|
وهيب أيوب مجدل شمس
|
رجوع الطير... بقلم وهيب أيوب - 20\03\2005 - (نشر سابقاً في النهار)
كان الكتّاب والشعراء والمفكرون العرب الفارون من قمع أنظمتهم يلوذون بلبنان فيعلو صوتهم وينجلي فكرهم وتغرد قصائدهم. سامحهم الله أيقظوا الشيطان وحركوا الوسواس. وللأسف الشديد "لبنان الحريات" كان مستهدفاً ومظلوماً من العدو والصديق. ولكنكم تعلمون "أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة". إن أنظمة الاستبداد وطبائعها وأعوانها والمسوّقين لها من جهة، وحرية الناس وعيشهم وكراماتهم من جهة أخرى، هو لب المسألة وجوهر القضية، فاحذروا طريق الخداع ولا تغرقوا في التفاصيل "فالشيطان ساكنها"، فيكفي بعد الآن مواربة وتمويه. أساس المسألة في لبنان أنه تحوّل أو حوّلوه، كما في سوريا نفسها، إلى بلد تحكمه المخابرات وأجهزة الأمن والفاسدون من كلتا الجهتين، وتحكموا برقاب العباد حتى أصبح المواطن على حد تعبير نزار قباني (أذلّ من صرصار) جراء استبدادهم وقمعهم وسحقهم لأبسط حقوق الناس عبر عقود طويلة. إلا أنه، لحسن حظ اللبنانيين، أن بيئتهم السياسية والاجتماعية ما زالت أقل تلوث وفساد، فاستَبَقوا الهاوية. إن مطالب اللبنانيين من النظام السوري في لبنان هي ذات مطالب المعارضة السورية والسوريين في سوريا نفسها: رفع أجهزة الأمن والمخابرات والفاسدين عن رقاب الناس والدولة، مضافاً إليها قوانين الطوارئ والمحاكم الاستثنائية، وانتهاك الدستور والعمل بالتمديد وحكم الوراثة. فهل هذه مطالب من الجرائم الذي يعاقب عليها القانون، إذا وُجِد؟ إن القرار 1559 ودخول الخارج على الخط ما هو إلا نتاج لما ذكرتُ وليس العكس، والاستقواء بأمريكا والمجتمع الدولي إذا صحَّ، سببه ظلم الأقربين "الأولى بالمعروف". وأما بخصوص التعاون مع أمريكا وتسهيل أمورها في حربها على ( الإرهاب ) فالنظام العربي كافة خير من يقوم بالمهمة. إن الذين أوصلوا اللبنانيين لرفع شعارات (Syria out) هم أقران أولئك الذين جعلوا العراقيين يضعون أوراق انتخابهم في ظل الاحتلال الأمريكي، وبمساندة النظام العربي والسوري نفسه. فلا تزاودوا (الله يرضى عليكم). لقد أشبعتمونا شعارات منذ أكثر من نصف قرن عن الوحدة والحرية والاشتراكية فلم يوفر أحدكم الوحدة من الطعن في وجهها وظهرها، والحرية باتت تحت نعال الأجهزة، وأما الاشتراكية، فقد أصبح أصغر فاسد أغنى من أكبر إقطاعي قبل "الثورة" والتأميم والاشتراكية. من هنا أقول: لم تعد تجدي شعارات "الشعب اللبناني الشقيق" و "شعب واحد في دولتين" و"سوى ربينا" ما لم تُجَسَّد حقيقة على الأرض، وما لم يتوقف العمل بعكسها. اتركوا الشعب اللبناني والسوري لحريتهم وسترون أنهم أفضل أشقاء من دون شعاراتكم. ونعلم تماماً أن التمسك بكراسيكم وفيلاتكم وشاليهاتكم ومرسيدساتكم وملياراتكم هي الأساس ولا شيء آخر. وهنا أطرح عليكم سؤالاً: هل كان من الممكن أن تخرج مظاهرات للمعارضة والموالاة في سوريا كما في لبنان؟ هل من الممكن أن يتعرض أعضاء في مجلس الشعب السوري بالنقد الحاد للحكم ورموزه ورئيسه كما في مجلس النواب اللبناني دون أن يساقوا إلى السجن كما مأمون الحمصي ورياض سيف ورفاقهم؟ أجيبوني و( سأرفع لكم القبعة). هذا اللبنان الذي تتهمونه بولائه للأجنبي، أو استيلاء الأجنبي عليه، هو الأكثر حرية والأكثر ديموقراطية والأكثر أهلية للاستقلال الحقيقي من ذي قبل وذي غير، والذي لا يحظى فيه أي شعب عربي ودولة عربية أخرى- وحده رد أمريكا وفرنسا على أعقابهما عام 83، ووحده قذف بجيش إسرائيل في آتون الهزيمة عام 2000. يقول "هوشي منه": "عندما تبدأ بحساب الخسائر مقابل صيحة الحرية، فإنك ستفقد الاثنين معاً". للانعتاق من العبودية على الشعب العربي أن يختار بين أمرين لا ثالث لهما: إما الاستبداد وإما الحرية. وأعدكم أنه لن يتحرر الجولان، ولا أي شبر أرض، دون حرية الشعب، أصحاب الأرض. لقد كانت منارة الإسكندرية إحدى عجائب الدنيا. تهدي السفن وبحاريها إلى الشاطئ آمنين. وقدر لبنان أن يكون منارة للحرية تهدي الشعوب العربية إليها، فاستحقت أرزة لبنان تقليدها وسام الشرف، واستحق اللبنانيون وسام الأرز بجدارة على مخاطرتهم بأنفسهم وتجاوزهم حاجز الخوف والموت، من أجل أن يحيوا بكرامة ويحيى الآخرون. الآن... الآن عاد طائر الفينيق محلقاً، على الرغم من أنه قد يبدو صغيراً في أعين أولئك الذين لا يجيدون التحليق.
|
||||