب الباردة في الماضي، على شكل تهديد مباشر، من حروب غير متكافئة، في استعمال السلاح النووي، وفي تشريع الحديث عن استعمال السلاح النووي.  رامسفيلد،  وزير الدفاع الأمريكي، قبل بدء الغزو الأمريكي لأفغانستان، هدد (هذه الدولة التي يحارب جنودها بالحجارة، وليس لديها أي أسلحة متطورة، وليس هناك أي  تكافأ في ميزان القوى، دولة لا يوجد فيها كهرباء)، هددها باستعمال كل أنواع الأسلحة،. وهذا تهديد لاول مرة بعد الحرب العالمية الثانية بهذا الوضوح، بهذا الصلف، بهذه الوقاحة- استعمال السلاح النووي. ولاحظوا ان هذه كانت عملية غزو، ليس لأفغانستان فقط. هي  عملية غزو لعقول الناس في أمريكا نفسها، وفي كل مكان. ان السلاح النووي هو جزء من قواعد اللعبة الجديدة.

والمرة الثانية التي هدد فيها باستخدام السلاح النووي كان في الحرب على العراق. ولم تكن فقط تهديد أمريكي، باستعمال كل ما أمكن من أسلحة في الرد على العراق، وانما كان تهديد إسرائيلي أيضا، بأنها ستستعمل الأسلحة الاستراتيجية، بما في ذلك سلاح "يوم الدين"، إذا ما قصفت العراق إسرائيل. هذا كان الصدى للموقف الأمريكي- الهجوم فيه على القناعة العالمية، والرأي العام العالمي.

ان السلاح النووي هو سلاح محرم، وغير قانوني وفق الشرعية الدولية، والقانون الدولي، ومحكمة "هاغ". وليس استعمال السلاح النووي غير شرعي، وانما التهديد به هو غير شرعي. فأمريكا وإسرائيل عن قصد وسابق إصرار، أرادتا القضاء على هذا الموقف الأخلاقي القانوني الدولي، وبناء قواعد لعبة جديدة في هذا الموضوع أيضا.

ألان يتحدث بوش عن جيل جديد من السلاح النووي، ويتحدث عن أسلحة تصلح للمواجهة، وليس فقط انه يتحدث عن أسلحة جيل جديد من السلاح النووي التكتيكي، يعني انه بالإمكان استعمالها بدون إعلان حرب عالمية إضافية، دون تدمير العالم كله، أو انه يستطيع إلقاء قنبلة نووية على مدينة أو مكان معين وتدميره. على هذا يدور الحديث، وفي  المعركة مع الجيل الجديد من الأسلحة، لإسرائيل دور كبير في المشاركة مع أمريكا في تطوير هذا الجيل، من السباق النووي التكتيكي. ونحن نعلم لماذا كانت إسرائيل السباقة في البحث عن إعطاء أجوبة تكتيكية. لان إسرائيل بفعل موقعها في الوضع الجيو سياسي الذي نعيشه، حجمها، جيرانها، من هم أعدائها. الأسلحة النووية في يدها فهل هي قادرة على استخدامها؟؟  وهل تستطيع إسرائيل استعمالها ضد نابلس؟  ضد جنوب لبنان؟  ضد دمشق؟ دون ان تتضرر... الخيار النووي بالنسبة الى إسرائيل هو خيار غير واقعي. إسرائيل  في العام 1986، عندما ألقي القبض على مردخاي فعنونو، الخبير النووي الإسرائيلي، ونشر من خلال صحيفة السنداي تايمز البريطانية، المعلومات المتوفرة لديه من اجل وقف المشروع المرعب الإسرائيلي، كان يتحدث عن 100 قنبلة نووية و100 راس نووي. ونحن نقول إسرائيل لا تكتفي بالرؤوس النووية الموجودة لديها. لديها الآن وفق التقديرات 200-300 راس نووي، وهي غير مستعدة وغير جاهزة لإغلاق مفاعل ديمونة النووي، الذي اصبح مفاعلا عجوزا في عمر المفاعلات النووية. عمره اليوم اكثر من 40 عاما. إسرائيل غير مستعدة لإغلاقه لأنها لا زالت تنتج أنواعا جديدة من الأسلحة النووية، وبالأساس أسلحة تكتيكية، وهي بحاجة إليه الآن لأنها أرادت استيعاب العديد من الخبرات المكثفة التي وصلت إليها من المهاجرين الروس، الذين آتوا جاهزين كعلماء في هذه المجالات. إسرائيل تستغل ذلك، وهي تعمل على إنتاج المزيد من الأسلحة النووية، بما في ذلك أسلحة تكتيكية، لان إسرائيل بطبيعتها، كانت بحاجة، وهي المعنية الأولى،  في إنتاج أسلحة نووية قابلة للاستعمال إسرائيليا. نحن نعرف ان الخطر النووي في الحالة الإسرائيلية، هو ليس الخطر من الحرب ( الحرب النووية ). أحد الأمور التي نشرت في بداية المفاوضات السورية الإسرائيلية في فترة حكم، "أيهود براك" كانت عن المخطط الإسرائيلي لزراعة الغام نيترونية على الحدود مع سوريا. ومعروف عنها أنها الغام مشعة، تقضي على الإنسان، وتبقى المادة كما هي.

وفي إحدى جلسات الكنيست وجهت استجوابا حول الموضوع، وهناك معلومات معروفة عن الترسانة النووية الإسرائيلية، أو راس إسرائيل النووي، وليس الرأس النووي الإسرائيلي، وتلك المعلومات في أحد مواقع الانترنت الأمريكية، الذي يعتبر أحد المصادر الهامة والأساسية  federation of American scientists The وهذا موقع العلماء الأمريكيين في الإنترنت. هناك الكثير من المعلومات، التي يصعب الحصول عليها من مصادر أخرى، طبعا في ظل سياسة تعتيم إسرائيلية، وفي ظل سياسة تعتبرها إسرائيل، تقوم على رجلين اثنتين، سياسة التعتيم من جهة، وسياسة الردع من جهة أخرى. الردع بمعنى وجود الترسانة النووية الإسرائيلية، مسبقاً، هو أمر رادع لأي اعتداء على إسرائيل، والقضية الثانية: ان إسرائيل لا تعترف بوجود ترسانتها النووية، لا تنكر، لكنها لا تعترف.

نحن نقول وبغض النظر عن السياسة النووية الاسرائييلة، التي أصبحت وبشكل واضح وقاطع بعيدة جدا، عن أي بعد دفاعي: الترسانة النووية أصبحت تعتبرها إسرائيل من اجل الاعتداء على الشعوب العربية، والشعوب المجاورة، من اجل مواصلة الاحتلال، بما في ذلك احتلال الجولان السوري، من اجل استفزاز الآخرين، ومن اجل ان تكون مستعدة وبجاهزية عالية من اجل تدبير عملية اغتيال لرئيس عربي في دولته، وفي عاصمته، كما تكشف الأسبوع الماضي ( في إشارة الى خطة إسرائيلية لاغتيال الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين). إسرائيل تعتمد السياسة النووية من اجل ان تقوم بدور عدواني وقح، وقذر، في الشرق الأوسط، وفي العالم. وان كنا في وضع استطلاعات الرأي في أوربا تبين ان 58% من الأوربيين يعتقدون ان إسرائيل تشكل خطرا على العالم، وهي الدولة الأولى التي تشكل هذا الخطر، وحتى داخل الولايات المتحدة فقد اتضح ان 43% من الأمريكيين، يعتقدون ان إسرائيل تشكل خطرا على امن العالم، فهذا الجزء من هذا الخطر .

هذه الكمية من الأسلحة النووية ليس ورائها عقلية تريد الدفاع عن نفسها فقط، نحن نقول في المعادلة الشرق أوسطية، مهما كان الثمن، ومهما طالت الفترة، لن يكون هناك سلاح تدمير شامل لدى طرف واحد فقط، ينجحوا في العراق مرة، يؤجلوا في إيران مرة، ليبيا تتشلح  مسبقا، غير مهم! نحن غير معنيين في أسلحة دمار شامل، ولا أسلحة نووية، فإذا كان سلاح نووي لدى طرف في الشرق الأوسط فسيكون لدى الأطراف الأخرى  أسلحة نووية، لا يوجد هناك معادلة أخرى. ان لم يكن هذا اليوم فبعد عشر سنوات، بعد عشرين سنة، لن يكون طرف واحد فقط مالكا لهذه الأسلحة . ولذلك فمن مصلحة الشعب الإسرائيلي ذاته، ان لا يكون لديه أسلحة نووية. وإسرائيل اكثر من غيرها، وهذا ما نقوله للجمهور الإسرائيلي، إسرائيل اكثر من غيرها، في اللحظة التي تمتلك دولة إضافية في الشرق الأوسط أسلحة دمار شامل وأسلحة نووية، إسرائيل لا تستطيع ان تبقى. الذي يريد ان يحافظ على شعبه ودولته، عليه التخلص من أسلحة الدمار الشامل، وليس بنائها وامتلاكها وتهديد غيره باستعماله.

هذا أمر أساسي في السياسة النووية التي لا يجب التعامل معها في إسرائيل مع اخذ بعين الاعتبار إنني أتحدث عن حجم الإنتاج، ومواصلة الإنتاج النووي في إسرائيل، وربما اكثر من دول نووية أخري. إسرائيل هي الدولة النووية الوحيدة في العالم التي لا يوجد فيها حركة مناهضة للتسلح النووي. في إسرائيل يوجد اكثر من 200 حركة بيئية، للدفاع عن البيئة ، تكاد لا تكون آية واحدة منها، حركة تضع إصبعها، وتوجه إصبعها الى القضية النووية، ربما واحدة فقط  لا اكثر.

إسرائيل هي الدولة النووية الوحيدة التي لا يوجد فيها حركة سلام واحدة مناوئه ومناهضة للتسلح النووي، وهذا ينطلق من الكذبة الكبرى، بان القنبلة النووية الإسرائيلية هي قنبلة سلام... هي قنبلة تعطي لإسرائيل الضمان اذ ما انسحبت من أراضى عربية محتلة، واذا أنهت احتلالها، واذا أنهت عدوانها على الشعوب العربية، فلن تهاجم، ولن تكون في مآزق عسكري مرة أخرى. وهذا الكلام أيضا لا يستطيع ان يصمد في الواقع، فنحن نعرف ان إسرائيل وفي السنوات الأخيرة، وفي ظل العملية السياسية، قبل ثلاثة سنوات من الانتفاضة الفلسطينية، وقبل كامب ديفيد، عندما كان هناك حديث، وكانت الأجواء أجواء مفاوضات، وأجواء حل سلمي، كانت إسرائيل تحدث نقلة نوعية في تعاملها النووي، كانت إسرائيل تنضم لاول مرة لتصبح الدولة الثالثة أو الرابعة، التي تمتلك أسطول بحري قادر، على استعمال الأسلحة النووية، بعد أن حصلت على ثلاث غواصات ألمانية، وهذه الغواصات تم ملائمة لها صواريخ أمريكية، بحرية لتصبح قادرة على حمل رؤوس نووية، وأصبحت إسرائيل تطور سياستها، وتنتقل من سياسة التعتيم والردع، الى سياسة الضربة الثانية، وقد كان الموقف الاستراتيجي مبني على أساس ان إسرائيل مقابل تضييق عمقها الاستراتيجي من خلال انسحاب وحل سلمي مع الفلسطينيين وما الى ذلك، يجب ان تبحث عن عمق استراتيجي جديد، في عمق البحار، وتعمل إسرائيل على إبقاء إحدى غواصاتها النووية عاملة ومتجولة في  عمق البحار، حيث ان المراقب لميناء حيفا، يرى على الدوام فقط غواصتين  اثنتين، فقط،  والثالثة في عمق البحار، تجول وتراقب، وتستعد للضربة الثانية، فيما لو هوجمت إسرائيل أو قررت الهجوم.

ومن الواضح إنها لا تعمل، ولا تطمئن، للعمق الاستراتيجي، في أعماق البحر الأبيض المتوسط، بسبب الجيرة العربية، والجيرة الأوربية، لهذا بدأت تبحث عن بحار اعمق واكبر  من البحر المتوسط، وذهبت تبحث عن هذه الأعماق في المحيط الهندي، بتعاون عميق وخطير على المدى الاستراتيجي. الهند التي لا تترك فرصة إلا وتطمئن الدول العربية دائما، من هذا التعاون، وتطرح القضية الإسرائيلية اليوم على ان الهند وإسرائيل هما اكبر ديمقراطيتان في قارة أسيا، واكثر من ذلك الهند وإسرائيل غير العربيتان، وغي المسلمتان، في المنطقة بشكل عام. إسرائيل تطرح ذلك من هذا الباب، وتتعامل مع اشد واكثر القوى اليمينية الهندية، من اجل تطوير علاقات تعاون استراتيجي، والمحيط الهندي هو مناسب لإسرائيل خاصة، عندما تعتبر إسرائيل ان الأعداء المرشحين الأوائل للمواجهة النووية، العراق سابقا، وإيران، وسوريا أيضا. لذلك يجب ان نرى هذا الضوء: ان إسرائيل كلما اقتربت اكثر من العملية السياسية، كانت تبحث عن بنية  تحتية عدوانية جديدة- في أعماق البحار ألان. عندما تمارس إسرائيل سياسة التعتيم هي في نهاية المطاف تمارسه وتطبقه على شعبها هي بالأساس، كل العالم يعرف، ان هذه المعلومات ليس مني شخصيا، لكنها المعلومات المتوفرة، وهي المعلومات الصحيحة، ولكن من خلال سياسة التعتيم،  العامل الوحيد الذي عُزل، وجرى تهميشه وتجنيبه الحديث، واستبعاده عن هذه المواجهة هو المجتمع الإسرائيلي، هو المجتمع المدني الإسرائيلي. يعني المفارقات الغريبة، هو من أحد المصادر والمواقع الهامة "كي ارفع يدي مسبقا" هو موقع العلماء الأمريكيين، الذي نشر هذه المعلومات.

ان إحدى المواقع التي تنصب فيها صواريخ نووية هي في "يوتفاتا"، وهي بلدة صغيرة، تنتج خضراوات طبيعية ( لا يدخل فيها أي مواد كيماوية، لا سماد ولا أي شئ أخر)، خضراوات نقية مائة بالمائة بشكل كامل! هي  أنقى خضراوات موجودة، ولكن تنتج هناك صواريخ نووية!!! هناك تجهيل مطبق، واستبعاد كامل للمجتمع المدني الإسرائيلي، وحتى للذي يدعي الاهتمام في قضايا البيئة من هذا السؤال حول السلاح والإشعاعات النووية وتأثير السلاح النووي الموجود والمنتشر في مناطق مختلفة سكانيا. إذا كانت " نس تسيونا" مركز إنتاج الأسلحة البيولوجية في إسرائيل، وكل العالم يعرف ذلك، في قلب المركز الإسرائيلي، أين هي  الاصوات التي تدافع عن البيئة؟؟ البيتروكيميا "الأسلحة الكيميائية، السلاح النووي: المواد السامة والقاتلة "الامونيا" الرؤوس النووية التي تركب في خليج حيفا ...الخ..

الحديث يدور وينتشر، والعالم يعرف وكل منظمات البيئة تعرف وحقوق الإنسان والأمم المتحدة. المجتمع الإسرائيلي لا يريد ان يعرف، لذلك نحن مستغربين ان تستخدم الأراضي السورية المحتلة، والأراضي  الفلسطينية  المحتلة، "مكبات ومقابر الأسلحة النووية، والمواد المشعة؟ لا!  لسنا مستغربين على الإطلاق ، لانه تجاه الشعب الإسرائيلي يتم التعامل معه هكذا، يجري إخفاء الحقيقة عنه. نحن نحاول ان نعرف. لقد طرحت الموضوع النووي في إسرائيل في العام 2000 أمام البرلمان "الكنيست الإسرائيلي" ووصفته "Historic and hysteric "- هستيري وتاريخي في نفس الوقت، كان ذلك في 2 شباط من العام 2000، ومنذ ذلك الوقت ولغاية اليوم كان من غير الممكن إعادة الأسئلة التي طرحت الى "القمقم"، "الوعاء". وكان يجب على المجتمع الإسرائيلي ان يتعامل معها بجفاء وبرفض، ان يتحدث عنها  وبادعاء انه لم يسمع، ولم يرى، لكنه لم يستطع إعادة تلك الأسئلة الى الملفات ويغلق عليها. في إسرائيل يجري ان تطلب وزيرة بيئة، ان تعرف على الأقل في أعقاب هذا البحث، ماذا تفعل إسرائيل في  نفاياتها النووية، في ديمونا، لا أحد يجاوب. عاملين في مفاعل ديمونا يقتلون، أجسادهم تتساقط، بفعل الأمراض والسرطان وغيره من الأمراض التي تفتك بالإنسان، يقولون لهم خذوا ما شئتم من التعويضات، لكن لا يوجد علاقة بين مكان عملكم وأمراضكم. رغم احتجاجهم ومظاهراتهم واعتراضاتهم التي تحصل لاول مرة، يتم تهديدهم، ولا يعترفوا، لكنهم يجيبوا عن السؤال، ماذا يجري مع النفايات النووية؟ "اعتمدوا علينا، الحكومة تعلم، نحن مراقبين الوضع، انتم بخير، ولا يوجد مخاطر على الإطلاق".  لكن نحن نقول: كلما قالوا إننا بخير، الناس كل الناس بأقل خير. في إحدى الزيارات التي قام بها وزير البيئة السابق "يوسي سريد"، حين شغل هذا المنصب، نشرت القناة الثانية الإسرائيلية، العام الماضي، قصص وحكايات مدهشة، ومثيرة، وغريبة، حول كيفية تجنيد عاملين  وعمال، من اجل افتعال غابة من شجر الصنوب، حرثت الأرض وزرعت خصيصا منذ زمن في المنطقة من اجل إخفاء حقيقة ما يجري  داخلها من مقابر لدفن نفايات نووية، تتكدس هناك، كان الدنيا والشجر الزهور والنباتات وممكن ان نجد هناك هذه الخضراوات الطبيعية النقية بنسبة مائة بالمائة.

كم من الضروري ان نعرف عن النفايات النووية والسلاح النووي. النفايات النووية في عرف القانون الدولي هي ليست أمرا يخص الدولة صاحبة الشان وحدها، لان انعكاسه لا يبقى على هذه الدولة نفسها، هو شان  لا يخص الدولة وحدها، وليس شان الجيل الحالي وحده، وانما شان الجيل القادم. نحن نتحدث عن خطر نووي، عن خطر إشعاعات من نفايات نووية. نحن نتحدث عن أخطار كبيرة جدا، وطويلة المدى. فمن اجل استخراج القنبلة النووية هناك عملية استخراج البلوتونيوم، النفايات المرتبطة بهذه العملية هي نفايات، قادرة على العيش والتفاعل، خلال آلاف السنين القادمة، وهي قابلة على التحرك والتفاعل كل الوقت، وبث إشعاعات قاتلة، ولم تستطع الإنسانية حتى ألان  ابتكار وسيلة بإمكانها ان تحفظ هذه المواد دون ان تخترقها. يوجد مواد تحترق بعد سنتين، عشرة سنوات، عشرين سنة، مائة سنة، وكل شئ وثمنه. معروف ألان عن إحدى الوسائل التي تحفظ هذه المواد لاطول واقصى فترة ممكنة، وهي براميل من الزجاج الكثيف، والدائري، التي تستعمل وهي الحد الأقصى التي تحفظ دون ان تتسرب، لكن هذه الطريقة تكلف 3 الآلاف دولار، لحفظ البرميل الواحد من النفايات، وممكن ان تبلغ تكلفتها 30 ألف دولار لحفظها بشكل افضل. فهل نستطع الاعتماد فقط على قرار أصحاب الشان؟ لا نستطيع الاعتماد عليهم أبدا. لا نستطيع الاعتماد على رئيس اعظم واقوى واغنى دولة في العالم، من ان يحافظ على بروتوكول، وقعت عليه دولته، لأنه يريد ان يوفر، وان يربح اكثر- هؤلاء المنتجون، والشركات الكبرى. فمن أين لنا ، ما دامت الأمور كلها "عتمة بعتمة"، هناك سياسة تعتيم، من أين لنا ان هذه الحكومة تأبه لمصير الناس، وللأجيال القادمة، وأمراضها، وانعكاس الإشعاع عليها. نحن نعرف ان هذه النفايات، عندما تتفكك، لا تنتهي، وانما تواصل التفاعل، وتنتهي في المياه الجوفية، وتنتهى في الأعشاب والنبات، وكل شئ حولها. لذلك هناك معركة حقيقية لفتح هذا الملف حتى النهاية. هذه ليست معركة ضد إسرائيل، أو مع إسرائيل، هذه معركة تخص الإنسانية بالدرجة الأولى، تخص الإسرائيليين، وتخص السوريين، وتخص الفلسطينيين، وتخص اللبنانيين، وتخص الجميع. وهذه المعركة تتطلب تحدي الحركات، التي تدعي أنها حركات بيئة وسلام، خاصة إذا ارتبطت القضية بالأراضي العربية المحتلة.

معروف عالميا ان دول أوربا، مثل إنجلترا وفرنسا، وإسرائيل التي تشكل المكان الثاني عالميا في نسبة البلوتونيوم، الموجود فيها قياسا لمساحتها، الدولة الثانية بعد إنجلترا، هناك أخطار حقيقية، تتحدث عن واقعنا هنا، وليس عن مكان أخر في العالم. إسرائيل أيضا  هي الدولة السادسة عالميا في قضية تأثير المواد المشعة بالنسبة لعدد السكان.  نتحدث عن وضع خطير. دول أوربية تعمل على التخلص من نفاياتها من خلال إغراق أو إغواء بعض الأنظمة المهترئة، في دول أفريقية وغير أفريقية، لتصبح مكبات ومقابر لهذه النفايات، وهناك مؤشرات تشير ان إسرائيل تشارك في هذه العملية القذرة بالاتفاق مع حكومة موريتانيا العربية، لتفتح أراضيها، وتحولها مكبات ومقابر للنفايات النووية. طبعا تجري تحقيقات دولية بهذا الأمر، وهذه العمليات تكلف كثيرا وباهضة جدا، إعداد سفن خاصة لنقلها، تخزينها تغليفها، الخ.. لا أريد ان اجزم .

ان إسرائيل وصناعاتها العسكرية والنووية تحاول ان تستعمل الأراضي العربية المحتلة، ومواقع فيها، كمكبات ومقابر لنفاياتها النووية وإشعاعاتها. نحن نعلم عن "رمات حوفاف"، وهي بلدة محاذية لعشيرة بدوية عربية تسمى "عشيرة العزازمة" في النقب، حيث وصلتني مؤخرا رسالة من أطباء لحقوق الإنسان، قبل شهر ونصف، تقول: انه لوحظ انتشار لمادة "البروم" في منطقة واسعة، وجرى تحذير كل سكان المستعمرات الإسرائيلية، هذه والمستعمرات المحيطة، لآخذ الحيطة والحذر، لمنع تسمم الناس، وهذه المادة قاتلة وسامة، ولا أحد اهتم أو فعل شيئا، أو توجه، الى الآلاف السكان في عشيرة العزازمة!!! هذا يدل على الاستخفاف  والعنصرية. أتحدث عن مواطنين عرب في دولة إسرائيل، فما بالك حين يتعلق الحديث عن مواطنين عرب في الأراضي العربية السورية المحتلة، والأراضي العربية الفلسطينية المحتلة!!! وهناك اتهامات ان إسرائيل تستعمل مواقع في الجولان السوري المحتل، مواقع واسعة، كمكبات لنفايات خطيرة نووية، لا أريد ان اجزم. هناك حالات ضُبطت في المناطق الفلسطينية، لوسطاء إسرائيليين، بين المصنع وبين تجار فلسطينيين 250 برميل تحوي مواد سامة وضارة، إذا كان المصنع يريد وضعها في "رمات حوفاف" تكلف حوالي 3 الآلاف دولار، حسب المواصفات لتخزينها وجمعها، فبدلا منها يتم دفع مبلغ 500 دولار، واترك لك البراميل لتدفنها أو تستخدمها، هذا يعود إليك. وسمعنا عن إثباتات وحالات مشابه في الجولان السوري، لا أريد ان اجزم واقول أمور غير مثبتة بعد. أنا أقول هناك محاولة حقيقية أحيانا، بعض الرؤوس الشريرة تعمل من اجل خراب الأراضي المحتلة- فلتخرب ما دمنا لن نتأذى! وفي ذلك هم مخطئون لانهم ان دفنوا النفايات النووية في الجولان فسيشربونها سموما قاتلة  حتى في النقب، ستطالهم رغبوا في ذلك ام لا. هناك عقول عنصرية فاشية، وهناك عقول رأسمالية فاسدة، تبحث عن كيفية توفير عن نفسها ومصانعها، ومخارج نفاياتها، تبحث عن عالم ثالث، وبالنسبة الهم نحن العالم الثالث في الأراضي العربية المحتلة، وممكن اليوم ان يستخدموا أراضى العراق، ربما لا اعرف.

لذلك نحن نقول، هذه ليست قضية جانبية، قضية البيئة في هذا المعنى، هي إحدى القضايا الأساسية المطروحة على اجندة العالم ألان، هي إحدى القضايا الطبقية المطروحة بشكل طبقي في الصراع الطبقي ألان. ليس صدفة ان بوش الرئيس الأمريكي، هذا الذي يمثل هذه الرأسمالية الشرسة، هذه النيو ليبرالية الجديدة، هو الذي بدأ في هذه المعركة على هذه الشعوب، وهي أيضا معركة بيئية، جرى في إطارها استعمال أسلحة، واختبار أسلحة في العراق وغزة ورفح ورام الله وجنوب لبنان، واضطرت إسرائيل للاعتراف بأنها استخدمت أسلحة فيها مواد يدخل في مركباتها اليورانيوم المنضب، الذي هو جزء من تصنيع وانتاج القنبلة النووية، وتبقى النفايات التي تشكل معدن، له كثافة عالية ووزنه ثقيل جدا بالأساس أدخلته إسرائيل لصنع صفائح لتحمي  أرضية دباباتها في جنوب لبنان ، لمواجهة الألغام الأرضية، واستخدمته في الذخيرة الحية نفسها من اجل ان تخترق أماكن صلبة اكثر، اضافة الى ان هذه المواد حين استعمالها، تطلق إشعاعات خطيرة جدا علة المطلق علية وعلى الذي الذي يطلقها. وأثيرت هذه عندما استخدمتها أمريكا في كوسوفو،  وحرب الخليج الأولى، وتحدث " جالف سندروم" عن مرض جديد أصاب الجنود الأمريكيين في حرب الخليج الأولى .

نحن نقول أياديهم ملطخة بإشعاعات نووية، قاتلة بالنسبة لشعوب المنطقة، كل شعوب المنطقة، ولنا نحن دورا في هذه المعركة. العالم اليوم حساس اكثر لهذه القضايا، انتم كسكان عليكم دور، تستطيعون ان تعرفوا اكثر مني، تنتبهون اكثر على أية أمور مشبوهة، وافتحوا عيونكم اكثر علة ما يجرى حولكم. يجب الانتباه لكل شئ مشبوه على الأرض بهذا المجال، وهناك إمكانية لتجنيد قوى تتحرك في هذا الموضوع، بما في ذلك على الساحة الإسرائيلي.

حين طرحت الموضوع النووي استدعيت ممثلي دول وسفراء وقناصل ومندوبي لجان وحركات سلام وبيئة عالمية، لأنه موضوع خطير، يريدون التعتيم عليه، الى الكنيست، وأبلغت رئيس الكنيست في ذلك،  اضطروا  رغم كل الضغط لتفجير هذه الجلسة، اضطروا لاعطائي الوقت لطرح الموضوع، وكان أهمية لهذا الحضور، ويوجد أهمية اكثر لاعطاء أجوبة حول ما يجري في الجولان، بسبب مياهه وارضيه، وما يعكس هذا من تأثير على الأجيال القادمة، علينا ان نستصرخ..

في رأي هذا الوضع هو جزء من جوانب هذا الاحتلال، جانب واحد من الوضع القاتم، الذي تعيشه المنطقة، جانب واحد من جوانب المعركة التي نعيشها من اجل إنهاء الاحتلال، واقامة دولة فلسطينية مستقلة، هذا الجانب، يجعلنا حذرين اكثر، من برنامج استمعنا إليه في خطاب شارون- التفاف  من قبلي على الموضوع-  سأطرح بعض الجوانب فيه. يجب ألا ببلبلنا شارون، في خطابه الأخير. ليس فقط انه لم يطرح برنامجا جديدا. شارون طرح، في المعادلة الفلسطينية الإسرائيلية، طرح برنامجه التاريخي للحل، وبصلب برنامجه، منع حل سياسي، ما لم يطرحه شارون هو حل تاريخي، في إقامة كيان فلسطيني دون سيادة، دون تواصل. إقامة هذا الكيان على 40% من أراضى الضفة الغربية وقطاع غزة. هذا المشروع عمره 20 عاما، هو مشروع تثبيت الاحتلال، على 60% من الأرض الفلسطينية، هو منع إقامة دولة فلسطينية، مشروع يبقي الفلسطينيين، في المناطق السكنية فقط، ويبقي المناطق الفلسطينية الأخرى، تحت السيطرة الإسرائيلية. هذا المشروع هو المهرب من قناعة الرأي العام، ان سياسة شارون وصلت الى  الباب الموصود، وانه يجب البحث عن مخرج منها، شارون يقترح مخرج، يوصل الى أزمات ثانية، يوصل الى المأزق. لذلك نحن نقول، شارون لم يطرح مخرجا، شارون عبر عن موقفه الرافض للحل السياسي، والذي كان يعتمد على ان أمريكا تستطيع، إجبار شارون على الحل العادل، أمريكا هذه التي لائمت موقفها لمواقف شارون بعد يوم واحد من خطابه في هرتسيليا.

بالرغم من حلكة هذا الوضع، وما يجري في العراق، وبسبب ما جري في العراق، المعادلات لم تنهي الى صيغتها النهائية، الغالب على الوضع القائم، ان الفرضيات التي قام عليها العدوان الإسرائيلي في السنوات الثلاثة الماضية على الشعيب الفلسطيني، تنهار، وأما صمود الشعب الفلسطيني افشل محاولة حكام إسرائيل من تنفيذ ما أعلنوه على لسان رئيس الأركان الإسرائيلية، من ان هذه الحرب يجب ان تحفر في  وعي كل طفل فلسطيني انه لا يمكن انتزاع أي شئ من إسرائيل عن طريق المقاومة، مقاومة المحتل. فعندما يقول شارون من ان الفلسطينيين، لم يستطيعوا، لم ينجحوا في كسر شوكة الشعب في إسرائيل، فنحن نقول ان الفلسطينيين لم يطرحوا هذه المعادلة، ولم يكن لهم لديهم الوهم بأنهم قادرون على هزم اسرائيل عسكريا، ولكنهم بصمودهم اثبتوا لشارون ان المعادلة، التي جاء من اجل تحقيقها، لم تنجح، ولن تنجح، وان المخرج الوحيد في نهاية المطاف، سيكون في إنهاء الاحتلال، إنهاء الاحتلال والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. هذه هي المعادلة، وهذه هي المعركة الحقيقة .

وجنيف هنا في هذه المعركة- مبادرة جنيف- ليست يالاساس وثيقة، ولا التوقيع عليها هو وثيقة، إنها بالأساس تحرك سياسي. الموضوع المطروح على الطاولة، فيه للقضاء عليه ليس حق اللاجئين في العودة، لا أحد يستطيع ان يقضي على هذا الحق، هذا ليس حقا جماعيا، هذا حقا شخصيا لكل واحد.  في جنيف الموضوع المطروح للمواجهة كان إسقاط شارون، وهزم سياسة شارون، وحكومته، على الساحة العالمية والإسرائيلية. هذه هي أهمية جنيف، لو كان من المفروض ان يوقع على وثيقة في جنيف، نحن لم نكن لنذهب. لان موقفنا واضح من حق العودة. موقفنا يقول على ان حدود الرابع من حزيران ليست لب الصراع، وانما هي فرصة للحل، أما ان يتمسكوا فيها وإما لا . والى جانب حدود الرابع من حزيران حل قضية اللاجئين الفلسطينيين، والتفاوض على شكل ممارسته، واقول لكم لماذا تأخذ هذه المعادلة هذا الشكل، وليس شكل أخر، من منكم سمع "ايهود براك" في اليوم التالي، الذي تلا جنيف، قال: "نحن كنا على استعداد لاستقبال 100 ألف لاجئ فلسطيني، 200 ألف لاجئ، ولكن تحت يافطات أخرى، ولكننا لسنا على استعداد لاستقبال لاجئ فلسطيني واحد تحت يافطة حق العودة ". إسرائيل لا تريد ان تتحمل المسؤولية أخلاقيا عن نكبة الشعب الفلسطيني، ونحن نصر على ان المعركة هي بالأساس على انتزاع اعتراف إسرائيل بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، ومن ثم التفاوض حتى ولو عاد لاجئين بأقل من العدد المطروح. نحن نقول ان إسرائيل تكذب أيضا، عندما تقول إنها لا تقبل بحق العودة بسبب تغير ميزان القوى الديموغرافي، بسبب خطرنا الديمغرافي كعرب داخل إسرائيل، لكن ألان يوجد 250 ألف فلسطيني مُهجر من بلدته، وهو مواطن داخل إسرائيل، ممكن ان يكون رئيس بلدية، ممكن ان يكون عضو برلمان، أو أي شئ أخر، لماذا لا يحق له استعادة بلدته المدمرة. لا أتحدث عن أراضى مستعملة، أنني أتحدث عن أراضى لم تستعمل بعد. لماذا لا يستطيع هذا المهجر من العودة الى بلدته وإعادة بناء بيته، لماذا لا يستطيع أبناء اقرث وبرعم من العودة الى بيوتهم وبلداتهم، وهم مواطنين في إسرائيل، وهذا لا يغيير التركيبة الديموغرافية، ولا يحدث خلالا في التوزيع الديمغرافي . لذلك فهذه كذبة. هذا موقف يحاول ان يستعمل حق العودة كبعبع للتخويف من السلام، وهذا الحق لا يعطل على السلام. لذلك نحن نقول ان الموقف يجب ان يكون واضحا، من اجل الاعتراف بحق العودة، والتفاوض على شكل تنفيذه بين الطرفين.

من هذه الزاوية أقول في كل المركبات التي تحدثنا عنها، نحن بحاجة الى خوض معركة شاملة متكاملة، على جبهات مختلفة، لان أشكال الهجوم ألان، والاحتلال والاختراق، لم تعد فقط عسكرية، أصبحت أيضا بيئية، وعلينا ان نقف ضد هذه الموجه ونلقى الضوء عليها.

 

nabeeh@jawlan.org

:أرسل تعقيبك على البريد الالكتروني