أهل الجولان منقسمون بين 'البريستول'
و'عين التينة'
نقلاً عن النهار، كتبه حسان شمس، نشر
بتاريخ 20/30/2005
أمور كثيرة تجعل مواطني الجولان
المحتل مهتمين بالحدث اللبناني. فإضافة إلى علاقات الأنساب الكثيرة المتشعبة،
والأصول اللبنانية لقسم كبير من العائلات التي استوطنت هضبة الجولان أيام
تنكيل العثمانيين والهجرات التي أعقبتها، فإن وقفَ قرية مجدل شمس الجولانية
الذي يجاور وقف شبعا لجهة المزارع، فرضَ آلية احتكاك متواصل بين سكان هذه
المنطقة بشقّيها اللبناني والسوري قبل الاحتلال الإسرائيلي عام 1967.
أهالي مرتفعات الجولان، تفاعلوا على الدوام مع الدائر على الساحة اللبنانية،
بدءاً بملاحم الفدائيين في جبل الشيخ، واجتياح إسرائيل لبنان عام اثنين
وثمانين، الذي تم بمعظمه من أرضهم وسمائهم، مروراً بتحرير الجنوب وما كان له
من بالغ الأثر على الساحة الجولانية، وصولاً إلى اغتيال الحريري وثورة
الاستقلال الذي يعيشها لبنان هذه الأيام.
وبكلام أدقّ، فإن أهالي هذه المرتفعات، الذين امتصت جدران منازلهم صدى كل
قذيفة وغارة إسرائيلية استهدفت لبنان، كانت أنظارهم أبداً موجهة الى هذا
البلد الجار العزيز، والذي يحتضن بالإضافة إلى كل ما تقدّم مرجعيتهم الروحية
والزمنية في آن واحد، فكيف إذا تداخل كل ما هو سوري بكل ما هو لبناني على
أرضه كما هو حاصل ؟
في الجولان، الكل متفق على رفض مشاريع الهيمنة الأميركية الإسرائيلية على
المنطقة، وحفظ الدور الكبير للمقاومة الوطنية اللبنانية في تحرير الجنوب،
والاعتراف بالتضحيات السورية والدماء الغزيرة التي جُبلت بتراب لبنان. لكن
الخلاف على التفاصيل يبدو في ذروته، حتى أن المرء ليشعر أنه في شوارع بيروت
ومقاهيها، لكثرة ما طغت المفردات اللبنانية على الشارع الجولاني، الى درجة
تبدو فيها دعابات بعض الأصدقاء وتساؤلاتهم: " أمِن جماعة البريستول أنت أم
مِن جماعة عين التينة ؟ " روتيناً يومياً.
الشارع بالفعل مقسوم هنا بين البريستول وعين التينة، ولوليد جنبلاط حصة لا
بأس بها بالدائر مِن نقاشات وتفاعلات، وهذا بحد ذاته ليس عيباً ولا سرّاً.
فوليد جنبلاط اعتُبِرَ على الدوام رمزاً وطنياً، وربّاناً لسفينة المعروفيين
إلى بَرّ الأمان. ثم إن جنبلاط ليس حديث الجولانيين فحسب، بل شاغل وسائل
الإعلام اللبنانية والعربية والدولية منذ مدة ليست قليلة.
بعض المواطنين ومِن دون الدخول في لعبة النسب يماهون جنبلاط والمعارضة
اللبنانية حتى الثمالة، في مطالبهم بالسيادة والاستقلال وسحب الجيش السوري
ومخابراته من لبنان، فيما يتفهم بعضهم الآخر قسماً كبيراً من مطالبهم، لكنهم
يتحفظون عن بعض التفاصيل في مواقفهم وخطابهم السياسي. وتجد أيضاً مَن يتحدثون
عن المعارضة وجنبلاط بلسان لا يقلّ قذاعة وضراوة عن عاصم قانصوه وناصر قنديل،
متهمين إياهم بالعمالة تارة، ونكران الجميل والرهان على الأجنبي وما إلى ذلك
تارة أخرى.
لكن الاعتصام الذي دعت إليه بعض القوى الوطنية قبل أيام في ساحة مجدل شمس،
تحت شعار دعم المقاومة والموقف السوري، ورفض القرار 1559 والدعوة لتطبيق
القرارات الدولية الأخرى ذات الصلة بالمنطقة، والحضور القليل الذي لم يجاوز
الثلاثمئة، يدلّل بوضوح تام على اتجاه بوصلة الأهالي هنا، رغم كل المبررات
التي حاول بعض منظّمي الاعتصام سوقها عن تزامن التوقيت مع وجود المواطنين في
أعمالهم، وانشغال وسائل الإعلام في لقاء عباس موفاز على حاجز " إيريز ".
مما لا شك فيه، أن السلطات السورية تتحمل القسط الأوفر في دفع عجلة الأمور
إلى شفير الهاوية. فالمكابرة التي أقدمت عليها بالتعاون مع ربيبتها اللبنانية
في عملية التمديد، في ظل مستجدات ما بعد 11 أيلول واحتلال أفغانستان والعراق،
وعقوبات الكونغرس وقانون محاسبة سوريا، ثم التلويح بصدور قانون أممي بحق
دولتين بحجم سوريا ولبنان، تُعتَبر انتحاراً سياسياً بكل المقاييس، بحيث لا
يمكن عاقلاً استيعاب هذه " القفشات " اللهم إلا إذا كان بحوزتهما ترسانة
نووية تفوق ما لدى اميركا ومعها روسيا !
وإذا ما أضفنا إلى ذلك تحمل هاتين السلطتين، في أقل تعديل، مسؤولية توفير
أفضل الأجواء لاغتيال الشهيد رفيق الحريري، عبر كشف المعارضة اللبنانية
سياسياً، وتنظيم حملات التخوين والتشهير بحق رموزها، كائنة مَن كانت الجهة
التي نفذت العملية، فإن السلطات السورية عودتنا الوصول إلى عنق الزجاجة، ثم
البدء بالصياح والتهويل والتذرع بالدواعي القومية كسبب للهجمة الأميركية.
لن يختلف اثنان أن لأميركا سياسة متغطرسة في المنطقة، عمادها التصرف كقطب
أوحد، تتقاطع مصالحه مع أهداف إسرائيل ومخططاتها. لكن في المقابل، ماذا فعلت
السلطات السورية لمواجهة هذه السياسة والهجمة التي يتعرض لها الوطن السوري ؟
دعوات متكررة لإسرائيل للعودة إلى طاولة المفاوضات من دون قيد أو شرط، لا
تلقى من العدو آذاناً صاغية، وتعاون مع الأميركيين غير مدفوع الأجر على جبهة
العراق، يقابلها مزيد من الضغط الأميركي وطلب المزيد. كل ذلك يجري في موازاة
زيادة الضغط على الشعب عبر الاستمرار في نهج الطوارئ المعمول به، والضرب بكل
المناشدات لترميم البيت الداخلي استعداداً للمواجهة عرض الحائط.
وهنا، لا بد لنا من إثارة التساؤل الآتي: هل أن عدم تطرق الرئيس بشار الأسد
في خطابه الأخير إلى الوضع الداخلي، مردّه أنه أسقط الشعب نهائياً من
حساباته، وأنه على استعداد لمدّ يده إلى قوى الأرض وأميركا وإسرائيل، إلا
للشعب السوري ؟!... المنطق والحكمة يفترضان توجيه الأنظار قليلاً إلى العراق،
والاتعاظ مما حدث ويحدث.
إنَّ مصارحة السلطة في هذا الوقت بالذات، ودعوتها مرة أخرى رفع قانون الطوارئ
وتوابعه القمعية، يُعتبر بحد ذاته مطلباً ملحاً وضرباً من أرقى أشكال التعبير
عن صدق الانتماء والوفاء للوطن. فالمقارنة ستكون من الآن فصاعداً الحاضر
الأكبر في ذاكرة المواطنين السوريين وعقولهم بين ما يعايشونه تحت الحكم
الوطني جراء حالة الطوارئ، وما يعايشه جيرانهم في الشرق والغرب تحت نير
الاحتلالين الأميركي والإسرائيلي. معضلة تتطلب من السلطات حسمها في أقرب أجل.
أما على الجبهة اللبنانية، فإن السلطات السورية مطالبة بتحديد ملكية مزارع
شبعا أمام المجتمع الدولي، وعدم توريط اللبنانيين برفض القرار 1559 فيما
قبلته هي راضية مرضية، وذلك إنقاذاً للمقاومة وتضحياتها الجسام، سيما بعد
إعلان جميع أقطاب المعارضة اللبنانية عدم اعتبارها ميليشيا، وقبول هذه
المعارضة تحمل عبء المواجهة مع العدو الإسرائيلي، شرط أن تكون على كل الجبهات
العربية.
وهنا، لا بد من تسجيل نقطة لمصلحة المعارضة اللبنانية على تنوعها، هو الدرس
الجديد الذي تلقنه في قدرتها على لم الجراح والتوحد تحت راية الحرية
والاستقلال، وتجاوز ماض أليم، بكل ما لفّه من قتل ودماء وتدمير وتهجير. درس
جديد يلقنه اللبنانيون للعرب ، ويضيفون إلى رصيدهم مجداً آخر فوق التحرير وما
ينعمون به من حرية وديموقراطية قياساً بالوضع العربي.
كان بإمكان سوريا تجنيب نفسها ومعها لبنان هذه اللحظات القاسية، لو أنها طبقت
اتفاق الطائف، وامتثلت لمناشدات محبيها بالانكفاء عن تدخلها بكل كبيرة
وصغيرة، حرصاً على أحسن العلاقات، وكان خروجها ليكون مشرّفاً ومنسجماً مع كل
التضحيات التي تكبّدتها في لبنان من حساب شعبها وجيشها المسكين.
وبعد، وبغضّ النظر عن دوافع دخول الجيش السوري إلى لبنان من الأساس، أكان
لدواعٍ قومية أو بطلب من الشرعية اللبنانية، أم من هنري كيسنجر؟ فإنّ الوقائع
على الأرض تقطع الشك باليقين أن هذا الدخول جاء بتأشيرة أميركية، انتهت
صلاحيتها مع صدور القرار 1559، وأنه لولا صدور القرار المذكور لما سارعت
السلطات السورية إلى سحب جيشها " تطبيقاً لاتفاق الطائف " كما صدر عنها، بعد
المماطلة في تطبيقه ثلاثة عشر عاماً.
وإذا كانت سوريا حقاً، دخلت دائرة الخطر والاستهداف الأميركي المباشر،
فالمطلوب من السلطة على الفور، وبالسرعة نفسها لتنفيذ انسحاب جيشها من لبنان
رفع قانون الطوارئ، ودعوة جميع القوى الحية الفاعلة في المجتمع السوري إلى
المشاركة في صنع القرار والتصدي للخطر المقبل.
فلن يفيد السلطة إلى حين، التلطّي في خيال إصبعها، والاستمرار بالنهج نفسه في
التعاطي، تارة باجتماعات شكلية مع بعض أقطاب المعارضة، وتارة أخرى بدفع عناصر
اتحاد الطلبة للتصدي لتظاهرة الداعين لإسقاط الأحكام العرفية والاعتداء عليهم
بالعصي، وقذفهم بشتى تهم التخوين والعمالة، ثم تمظهُر رجال الأمن بدور
الحَكَم. ولا أيضاً دفع الجماهير بأعداد غفيرة للتظاهر دعماً لموقف القيادة.
ممارسات قرعاء، صار يعرفها القاصي والداني، الى درجة باتت معها المسيرات
والمظاهرات السورية مضرباً للأمثال. تماماً كتظاهرات التأييد للمأسوف على "أم
معاركه".
والحال هذه، فإن رؤى جديدة على ما يبدو، آخذة في التبلور بشكل متسارع داخل
المجتمع السوري بشقّيه المحرر والمحتل، عنوانها الفصل بين خطر يتعرض له الوطن
وآخر يتعرض له النظام. فالشعب السوري الذي أصابه في الصميم ما لحق بهيبة
الدولة والجيش من ضرر، والاعتداءات التي طاولت العمال السوريين، رفض بكل قواه
الحرة والحية الانتهاكات التي مارستها أجهزة الاستخبارات بحق لبنان وأهله،
وكانت المسبب الرئيس للمساس الذي طاول هيبة سورية كدولة وشعب.
إنَّ التوقف عن الخطأ، بكل المقاييس، أفضل من الاستمرار فيه مهما جاوز
منسوبه، رغم أن الضرر الذي لحق بسوريا جيشاً وشعباً، ونظاماً قبل كل شيء بسبب
تلك الذهنية يصعب ترميمه أو تجاوزه في المدى المنظور. أما إصرار السلطة على
إبقاء المعادلة على شكلها الراهن: زيادة ضغط أميركي، في موازاة ضغطها على
الشعب، فإنّ للجولان رباً يحميه، وعلى الوطن السلام.
|